من نصر تاريخي إلى سقوط مدو.. كيف تبخرت أغلبية ستارمر الساحقة؟

الغارديان: كير ستارمر أطاح بإرث كوربن لكنه فشل في إدارة السلطة - جيتي
قالت صحيفة "الغارديان" البريطانية إن كير ستارمر، الذي قاد حزب العمال إلى فوز انتخابي تاريخي في انتخابات عام 2024، انتهى إلى واحدة من أسرع حالات التراجع السياسي في تاريخ رؤساء الوزراء البريطانيين، بعدما أخفق في استثمار الأغلبية البرلمانية التي حصل عليها وتحويلها إلى مشروع حكم متماسك.

وفي تقرير أعده المحرر السياسي بيتر وولكر، أشارت الصحيفة إلى أن ستارمر لم يدخر جهدا في إعادة تشكيل حزب العمال منذ توليه قيادته، إذ عمل على تهميش أنصار الزعيم السابق جيريمي كوربن، قبل أن يعزل كوربن نفسه من الحزب، لكنه لم يمتلك رؤية واضحة لكيفية استخدام القوة السياسية التي راكمها خلال تلك السنوات.

ورأت الصحيفة أن مسيرة ستارمر السياسية حملت طابعا دراميا؛ فبعد 11 عاما فقط من دخوله البرلمان، نجح في تحقيق فوز انتخابي اعتبره كثيرون مستحيلا، قبل أن يتبدد هذا الإنجاز خلال أقل من عامين في الحكم.

وأضاف التقرير أن تراجع ستارمر جاء في سياق سياسي غير مسبوق تشهده بريطانيا، حيث تآكلت الهيمنة التقليدية للحزبين الكبيرين وتوزعت الولاءات الانتخابية بين خمسة أحزاب رئيسية، ما جعل حزب العمال يواجه تحديات متزامنة من اليمين واليسار.

ونقلت الصحيفة عن المؤرخ البريطاني أنتوني سيلدون، الذي ألف كتبا عن رؤساء الوزراء البريطانيين منذ جون ميجور وحتى ريشي سوناك، قوله إن ستارمر "لم يكن يعرف ما يفعله من ثلاثة جوانب"، موضحا: "أولا، لم يفهم طبيعة وظيفة رئيس الوزراء وما الذي يفترض أن يقوم به. ثانيا، لم يكن يعرف ما الذي يريد تحقيقه، وخاصة في السياسة الاقتصادية. ثالثا، لم يكن يعرف من يختار للمناصب. وعندما تجتمع هذه العوامل الثلاثة فإن الفشل يصبح مسألة وقت".


ووفقا للتقرير، فإن عددا من العاملين مع ستارمر لاحظوا قبل انتخابات تموز/ يوليو 2024 وجود فجوة واضحة بين قدرته على إدارة الحملات الانتخابية واستعداده الفعلي للحكم، وهو ما انعكس لاحقا على أداء الحكومة.

وأشارت "الغارديان" إلى أن بعض المقربين من ستارمر حملوا رئيسة ديوانه السابقة سو غراي جزءا من مسؤولية البداية المتعثرة للحكومة، بينما رأى آخرون أن المشكلة الأساسية كانت في ستارمر نفسه، الذي لم يتمكن من الانتقال من عقلية زعيم المعارضة إلى عقلية رئيس الوزراء.

ونقلت الصحيفة عن عالم السياسة البريطاني ديفيد رونسيمان قوله: "اعتقد ستارمر أن مهمته الأساسية هي فرض الانضباط داخل الحزب والاستعداد للانتخابات المقبلة، لكن الواقع كان أن حزب العمال كان سيفوز بالانتخابات على أي حال منذ منتصف الدورة البرلمانية تقريبا". وأضاف: "كان أمام الحزب عامان كاملان للاستعداد للحكم، لكنه لم يستعد".

ولفت التقرير إلى أن مورغان ماكسويني، الذي لعب دورا محوريا في إعادة بناء حزب العمال بعد حقبة كوربن، تولى لاحقا مواقع مؤثرة داخل فريق ستارمر، إلا أن أداءه تعرض لانتقادات واسعة، خاصة بعد تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لدى واشنطن، وهو القرار الذي وصفه التقرير بأنه كان من أبرز الإخفاقات السياسية للفريق الحاكم.

ورأت الصحيفة أن ستارمر تقاطع في بعض جوانب قيادته مع رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، ولا سيما في كثرة التغييرات داخل دوائر صنع القرار، قبل أن يكتشف المحيطون به أن المشكلة لا تكمن في المستشارين بقدر ما تكمن في أسلوب القيادة نفسه.

وفي المقابل، دافع بعض المقربين من ستارمر عنه، مؤكدين أنه كان يتمتع بقدر كبير من الجدية والكفاءة. ونقلت الصحيفة عن أحد مساعديه السابقين قوله إن ستارمر كان "شخصا مجتهدا وفعالا"، وإن جزءا كبيرا من نهجه السياسي استند إلى "إيمان راسخ بالعدالة".

لكن منتقديه رأوا أن المشكلة الجوهرية تمثلت في غياب منظومة فكرية أو عقائدية واضحة توجه قراراته السياسية، الأمر الذي جعل حكومته تبدو بلا بوصلة واضحة.

وتوقفت الصحيفة عند المفارقة بين صورة ستارمر العامة وشخصيته الحقيقية، مشيرة إلى أن كثيرين ممن عرفوه عن قرب وصفوه بأنه اجتماعي ومنفتح ويتمتع بروح دعابة، إلا أن هذه الصفات لم تنعكس على حضوره السياسي أمام الرأي العام، حيث بدا في كثير من الأحيان متحفظا وبعيدا عن الناخبين.


كما استعرض التقرير صعود ستارمر إلى زعامة حزب العمال عقب الهزيمة الثقيلة التي مني بها الحزب في انتخابات 2019، مشيرا إلى أنه تمكن من الفوز بالقيادة عبر حملة منظمة وتعهدات سياسية شملت تبني سياسات يسارية مثل إعادة الملكية العامة لبعض المرافق وإلغاء الرسوم الجامعية.

ورغم نجاحه لاحقا في إعادة بناء الحزب وإبعاد إرث كوربن، بما في ذلك اتخاذ إجراءات صارمة ضد معاداة السامية داخل الحزب وتعليق أو طرد مئات الأعضاء، فإن هذه العملية، بحسب التقرير، خلقت حزبا مصمما على الفوز بالانتخابات أكثر من كونه مستعدا للحكم.

وأضافت الصحيفة أن حكومة ستارمر واجهت منذ أيامها الأولى سلسلة من الأزمات السياسية، بدءا من الجدل حول الهدايا الانتخابية، مرورا بالتراجع عن عدد من السياسات المتعلقة بالرعاية الاجتماعية ومخصصات التدفئة الشتوية للمتقاعدين، وصولا إلى الفشل في احتواء صعود حزب "إصلاح بريطانيا" بقيادة نايجل فاراج.

وأشارت إلى أن تراجع شعبية حزب العمال لم يصب فقط مصلحة اليمين، بل دفع أيضا أعدادا متزايدة من الناخبين نحو حزب الخضر، الذين رأوا أن حزب العمال لم يعد يمثلهم.

ووفقا للتقرير، كشفت انتخابات فرعية جرت في شباط/ فبراير الماضي حجم التراجع الذي أصاب الحزب، بعدما نجح حزب الخضر في انتزاع دائرة غورتون ودينتون في مانشستر الكبرى، رغم أن حزب العمال كان يتمتع فيها بأغلبية بلغت 13 ألف صوت.

وأكدت الصحيفة أن استطلاعات الرأي أظهرت تدهورا غير مسبوق في شعبية ستارمر وحزبه، إذ تراجعت نسبة التأييد إلى نحو 17 بالمئة فقط، بينما وصفه بعض المشاركين في مجموعات النقاش السياسية بعبارات مثل "قنديل البحر" و"الخاضع".

وختم التقرير بالإشارة إلى أن المشروع السياسي الذي حمل اسم "الستارمرية" لم ينجح في ترسيخ نفسه كتيار فكري أو سياسي واضح، متوقعا أن يطوى سريعا مع نهاية عهد ستارمر، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى شخصيات عمالية جديدة، على رأسها آندي بورنهام، لخوض مرحلة إعادة بناء الحزب من جديد.

وقال ديفيد رونسيمان في ختام تقييمه لمسيرة ستارمر إن التاريخ قد يتذكره باعتباره "الرجل الذي امتلك أغلبية ساحقة لكنه لم يعرف كيف يستغلها، ولم ينجح في الانتقال من دور زعيم المعارضة الناجح إلى رئيس وزراء ناجح".