نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالًا للكاتبة أروى مهداوي يتناول الجدل الواسع الذي أثاره منع الإعلاميين الأمريكيين حسن بايكر وتشينك أويغور من دخول
بريطانيا، مؤكدة أن جوهر القضية يتعلق بقمع أي شخص ينتقد إسرائيل ويكشف عن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون.
وقالت الكاتبة في هذا المقال الذي ترجمته "عربي21"، إن الحكومة البريطانية منعت هذا الأسبوع حسن بايكر وتشينك أويغور، وهما من أبرز المعلقين اليساريين في الولايات المتحدة، من دخول البلاد بحجة أن وجودهما لا يخدم "الصالح العام"، دون توضيح معنى هذه العبارة الفضفاضة.
وقد اتهم بايكر وأويغور السلطات البريطانية بحرمانهما من الدخول إلى المملكة بسبب انتقاداتهما المتكررة لإسرائيل، بينما يتهمهما البعض بمعاداة السامية.
وقالت الكاتبة إن بايكر وأويغور أطلقا بالتأكيد بعض التصريحات المرفوضة، مثل قول بايكر في إحدى المناسبات إن بعض اليهود الأرثوذكس "نتاج زواج أقارب"، وهو ما اعتذر عنه لاحقاً، لكن حدود الكلام الذي يضرّ بالصالح العام ليست واضحة، خاصة أن شخصيات محافظة في الولايات المتحدة مثل بن شابيرو أدلت بتصريحات مسيئة للعرب دون أن تُمنع من دخول بريطانيا.
وترى الكاتبة أن تصريحات بايكر وأويغور ليست أخطر من تصريح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الذي حمّل جميع الفلسطينيين مسؤولية هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وقد وجدت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن هذا التصريح يحرض على الإبادة الجماعية، ومع ذلك استقبلت بريطانيا هرتسوغ في لندن عام 2025 واعتبرت أن اللقاء "يخدم الصالح العام".
تضليل وتلاعب بالمفاهيم
أشارت الكاتبة إلى أنه لا يجب اختزال القضية في منع معلقين أمريكيين من دخول بريطانيا، أو حدود حرية التعبير، لأن المسألة أكثر خطورة، وهي التلاعب بمفهومي "الخير" و"الشر" في الخطاب السياسي والإعلامي.
فهناك حسب الكاتبة مبادئ أخلاقية مشتركة بين الجميع على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم السياسية، ومنها أن الأطفال أبرياء ولا يجب قتلهم، وأنه لا ينبغي تحت أي ظرف تدمير المنشآت الصحية، وأن القوانين الدولية وُجدت لحماية المدنيين، وأنه لا يجب طرد الناس بشكل جماعي من أراضيهم لإقامة مستوطنات فاخرة، وأن العقاب الجماعي يُعتبر جريمة لا "تخدم الصالح العام" بأي شكل من الأشكال.
وتضيف الكاتبة أنها تعود باستمرار إلى مذكرات الناشطة الأمريكية راشيل كوري، لأنها تُظهر بوضوح تام أنه لا مجال للتردد الأخلاقي عندما تشاهد الفظائع أمام عينيك.
عندما ذهبت كوري إلى غزة عام 2003، أي قبل أكثر من عقدين من أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كتبت عن التهجير والتدمير التدريجي وقالت: "أريد فقط أن أكتب إلى أمي وأخبرها أنني أشهد هذه الإبادة الجماعية المزمنة والخفية، وأنني خائفة حقًا، وأنني أصبحت أشك في إيماني الراسخ بجوهر الخير في الطبيعة البشرية".
بعد فترة وجيزة من كتابة هذه الكلمات، دهستها جرافة إسرائيلية بينما كانت تحاول إنقاذ منزل فلسطيني في رفح من الهدم. وخلال الحرب الأخيرة، تم تدمير مدينة رفح بأكملها، وتشريد 275 ألف نسمة.
وأكدت الكاتبة أن قتل الأطفال واستهداف المسعفين وتسوية مدن كاملة بالأرض هي بالتأكيد ممارسات "لا تخدم الصالح العام"، لذلك تسعى إسرائيل وبعض وسائل الإعلام الغربية إلى منع العالم من رؤية ما يحدث في غزة والضفة الغربية ولبنان.
وقد أفادت لجنة حماية الصحفيين بأن الجيش الإسرائيلي ارتكب عمليات قتل تستهدف الصحفيين أكثر من أي جيش حكومي آخر منذ بدء اللجنة عمليات التوثيق عام 1992، حيث قُتل أكثر من 235 صحفيًا وعاملًا في مجال الإعلام في غزة، بينما تستمر إسرائيل في منع وسائل الإعلام الأجنبية من الدخول إلى القطاع.
واعتبرت الكاتبة أن أحد الأساليب الأخرى للتضليل وتمييع الفرق بين الخير والشر هو تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم. وقد حلّل آدم جونسون في كتابه "كيف تسوّق إبادة جماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزة" حوالي 12 ألف مقال و5 آلاف مقطع تلفزيوني عن حرب غزة، ليكشف أن الإعلام الأمريكي يصور إسرائيل دائمًا باعتبارها "الخير" والفلسطينيين باعتبارهم "الشر".
إسرائيل فوق النقد
وقالت الكاتبة إن الحديث عن فلسطين يُستثنى في الغرب من حرية التعبير منذ عقود، وقد تصاعد هذا التوجه بعد هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حيث تم تشويه المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وطُرد الناشطون والطلاب، وأُلغيت فعاليات أدبية، فيما ضاعفت إسرائيل ميزانية دعايتها خمس مرات لتصل إلى 730 مليون دولار بهدف السيطرة على السردية في وسائل الإعلام.
وأشارت إلى أن انتقاد إسرائيل في الفترة الحالية قد يمنعك من الحصول على البطاقة الخضراء في الولايات المتحدة، ومن الحصول على تأشيرة الدخول إلى المملكة المتحدة، لكن الناس بدأوا يدركون أن ما يحدث للفلسطينيين ظلم صارخ، ويتكلمون عن ذلك بوضوح.
وفي هذا السياق، صرحت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في حزب العمال، بأن الحكومة البريطانية خذلت الفلسطينيين، وأن شعور إسرائيل بأنها فوق المحاسبة أمر "مذهل". لكن هذه التصريحات تبقى بلا أي وزن ما دامت الحكومة تعاقب من يكشف الحقائق، حسب الكاتبة.
وتختم الكاتبة بأن الأمر الواضح على مدى العامين الماضيين، هو أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة تعتبران أن خدمة الصالح العام تعني السماح لإسرائيل بأن تفعل ما تشاء دون قيود، وأن انتقادها عمل غير أخلاقي يضر بـ"الصالح العام".