نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالا كتبه
الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف، وقال فيه إن "الرئيس
ترامب أعلن في آذار/
مارس أن التوصل إلى اتفاق لإنهاء حربه مع
إيران يتطلب استسلاما غير مشروط، لكن هذا
لم يكن دقيقا تماما، فالاتفاق المبدئي مع إيران كان أقرب إلى
استسلام مشروط من
جانب واشنطن".
وتابع قائلا: "في الأيام القليلة الماضية، ظهر
عدد من الجمهوريين ودعاة
الحرب، في حالة من الحيرة على ما يبدو، لانتقاد الاتفاق"،
مضيفا: "لقد استسلم ترامب لإيران، وحذر السناتور تيد كروز من أن منح مليارات
الدولارات لمتطرفين دينيين يريدون قتلنا ليس فكرة صائبة".
ويتفق كريستوف مع هذه الانتقادات ويرى أن الاتفاق
مع إيران "يمثل نكسة كبيرة"، موضحا أنه يقدم مساعدة فورية إلى طهران،
بما في ذلك الإفراج الفوري عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية، وإنشاء، في
مرحلة لاحقة، صندوقا بقيمة 300 مليار دولار للمساعدة في إعادة إعمار إيران. ويبدو
أنه يفتح الباب أمام إيران للحصول على سيطرة جزئية على الأقل على مضيق هرمز، مع
إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق بعد 60 يوما.
وعلق السناتور الجمهوري عن لويزيانا، بيل كاسيدي
قائلا: " هذا أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود". ومع ذلك، فهذه
الإنتقادات تغفل النقطة الأهم، فلم يكن خطأ ترامب الجوهري في إنهاء الحرب، بل في
الدخول فيها من الأساس. وفي هذه المرحلة، كان ترامب محقا في التراجع، إذ لم تكن
لديه خيارات جيدة، وكان من المؤكد أن استمرار الحرب سيكلف المزيد من الأرواح وكانت
الحرب تلحق ضررا بالغا بالاقتصاد العالمي و تعرض فرص الجمهوريين في انتخابات
التجديد النصفي للخطر.
وقال ترامب: "لو لم نبرم هذه الصفقة، لكان
بإمكاننا إلقاء المزيد من القنابل لثلاثة أسابيع أخرى أو أسبوعين أو أربعة أسابيع،
أو حتى سنتين؛ ولما كان مضيق هرمز مفتوحا أبدا. لم أكن أرغب في رؤية كارثة
اقتصادية".
ويعلق كربستوف قائلا إن الحقيقة المرة تؤكد أن إيران
انتصرت في الحرب، ولهذا السبب انتصرت في المفاوضات. لقد ماطل ترامب قدر استطاعته،
لأنه أدرك أن أي اتفاق يأمل في التوصل إليه سيكون مذلا، إلا أن فشل الحرب لم
يترك له مخرجا مرضيا.
ويقول
كريستوف إن الدرس المستفاد من هذه الكارثة هو تجنب إشعال حروب لا طائل منها وأن
نتواضع في أهدافنا من أن كل شيء سيسير على ما يرام والاعتماد بشكل أكبر على
الدبلوماسية لحل المشاكل العالمية. وفي هذه الحالة، كان الصقور الأكثر تصميما على
تدمير إيران هم من ساهموا في تقويتها، وهذا درس يجب أخذه بعين الإعتبار.
وأضاف أن حلا كان موجودا، وإن لم يكن كاملا، للمشكلة
النووية الإيرانية في عام 2015 مع الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما.
وقد صدرت إيران معظم اليورانيوم المخصب الذي تملكه إلى خارج البلاد ووافقت على
تخفيض عمليات التخصيب وفتحت أبوابها أمام عمليات تفتيش دقيقة. لكن ترامب، ورئيس
الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والمتشددين، نددوا بذلك. ووصف ترامب الاتفاق
النووي الإيراني الذي أبرمه أوباما بأنه "سيئ جدا" وركز على الأموال
التي أُعيدت إلى إيران كجزء من الاتفاق. وفي العام الماضي، صرح بأنه "لن يعيد
لهم تلك الأموال أبدا" كجزء من أي اتفاق. وأضاف: "كنت سأفوز في تلك
المفاوضات"، وعلى الأرجح لم يكن لينجح.
وبعد أن مزق ترامب اتفاق أوباما قبل ثماني سنوات،
قام قادة إيران، كما كان متوقعا، بتطوير برنامجهم النووي حتى تسببوا في أزمة. وكان
بإمكان ترامب على الأرجح التوصل إلى اتفاق جيد في شباط/ فبراير من هذا العام، عشية
الحرب، لكنه بدلا من ذلك، بدأ وبتهور بإلقاء القنابل، دون أي استراتيجية للخروج،
وعلى ما يبدو، دون حساب لكيفية رده على إغلاق مضيق هرمز.
ويقول كريستوف إن هذا الدرس حول أهمية تجنب الحروب
غير الضرورية ليس جديدا. ويبدو أن على كل جيل تعلمه من جديد، ففي
"ألياذة "هوميروس تأسف أخيل من "هذه الرحلة المجنونة"
لشن حرب طروادة، "يقاتل جنودا آخرين للفوز بزوجاتهم كغنائم". وفي
الواقع، ومنذ أن كتب هوميروس عن محاولة الإغريق تغيير النظام في طروادة، رأينا أنه
كلما زاد الطموح العسكري، زادت حاجتنا إلى الحذر.
وقال إن الإتفاق النووي الجدبد يؤجل التساؤلات
الجدية حول القدرات النووية الإيرانية إلى جولة أخرى من المفاوضات. ويخشى الكاتب
أن تكون إحدى نتائج هذه الحرب هي أن إيران ستكون أكثر ميلا لامتلاك أسلحة نووية،
إلى جانب تمديد فترة التفاوض البالغة 60 يوما وأن إيران ستماطل في المفاوضات
النووية، وأن يتردد ترامب في قبول أي اتفاق يشبه اتفاق أوباما. حينها سيفقد ترامب
اهتمامه بالأمر كما نسي غزة. ولن تكون هناك رغبة تذكر في أمريكا لحرب أخرى مع
إيران وسيدرس الحرس الثوري الإسلامي، الذي اكتسب نفوذا جديدا، ما إذا كان سيتبنى
استراتيجية كوريا الشمالية ويسعى لبناء ترسانة نووية لترسيخ هيمنته الإقليمية.
وأضاف كريستوف أن ثمن الحرب هذه هو ضعف أمريكا
وخسارة الأوراح، معظمهم من الإيرانيين واللبنانيين، وكذا مقتل 13 جنديا أمريكيا.
وتقول ليندا بيلمز، الخبيرة في تمويل الحروب بجامعة
هارفارد، إنها تعتقد أن التكلفة الإجمالية لهذه الحرب، بما في ذلك إصلاح القواعد
العسكرية واستبدال الذخائر وسنوات من استحقاقات المحاربين القدامى المصابين ، قد
تصل على الأرجج إلى تريليون دولار. وبدلا من إنفاقها على برامج الرعاية الصحية
الحكومية والتعليم الجامعي ورعاية الأطفال والمساعدات الإنسانية، أُهدرت مبالغ
طائلة في الخليج العربي.
ويقول إن أكثر من خذلناهم هم الإيرانيون العاديون.
ففي كانون الثاني/يناير، وبعد أن قمع النظام الإيراني الآلاف من شعبه، قال ترامب:
"المساعدات في الطريق"، لكننا تركنا الإيرانيين يعانون تحت وطأة حكومة
أكثر قمعا، مع أمل ضئيل في التغيير. وكدليل على اللامبالاة الأمريكية، أفادت
التقارير أن إدارة ترامب قامت هذا الشهر بترحيل امرأة إيرانية إلى جمهورية أفريقيا
الوسطى، وهي دولة مزقتها الحرب، وتنصح وزارة الخارجية الأمريكية بعدم زيارتها
"لأي سبب كان".
وختم قائلا: "لذا، من حقكم إدانة هذا الاتفاق
الفاشل بشأن الحرب على إيران، لكن المأساة هنا ليست في انسحاب ترامب من الحرب، بل
في الحرب نفسها، ودرس التاريخ هو أنه عندما ترون مجموعة من الصقور المفرطين في
ثقتهم بأنفسهم يعدون بنصر سهل، فاحذروا".