ترامب عالق في منطقة الشرق الأوسط رغم محاولاته الخروج من مستنقعها

يحاول ترامب إيجاد مسارٍ لخفض حدة الملفات في الشرق الأوسط مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي - جيتي
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً للصحفي أنطون ترويانوفسكي، قال فيه إن الرئيس ترامب قد يرغب في التخلي عن ملف الشرق الأوسط، لكن المنطقة لا تسمح له بفعل ذلك.

خلال عطلة نهاية الأسبوع، صرح ترامب بأن استراتيجيته الجديدة تجاه إيران تقوم على "خفض مستوى التصعيد" (أو اتباع نهج هادئ)، وهي إشارة إلى رغبته في الضغط على الجمهورية الإسلامية للتوصل إلى اتفاق يصب في مصلحته دون اللجوء إلى عمل عسكري واسع النطاق.

غير أن تذكيراً صارخاً بحدود القوة الأمريكية في المنطقة جاء من تل أبيب، حيث أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم الأحد أنه "يستبعد" خطة ترامب للسلام في غزة.

يضيف الكاتب: "لقد سلط الصراعان في الشرق الأوسط الضوء على حرص ترامب الشديد على إعلان النجاح وعجزه في الوقت ذاته عن فرض إرادته عليهما، وذلك رغم القوة العسكرية الهائلة التي تمكن من حشدها".

يقول برايان كاتوليس، وهو زميل أول في "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن: "من الواضح أن ترامب يحاول إيجاد مسار لخفض حدة هذه الملفات مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي". ويضيف كاتوليس: "لكن الواقع يصفعه بقوة".

ويواجه ترامب تحديات جمة تشمل استنزاف مخزون الأسلحة، ونظاماً إيرانياً مصمماً على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة، ورئيس وزراء إسرائيلياً يقاتل من أجل إعادة انتخابه، وناخبين أمريكيين يعانون من وطأة ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب مع إيران.

ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر، تتزايد باطراد التكلفة السياسية لهذه الاضطرابات على ترامب والحزب الجمهوري.

وقد عرض ترامب نهجه الهادئ تجاه إيران في مقابلة مقتضبة مع موقع "أكسيوس" الإخباري الأحد؛ فبدلاً من إطلاق تهديدات عسكرية جديدة، قال: "نحن نكتفي بمراقبة إيران في ظل معدلات التضخم الهائلة التي تعاني منها وحقيقة أنها لا تملك المال". وأضاف: "ستحل الأمور؛ فالأمور تحل دائماً، الأمر أشبه بلعبة الشطرنج".

وفي حديثه للصحفيين في المكتب البيضاوي يوم الاثنين، قال ترامب: "هل يمكنهم إثارة المتاعب؟ نعم، بإمكانهم ذلك"، مقراً بقدرة إيران على الاستمرار في مضايقة السفن التجارية في مضيق هرمز، لكنه استدرك قائلاً: "لكنهم مفلسون".

وعندما وصف ترامب النظام الإيراني بأنه يعاني من ضغوط اقتصادية، كان في الواقع يعكس مأزقه الخاص؛ إذ ظل متوسط سعر غالون البنزين أعلى من 4 دولارات هذا الأسبوع، وهو ما يزيد بأكثر من دولار واحد عن السعر الذي كان سائداً حين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في 28 شباط/ فبراير.

وتظهر استطلاعات الرأي تزايد حالة الاستياء حتى بين الجمهوريين إزاء الحرب مع إيران، كما انقسمت الحركة السياسية المؤيدة لترامب بسبب قراره شنَّ عملٍ عسكري.

وقالت سوزان مالوني، الخبيرة في الشأن الإيراني ونائبة الرئيس في معهد "بروكينغز" بواشنطن: "لا أعتقد أن الرئيس يملك خياراتٍ جيدة للغاية. فمواطن الضغط التي يواجهها الإيرانيون -وإن كانت حقيقية- تظل أكثر قابلية للاحتمال والتحمل مقارنة بتلك التي تؤثر على الاقتصاد الأمريكي والحسابات الاستراتيجية للإدارة".

وفي بيانٍ صدر يوم الاثنين، قال مسؤول في البيت الأبيض إن "الخطوات الجريئة" التي اتخذها ترامب في ساحة المعركة بإيران وعلى الصعيد الدبلوماسي بشأن غزة "ستعزز الأمن الأمريكي لسنوات قادمة".

وصرحت أوليفيا ويلز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، قائلة: "لقد اتسمت سياسات أوباما وبايدن الفاشلة بنهج الاسترضاء، في حين تتسم سياسة ترامب الناجحة بالقوة الأمريكية".

وفيما يتعلق بقطاع غزة، أعلن ترامب في 30 تموز/ يوليو عن تحقيق "اختراق تاريخي" يتمثل في اتفاق متعدد المراحل، تتخلى بموجبه حركة حماس المسلحة عن سلاحها في نهاية المطاف، وتنسحب إسرائيل من الجيب الفلسطيني. وقد أشاد -في منشور كتبه بأحرف كبيرة على منصته "تروث سوشيال"- بما وصفه بأنه "تطور مذهل" قال الجميع إنه "من المستحيل تحقيقه".

لكن في الأيام التي تلت إعلان ترامب عن الخطة، شهدت غزة تصاعداً في عمليات القصف الإسرائيلي المميتة. ويوم الأحد، رفض نتنياهو -الذي كان قد انخرط في وقت سابق من هذا العام في الحرب مع إيران إلى جانب ترامب- خطة ترامب بشكل قاطع، قائلاً: "أريد أن أكون واضحاً هنا: إسرائيل تستبعد الوثيقة المكونة من 15 بنداً".

بالنسبة لبعض المحللين، مثلت أحداث غزة تذكيراً آخر بتراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب مع إيران، التي دخلت شهرها السادس دون أن تلوح في الأفق أي بوادر على تحقيق أهداف ترامب الطموحة.

وقد اعتبر العديد من الإسرائيليين سعي ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام مع إيران بمثابة خيانة، مما منح نتنياهو دافعاً سياسياً للظهور بمظهر من يتحدى ترامب، وذلك في ظل سعيه لإعادة انتخابه في شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

ويرى كاتوليس أن ترامب قد "أساء تقدير ديناميات القوى الإقليمية" في كل من إيران وإسرائيل. كما أشار كاتوليس إلى اتفاقية الدفاع الجديدة بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان باعتبارها مؤشراً على سعي هذه الدول لتنويع خياراتها الاستراتيجية (التحوط) وسط حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل القوة الأمريكية في الشرق الأوسط.

أما في إيران، ورغم كل جهود ترامب لإيجاد مخرج للأزمة، فإن تجدد العنف قد يندلع في أي لحظة. فقد واصل الجيش الأمريكي حصاره البحري لحركة الشحن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، وأعلن يوم السبت أنه قام بتغيير مسار 53 سفينة تجارية خلال الأسابيع الأخيرة، فضلاً عن تعطيل سفينتين واعتلاء متن سفينتين أخريين.

كما ظل الحشد العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة -والذي يشمل مجموعتين قتاليتين تضمان حاملات طائرات- قائماً كما هو.

وفي هذا السياق، قال بهنام بن طالبلو -وهو خبير في الشأن الإيراني لدى "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، وهي في واشنطن تتبنى موقفاً متشدداً تجاه إيران- مشيراً إلى العقوبات والحصار الأمريكيين: "هذه الأدوات ليست إجراءات هادئة أو محدودة الأثر؛ ومن المرجح ألا تقف إيران مكتوفة الأيدي أمامها".

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد أعلنت السبت أن هجوماً إيرانياً استهدف ناقلة نفط تابعة لإحدى شركات النفط المملوكة للدولة، وذلك أثناء عبورها مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي لشحنات النفط الخارجة من الخليج العربي. وهدد الحوثيون -وهي ميليشيا مدعومة من إيران في اليمن- بعرقلة شحنات النفط السعودية المارة عبر البحر الأحمر.

وقال مسؤول إيراني بارز يوم السبت إن إيران لن تعيد فتح المضيق إلا إذا استجابت الولايات المتحدة لقائمة واسعة من المطالب، تشمل رفع العقوبات وإنهاء الحصار. كما طالب المسؤول، محمد باقر ذو القدر، بتعويضات عن الحرب، مما دفع ترامب إلى كتابة منشور على منصة "تروث سوشيال" يوم الاثنين قال فيه: "أنا أيضاً أطالب بتعويضات من إيران".

وأشار إلى أن التعويضات الإيرانية يجب أن تغطي تكاليف الضحايا (القتلى والجرحى) الذين سقطوا في "صراعات إيران العديدة"، فضلاً عن المتظاهرين الإيرانيين الذين قُتلوا على يد النظام، مضيفاً أنه أصدر تعليمات للمسؤولين بالسعي للحصول على هذه التعويضات في "أي مفاوضات مستقبلية، وبكل السبل المتاحة".

ولا يُعرف عن إيران والولايات المتحدة أنهما تجريان مفاوضات مباشرة، رغم أن وزير الخارجية ماركو روبيو صرح الأسبوع الماضي بأن إيران وسلطنة عمان المجاورة تجريان محادثات بمشاركة أمريكية. وعلى الإنترنت، واصل بعض أبرز المؤيدين لقرار ترامب الأولي بقصف إيران -يوم الاثنين- الضغط من أجل شن هجمات جديدة.

وكتب مارك ليفين، مقدم البرامج في شبكة "فوكس نيوز"، على منصة "إكس": "بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في عالم من الأوهام -سواء هنا أو في أي مكان آخر، لا بد من اتخاذ إجراءات عسكرية إضافية، فالضغط الاقتصادي وحده لن يكون كافياً".