ما هي نقاط الضعف الأمريكية التي كشف عنها الصراع مع إيران؟

سلطت صحيفة روسية الضوء على نقاط ضعف أمريكية كشفها الصراع مع إيران- الأناضول
نشرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية مقال رأي للكاتب سيرغي ليبيديف، الخبير في الشؤون السياسية الدولية، سلط خلاله الضوء على مجموعة من نقاط الضعف البنيوية في المقاربة الأمريكية، التي كشفها الصراع مع إيران.

وقال ليبيديف، في التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن إشارات متناقضة تتدفق من واشنطن وطهران تجمع بين وعود بقرب تسوية سلمية وتصعيد لافت في الخطاب الحاد.

ويضيف ليبيديف أنه من جهة، يطلق دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" تصريحات تتسم بلهجة تصعيدية، تتضمن الحديث عن السيطرة على مضيق هرمز وفرض رقابة على قطاع النفط الإيراني. ومن جهة أخرى، يؤكد أن اتفاقًا سلميًا قد يرى النور في 14 حزيران/ يونيو، بينما تتناقل وسائل إعلام إيرانية ما تصفه بتفاصيل تتعلق بـ14 بندًا يجري إعدادها ضمن اتفاق محتمل.

وبصرف النظر عمّا إذا كان الطرفان سيتوصلان بالفعل إلى اتفاق، أو ما إذا كان مسار التصعيد سيستمر، فإن ما يمكن استخلاصه بالفعل يتجاوز تفاصيل اللحظة الراهنة، ليصل إلى قراءة أعمق تتعلق بحدود الفعل الاستراتيجي الأمريكي وإمكاناته في إدارة هذا النوع من الصراعات المعقدة.

وأردف ليبيديف أنه في المقام الأول، أظهر هذا الصراع أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أراضي الدول الحليفة لم تعد مجرد "أصل إستراتيجي" يعزز القوة، بل تحولت سريعًا إلى مصدر إشكال أمني معقّد. فعلى المستوى النظري، يفترض أن الوجود الأمريكي يرفع من مستوى الأمن في الدول التي تستضيف هذه القواعد، غير أن الواقع العملي كشف أن إيران تعاملت مع هذه المواقع والبنية التحتية المحيطة بها كأهداف مباشرة، ووجهت ضربات دقيقة ومركّزة نحوها. 



وبناء عليه،  بدأ العديد من الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة يصلون إلى قناعة متزايدة بأن القواعد الأمريكية على أراضيهم لم تعد تمثل "ضمانة أمن إضافية" بقدر ما أصبحت، في نظر البعض، أشبه بمغناطيس قوي يجذب التهديدات والصواريخ الإيرانية. وعلى الرغم من استمرار واشنطن في الاعتماد على هذه القواعد في منظومتها العسكرية، فإن النقاش داخل الأوساط السياسية والفكرية العربية بات أكثر حدة حول جدوى هذا الوجود.

وبحسب ليبيديف، فإن هذا الوضع يفتح الباب أمام سؤال أوسع نطاقًا وأكثر عمقًا: فإذا كانت إيران قد نجحت في تحويل القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة إلى مصدر عبء أمني على واشنطن نفسها، فكيف سيكون المشهد في حال اندلاع مواجهة مع الصين حول تايوان؟ إذ من المرجح أن تتحول القواعد الأمريكية المنتشرة على امتداد "سلسلة الجزر الأولى" والمناطق المجاورة لها إلى أهداف رئيسية محتملة لأي ضربات صاروخية صينية، الأمر الذي يضع دولًا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين أمام معادلة شديدة التعقيد.

وتزداد حساسية هذا الوضع  بالنسبة للولايات المتحدة بالنظر إلى أن هذا المسرح الإقليمي، الذي يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره ساحة الصراع الجيوسياسي الأهم، يفتقر إلى مظلة تحالفية شاملة على غرار حلف شمال الأطلسي، رغم ما يوجد فيه من اتفاقيات ثنائية وترتيبات أمنية متفرقة.

ووفق ليبيديف؛ فلن تكون لدى اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين مساحة واسعة للحياد أو الابتعاد عن مسرح الأحداث في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو  يُعد واردا إذ يرد ضمن حسابات عدد من التقارير الإستراتيجية والدراسات الصادرة عن مراكز التفكير المتخصصة.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى أن الفلبين وكوريا الجنوبية قد تمتلكان، نسبيًا، قدرة أكبر على تقليص مستوى انخراطهما في أي حرب محتملة، شريطة توفر إرادة سياسية واضحة، بينما تبدو خيارات اليابان أكثر محدودية وتعقيدًا.

ويرى الكاتب أن النقطة الثانية التي تثير الاهتمام تتعلق بسرعة تمكن إيران من إحداث "إعماء جزئي" للقدرات الاستخباراتية الأمريكية في المنطقة. فبحسب ما ورد في مصادر مفتوحة، استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية ما لا يقل عن عشر مواقع يتمركز فيها جزء من أنظمة الرادار والمراقبة الأمريكية، بما في ذلك منظومات مثل  رادار "إيه إن/تي بي واي 2 " ورادار "إيه إن اف بي اس 132".  



أما النقطة الثالثة فهي أكثر وضوحًا على أرض الواقع، إذ لم تنجح الولايات المتحدة في تحييد القدرة النارية الإيرانية بشكل كامل، رغم أنها، وفق بعض التقديرات، تمكنت من تدمير ما يقارب نصف منصات الإطلاق وإلحاق أضرار بقدرات إنتاج الطائرات المسيّرة. ومع ذلك، احتفظت إيران بقدرة محدودة على تنفيذ ضربات مؤثرة، ما يعكس حدود القدرة على فرض التفوق العسكري الحاسم حتى في ظل التفوق الأمريكي.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية عند ربطها بطبيعة التهديدات المستقبلية المحتملة، حيث إن أبرز الخصوم الاستراتيجيين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم روسيا والصين، يعتمدون بدرجة متزايدة على عقيدة  "منع الوصول/حرمان الحركة"، والتي تهدف إلى إنشاء مناطق عسكرية يصعب على القوات المعادية العمل داخلها دون التعرض لخسائر كبيرة وغير مقبولة.

غير أن الأكثر إثارة للاهتمام ليس هذا الجانب وحده؛ فعند النظر إلى تاريخ العقود الخمسة الماضية، يمكن ملاحظة وجود نمط متكرر يتمثل في أن الولايات المتحدة غالبًا ما تحقق تفوقًا عسكريًا واضحًا في الميدان، لكنها تفشل لاحقًا في ترجمته إلى انتصار سياسي، كما حدث على سبيل المثال في العراق. 

وفي الحالة الإيرانية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تتمكن واشنطن حتى الآن من تحقيق حسم عسكري واضح، وفي الوقت نفسه وجدت نفسها أمام خسارة سياسية مبكرة، حيث لم تظهر "معارضة داخلية" تتحرك لإسقاط النظام، بل على العكس برز مجتمع متماسك نسبيًا حول خطاب مناهض للولايات المتحدة، مؤجلًا خلافاته الداخلية في مواجهة ضغط خارجي مشترك.

ورغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية والاقتصادية لصالح واشنطن، فإن الحسم الميداني لا يزال بعيدًا، ما يكشف عن تحول نوعي فرضه التطور التكنولوجي، حيث بات الطرف الأضعف قادرًا على توظيف أدوات منخفضة التكلفة ومرنة بما يكفي لاحتواء قوة كبرى.

ويشير الكاتب إلى أن الإشكال الأعمق لا يتعلق فقط بالابتكار العسكري، بل بحدود القدرة السياسية الأمريكية على تحمّل كلفة الصراع داخليًا. فالحرب لم تعد تُحسم من بعيد، حتى مع أكثر الأنظمة التكنولوجية تطورًا، إذ إن السيطرة الفعلية على الأرض لا يمكن تحقيقها دون وجود قوة بشرية مستعدة لخوض الاشتباك وتحمل تبعاته.  

وفي ختام التقرير نوه الكاتب بأن إدارة ترامب كانت تميل إلى التعويل على حلول وسط أو إجراءات جزئية، لكنها اصطدمت بحقيقة قديمة في السياسة الدولية، عبّر عنها فلاديمير لينين ذات يوم بقوله: إن "الحرب يجب أن تُخاض بجدية كاملة، أو لا تُخاض على الإطلاق".