نشرت مجلة "
فورين
أفيرز" مقالا للورنس دي. فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات
الحرب في كينغز
كوليج بلندن، قال فيه إن "محاولة الولايات المتحدة تجنب الدخول في مستنقع
إيران جعلها أمام طريق مسدود".
وتابعت المجلة: "فقد
ظل الرئيس دونالد
ترامب وعلى مدى سنوات ينتقد أسلافه لجرهم البلاد إلى "حروب
لا تنتهي" في الشرق الأوسط. وقد لا تدوم حربه على إيران إلى الأبد، لكنه يجد
الآن صعوبة بالغة في إخراج الولايات المتحدة من صراع لديه أسباب وجيهة للندم عليه".
فخلال عطلة نهاية الأسبوع،
أصر ترامب على أن اتفاقا لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز قد "تم
التفاوض عليه إلى حد كبير" وأنه على وشك الانتهاء.
كما أشار مسؤولون إيرانيون
إلى أنهم على وشك الموافقة على مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لوقف القتال على
جميع الجبهات ورفع الحصار البحري الأمريكي. إلا أن بنود هذا الاتفاق الجديد كانت
غامضة، وبدا أن الجانبين لا يزالان بعيدين عن اتفاق بشأن قضايا مهمة، من بينها على
الأرجح استعداد إيران لتقديم تنازلات فورية بشأن برنامجها النووي. وقد تحوّل هذا الغموض
الآن إلى شك.
في 25 أيار/ مايو، شنت
القوات الأمريكية غارات على أهداف في جنوب إيران، ما دفع الحرس الثوري الإيراني
إلى التوعد بالرد، وأصبحت المفاوضات المستقبلية ووقف إطلاق النار المعلن موضع شك.
وقال فريدمان إن حرب ترامب
على إيران أثارت ذكريات مؤلمة عن تدخلات سابقة. فخلال جلسات استماع في الكونغرس
أواخر نيسان/أبريل، وصف النائب الديمقراطي جون غارامندي الحرب بأنها
"مستنقع" و"كارثة سياسية واقتصادية على جميع المستويات".
ورد وزير الدفاع بيت هيغسيث
بحدة، ساخرا من فكرة أن مهمة استمرت شهرين تعد مستنقعا، قبل أن يتهم غارامندي
بالانهزامية و"تقديم دعاية لأعدائنا".
ويعلق فريدمان أن وصف
"المستنقع" ربما لم يكن الأنسب، فهو غالبا ما يرتبط بحرب فيتنام، التي
علقت فيها القوات الأمريكية لسنوات. كما أن إيران لن تشبه إحدى "الحروب
الأبدية" التي أعقبت الغزوات الأمريكية لأفغانستان في عام 2001 والعراق في
عام 2003. في الواقع، ولأن القادة الأمريكيين يخشون الآن مثل هذه المستنقعات،
فإنهم يترددون في إرسال قوات برية كبيرة إلى أماكن قد يعلقون فيها.
وبدلا من ذلك، تعتمد
الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية الحالية على الصواريخ والقوة الجوية وأنظمة
الأسلحة المعززة بالذكاء الاصطناعي. إلا أن القتال بهذه الطريقة يعني أن استخدام
القوة العسكرية لا يمكن أن يكون إلا قسريا، حيث يتم الضغط على العدو على أمل أن
يمتثل في نهاية المطاف لمطالب الولايات المتحدة. ولا تستطيع الولايات المتحدة
ببساطة أن تأخذ ما تريد، كما فعلت عندما زحفت على بغداد وأطاحت بنظام صدام حسين.
ومن هنا، يكمن إحباط إدارة
ترامب اليوم في أن النظام الإيراني لا يزال يرفض الامتثال، كما يتضح من الجولة
الأخيرة من المفاوضات، وليس من الواضح كيف يمكن إجبار طهران على الاستسلام. لم
تستطع تهديدات هيغسيث إخفاء حقيقة أن الأهداف الأساسية لعملية "الغضب
الملحمي"، ولا سيما تغيير النظام والقضاء على البرنامج النووي الإيراني، لم
تتحقق. ومع إغلاق إيران لمضيق هرمز، أصبح الوضع العام أسوأ مما كان عليه قبل بدء
العملية.
ويقول فريدمان إن مناورة
ترامب قد لا تتحول إلى حرب طويلة، لكنها فشلت بالفعل كحرب قصيرة، فلم تحقق عملية
"الغضب الملحمي" النصر الذي ادعاه قادتها.
في هذا الصدد، تشترك هذه
العملية في بعض سمات الحروب التي ناقشها في مقال نشر في مجلة "فورين
أفيرز" العام الماضي، حيث حذرت من "مغالطة الحرب القصيرة":
الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي سيمكن دولة ما من هزيمة عدوها بسرعة ودقة
ووحشية هجوم أولي.
وأشار الكاتب فيه إلى أن
القوى العظمى "تميل إلى افتراض أن تفوقها العسكري الكبير سيطيح بخصومها
بسرعة". فمن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى الحملة الأمريكية
الإسرائيلية الضاربة على إيران هذا العام، تفترض هذه الاستراتيجية أن التحرك
السريع بقوة هائلة سيشل الخصوم ويحقق نصرا سريعا في ساحة المعركة. ويضفي الذكاء
الاصطناعي مزيدا من الإغراء على هذه الإمكانية، إذ يعطي إمكانية اتخاذ قرارات
وتنفيذها بشكل أسرع في الحروب. لكن كما اكتشفت روسيا في أوكرانيا، لا تنتهي الحروب
عادة بهذه السهولة. ويظهر الصراع مع إيران أن واشنطن قد وقعت ضحية لمغالطة الحرب
القصيرة، حيث ركزت بشكل مفرط على قوة وسائلها بينما غابت عنها الرؤية حول كيفية
تحقيق غاياتها.
ففي مؤتمر صحافي عقد في 8
نيسان/ أبريل، وجاء مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ادعى هيغسيث أن
"إيران توسلت من أجل هذا الوقف" وأن "عملية الغضب الملحمي كانت
نصرا تاريخي ساحقا في ساحة المعركة". لكن من الواضح أن الأمر لم يكن كذلك.
فقد تصرفت إيران لا كما لو أنها هزمت، بل كما لو أنها استغلت الحرب لتعزيز موقفها.
وبعد مرور شهرين تقريبا، فشلت العملية في تحقيق أهدافها السياسية المعلنة، بل إنه
ليس من الواضح كيف سيحسن استئناف العمليات العسكرية، الذي لوح به مسؤولون أمريكيون
في مناسبات عدة خلال الأسابيع الأخيرة قبل شن الضربات في 25 أيار/ماسو، من الوضع.
بدلًا من انهيار النظام
الإيراني، تعززت قوته، إذ استغل المتشددون في الحرس الثوري الإسلامي الحرب لتشديد
قبضتهم على البلاد. ومضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من
نفط العالم، مغلق فعليا الآن. والشيء الوحيد الذي يمنع إيران من الاستفادة الكاملة
من المضيق هو الحصار الأمريكي المضاد للسفن التي تستخدم الموانئ الإيرانية، الأمر
الذي زاد من الضغط على الاقتصاد العالمي.
بغض النظر عن حقيقة أن
ترامب ادعى أن الضربات على منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية في حزيران/ يونيو
2025 قد "قضت" على البرنامج النووي الإيراني، فإنه يزعم الآن أن الألم
الاقتصادي الناجم عن هذه الحرب ثمن يستحق الدفع لحرمان إيران من سلاح نووي. وسواء
اتفق الشعب الأمريكي مع هذا الرأي أم لا، فإن مشكلة ترامب تكمن في أنه ليس في وضع
أفضل لتحقيق هذا الهدف مما كان عليه قبل الحرب، عندما كانت تجري مناقشات جادة بشأن
وضع قيود على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم.
وبالتأكيد، فإن إيران نفسها
ليست في وضع جيد. فمجرد إظهار النظام مرونة لا ينبغي أن يؤدي إلى تضخيم تصورات
قوته. فالاقتصاد الإيراني في حالة يرثى لها، والاحتياجات الأساسية للشعب لا تلبى
والنظام لا يستطيع التشبث بالسلطة إلا من خلال القمع الوحشي. وقد ساعدت حالة
الطوارئ الحربية النظام على ترسيخ قبضته على البلاد، لكنه تكبد ضربات قاسية، ولا
يحظى بشعبية واسعة وقد تكون أيامه معدودة، حتى وإن استغرق انهياره النهائي سنوات،
لا أشهر.
وتكمن مشكلة ترامب في أنه
كلما طال أمد هذا الجمود، ازداد شعور الشعب الأمريكي (ناهيك عن بقية العالم)
بالتبعات الضخمة الناجمة عن إغلاق المضيق. يريد ترامب طي هذه الصفحة، لكنه يحتاج
بشدة إلى بعض التنازلات قصيرة الأجل من إيران لتبرير شنه هذه الحرب. وطهران ليست
مستعدة لتقديم هذه التنازلات، ففي نهاية المطاف، هذا الصراع وجودي بالنسبة لها،
وليس للأمريكيين. هذا يعني أن المفاوضات بين واشنطن وطهران ستتأثر بشكل أقل بتوازن
القوى العسكرية، وبقدرة الطرفين المتحاربين على تحمل أشكال مختلفة من المعاناة
الاقتصادية وهذه الحسابات تنذر بالسوء للولايات المتحدة.
ومن المرجح ألا يتحول
الصراع مع إيران إلى حرب طويلة الأمد كتلك التي تقلق صانعي السياسة الأمريكية،
ببساطة لأنه لم يستدعِ بعد أعدادا كبيرة من القوات الأمريكية على الأرض. لكن
بافتراضها أن تفوقها الناري والتكنولوجي سيحقق لها نصرا سريعا ويتجنب تكرار مآزق
الماضي، وقعت واشنطن في مأزق لا مخرج منه. لقد استسلمت لمغالطة الحرب القصيرة،
وتجد نفسها الآن في موقف حرج من صنع يديها.
ويؤكد تصميم وتنفيذ عملية
"الغضب الملحمي" مدى اقتناع البنتاغون بأن القوة المطلقة ستمنح الولايات
المتحدة نصرا سريعا. عند وصف الحملة، أشار هيغسيث والجنرال دان كين، رئيس هيئة
الأركان المشتركة، مرارا وتكرارا إلى عدد الأهداف التي ضربها الأمريكيون والسرعة
التي أنجزوا بها ذلك.
وفي حديثه في 9 نيسان/ أبريل،
عدد كين نطاق الإنجازات الأمريكية: 13,000 هدفا تم ضربها، وتدمير 80% من الدفاعات
الجوية الإيرانية، وضرب 450 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية و800 منشأة لتخزين
طائرات الهجوم أحادية الاتجاه بدون طيار، وتدمير أكثر من 2,000 مركز قيادة وتحكم.
وفي المؤتمر الصحفي نفسه، تحدث هيغسيث وكأن هذا السجل من الدمار يصف انتصارا.
وربما كان الأمر كذلك لو كان كل ما هو متوقع من العملية هو إضعاف القدرات العسكرية
الإيرانية، فضلا عن إزاحة العديد من مستويات القيادة السياسية الإيرانية. لكن من
الواضح أن إدارة ترامب أرادت أكثر من ذلك بكثير.
وكانت إيران قد استعدت
للهجوم الأمريكي الإسرائيلي. ربما فوجئ النظام بحجم عمليات الاغتيال التي استهدفت
القادة الإيرانيين، لكنه كان قد وضع خططا لخلافة السلطة. فقد قطع الإنترنت وكانت
قوات القمع على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي إيراني قد يميل إلى النزول إلى
الشوارع لإثارة تمرد. وتلقى القادة العسكريون الإيرانيون أوامر بإطلاق النار ليس
فقط على إسرائيل، بل أيضا على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وجعل مضيق هرمز
شديد الخطورة على الملاحة التجارية.
ربما لم تدمر إيران عددا من
الأهداف يضاهي ما دمرته الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن من الناحية السياسية، نجحت
الاستراتيجية الإيرانية بنفس قدر نجاح الاستراتيجية الأمريكية. فقد استمر النظام
في العمل، وتمكن من مواصلة إطلاق الصواريخ وخلق أزمة اقتصادية دولية. ولأن
الأمريكيين لم يرغبوا في الدخول في مستنقع، وبالتالي لم يكونوا ليرسلوا أبدا
أعدادا كبيرة من القوات البرية لضمان إسقاط النظام، كان رد إيران كافيًا لتحقيق
تعادل عسكري مع خصمين أقوى.
وواجهت إدارة ترامب صعوبة
في فهم المنطق السياسي لوضع لم تر فيه إيران المنهكة، على حد تعبير ترامب، أي داعٍ
للاستسلام. على الأقل في المدى القريب، تستطيع إيران التفاوض بشروطها الخاصة. تكمن
نقطة ضعفها الرئيسية في مشاكلها الاقتصادية المزمنة وشعبها الساخط.
تُغري القوة العسكرية
العظمى حامليها بالاعتقاد بإمكانية إنهاء الصراعات بسهولة وبمصلحةٍ خاصة، لكن هذا
نادرا ما يحدث. وقد أثبتت العملية العسكرية الروسية، التي تسمى بـ "العملية
الخاصة" لإخضاع أوكرانيا هذه الحقيقة ببراعة. أما بالنسبة للولايات المتحدة،
فهناك درس آخر. فقد أصبح تخطيطها العسكري موجها نحو إرباك الأعداء بعمليات معقدة
وسريعة الوتيرة وضرب أهداف عديدة بسرعةٍ فائقة. وقد عزز الذكاء الاصطناعي هذا
النهج بشكل كبير، مما مكن الجيوش من تقليص الوقت بين رصد الهدف والقضاء عليه، وضرب
أهداف عديدة في وقتٍ واحد. لكن التركيز على السرعة والتدمير قد حجب عنصرا هاما آخر
في أي استراتيجية عسكرية: كيفية ضمان النتائج السياسية المرجوة من أي عمل.
وقد ارتكبت إدارة ترامب
الخطأ المألوف المتمثل في الاستهانة بالخصم. فقد افترض المسؤولون الأمريكيون أن
إيران لن تكون قادرة على التعامل مع الضربات الأولية. ولم يفكروا مليا فيما قد
يحدث إذا لم يستسلم النظام فورا، كما لم يراعوا بشكلٍ كامل نطاق الخيارات المتاحة
لإيران لإثارة المشاكل للولايات المتحدة وحلفائها.
وبلا شك فرد إيران على
الضربات المحدودة التي نفذتها في حزيران/ يونيو 2025 كان حذرا ومتأنيا. وقد أخطأ البنتاغون
حين ظن أن النظام الإيراني سيتصرف بالمثل من التردد حتى عندما يكون وجوده نفسه
مهددا. فقد عرفت أجيال من المخططين العسكريين الأمريكيين أنه إذا ما حوصرت إيران،
فستحاول إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، اقتنع الرئيس بأن إغلاق المضيق المحتمل لن يمثل
مشكلة لأن الحرب ستنتهي سريعا.
وبهذا الشكل، لم تستطع
البراعة التكتيكية الأمريكية تحقيق النجاح الاستراتيجي. في بعض الأحيان، قد تحقق
عملية سريعة كل ما هو مطلوب، فغارة الولايات المتحدة على كاراكاس لاختطاف الرئيس
الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني، على الأقل، ربطت الوسائل
بالغايات المحدودة. لكن تحقيق ذلك يصبح أكثر صعوبة عندما تكون الأهداف أكثر طموحا.
لقد رسّخ الفكر العسكري
الأمريكي فكرة أن الضربة القوية والسريعة ستؤدي حتماً إلى هزيمة العدو واستسلامه.
وقد تعزز هذا الاعتقاد بفضل الذكاء الاصطناعي. لكنّ أدلة الحروب الأخيرة تحثّ على
الحذر. فالعزوف عن استخدام القوات البرية، لا سيما ضد خصم قوي، يعني أن حتى العدو
المنهك قادر على المقاومة وإيجاد سبل للرد.
وإذا فشلت الهجمات الأولية،
ستكون خيارات التراجع غير مُرضية. قد لا تؤدي إلى حرب دائمة، لكنها ستتطلب التفاوض
مع الخصم لإيجاد مخرج، والمطالبة بتنازلات صعبة، وعدم السماح للدولة الأقوى بفرض
شروطها. ويُستفاد من تجربتي أوكرانيا وإيران أن أي قائد يعرض عليه خطة لتحقيق نصر
سريع وسهل، عليه أولا أن يسأل: "كيف يمكنك أن تكون متأكداً إلى هذه
الدرجة؟" ثم يسأل: "ماذا لو كنت مخطئا؟"