NYT: ترامب يقترب من فخ "الحرب الأبدية" مع إيران

الحروب بدأت بإسقاط أنظمة معادية لكنها تحولت إلى عمليات طويلة لمكافحة التمرد - الأناضول
تواجه الإدارة الأمريكية معضلة متزايدة في التعامل مع إيران، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى اختبار سياسي معقد يهدد بالانزلاق إلى صراع طويل الأمد.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا للكاتب ستيفن إرلانغر، أكدت فيه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يجد نفسه أمام خطر التحول إلى مسار سبق أن واجهه رؤساء أمريكيون آخرون، وهو الانخراط في حرب طويلة الأمد يصعب إنهاؤها، رغم أن ترامب دخل البيت الأبيض متعهدًا بإنهاء الحروب وعدم جر الولايات المتحدة إلى صراعات مفتوحة، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط.

وأشارت الصحيفة إلى أن التاريخ الأمريكي منذ حرب فيتنام شهد دخول عدد من الرؤساء في نزاعات عسكرية بدت وكأنها بلا نهاية، قبل أن يأتي رئيس لاحق ويقرر أن الكلفة العسكرية والسياسية أصبحت أكبر من المكاسب، فيعلن انتهاء المهمة والعودة إلى الداخل.

وقالت نيويورك تايمز إن ترامب قد يكون وقع في الفخ نفسه خلال المواجهة الحالية مع إيران، إذ يخاطر بتحويل عملية عسكرية بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حرب طويلة الأمد لا تحقق الأهداف السياسية التي أعلنتها واشنطن، بحسب منتقديه.

وأضاف إرلانغر أن الحملة العسكرية ضد إيران، التي بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية قوية، تراوحت بين محاولات التفاوض والتصعيد العسكري، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق الأهداف التي أعلنها ترامب، سواء فيما يتعلق بتغيير النظام الإيراني أو إنهاء البرنامج النووي لطهران، في وقت أنتجت فيه الحرب أزمة جديدة تتمثل في تهديد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتابعت الصحيفة أن وصول المسار الدبلوماسي إلى طريق مسدود، على الأقل في المرحلة الحالية، دفع ترامب إلى موقف أكثر صعوبة، خصوصًا بعد انهيار التفاهمات التي كانت تهدف إلى احتواء التصعيد بين الطرفين.

ونقلت نيويورك تايمز عن علي فائز، مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، قوله إن الطرفين نظرا إلى مذكرة التفاهم باعتبارها "استمرارًا للحرب بوسائل أخرى"، وليس خطوة تمهد للوصول إلى سلام دائم.

وأضاف فائز أن غياب استراتيجية طويلة الأمد للوصول إلى تسوية مستقرة قد يؤدي إلى خلق ظروف تسمح باندلاع "حرب لا نهاية لها"، محذرًا من أن الاتفاقات المؤقتة لا تكفي إذا لم تكن جزءًا من رؤية سياسية واضحة.

وأوضح إرلانغر أن مصطلح "الحروب الأبدية" ارتبط بشكل كبير بالمرحلة التي أعقبت هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001، عندما أطلقت الولايات المتحدة ما وصفته بـ"الحرب العالمية على الإرهاب"، والتي قادتها إلى عمليات عسكرية طويلة في أفغانستان والعراق.

وأشار التقرير إلى أن تلك الحروب بدأت بإسقاط أنظمة معادية، لكنها تحولت لاحقًا إلى عمليات طويلة لمكافحة التمرد وإعادة بناء دول، وانتهت في النهاية بنتائج اعتبرها كثيرون غير حاسمة، رغم التكلفة المالية والبشرية الكبيرة التي تحملتها الولايات المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن لورانس فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في كلية كينغز كوليدج لندن، قوله إن القادة الذين يمتلكون جيوشًا قوية وتقنيات عسكرية متقدمة غالبًا ما يقعون في "مغالطة الحرب القصيرة"، إذ يعتقدون أن بإمكانهم تحقيق انتصار سريع دون مواجهة تداعيات طويلة.

وأضاف فريدمان أن ترامب في إيران، وكذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، واجها مشكلة مشابهة، تتمثل في عدم إدراك حدود القوة العسكرية، ما يدفع القادة إلى وضع أهداف قد لا يمكن تحقيقها إلا عبر صراع طويل ومكلف.

وأكدت نيويورك تايمز أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق نتائج دائمة، ما لم يكن مصحوبًا باستراتيجية سياسية ودبلوماسية قادرة على تحويل المكاسب الميدانية إلى اتفاق مستقر.

ولفت التقرير إلى أن ترامب يواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في محاولة تحقيق أهدافه من خلال القوة الجوية والبحرية فقط، دون إرسال قوات برية أمريكية إلى الأراضي الإيرانية، وهو خيار سيكون بالغ الصعوبة سياسيًا داخل الولايات المتحدة.

واستعرض إرلانغر تجربة حرب الخليج عام 1991، مشيرًا إلى أنها حققت أهدافها بسرعة لأن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب حدد هدفًا سياسيًا محدودًا تمثل في إخراج القوات العراقية من الكويت.

وأوضح أن هذا الدرس لم يُستفد منه خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش الابن، عندما شنت الولايات المتحدة الحرب الثانية على العراق، والتي انتهت، بحسب التقرير، بتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة بدلًا من تقليصه.

كما أشار إلى التجربة الأمريكية في أفغانستان، حيث نجحت واشنطن في إسقاط حركة طالبان في بداية الحرب، لكنها فشلت لاحقًا في إعادة بناء النظام السياسي والمجتمع، قبل أن تعود الحركة إلى السلطة بعد انسحاب القوات الأمريكية.

وتابعت الصحيفة أن ترامب يبرر أحيانًا تحركاته ضد إيران باعتبارها محاولة لإنهاء صراع عمره 47 عامًا بين واشنطن وطهران، بدأ بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران.

لكن ولي نصر، الأستاذ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، يرى أن ما يحدث حاليًا ليس سوى مرحلة جديدة من صراع طويل بين الولايات المتحدة وإيران، شهد فترات من التوتر الشديد وأخرى من التفاهم، كما حدث خلال الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب عام 2018.

ونقلت نيويورك تايمز عن آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قوله إن ترامب، بدفع من إسرائيل، دخل أيضًا في مسار آخر من "الحروب الأبدية"، وهو الصراع بين إسرائيل وإيران الذي امتد خلال السنوات الماضية عبر حلفاء طهران في لبنان والأراضي الفلسطينية واليمن.

وأشار إرلانغر إلى أن ترامب ما زال يمتلك فرصة لتقديم الحرب باعتبارها انتصارًا سياسيًا أمام قاعدته الانتخابية، ثم إعادة القوات الأمريكية إلى البلاد، لكنه أوضح أن الرئيس الأمريكي يبدو، على العكس من ذلك، أكثر ميلاً إلى التصعيد دون امتلاك خطة واضحة لإنهاء المواجهة عبر حل دبلوماسي.

وأضاف التقرير أن إصرار ترامب على إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، مقابل تمسك إيران بنفوذها عليه، قد يؤدي إلى تورط عسكري أمريكي طويل الأمد، حتى مع مشاركة الحلفاء.

وأكدت الصحيفة أن الحرب مع إيران تختلف عن تجارب العراق وأفغانستان، إذ لم تعتمد الولايات المتحدة حتى الآن على نشر قوات برية ضخمة داخل إيران، كما أن طهران تمتلك قدرة مختلفة على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت سوزان مالوني، مديرة السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن العودة إلى الوضع الذي سبق الحرب تبدو غير ممكنة، مشيرة إلى أن التصورات الأمريكية الخاطئة في العراق ساهمت في تغيير موازين القوى الإقليمية.

وأضافت مالوني أن المنطقة قد تتجه إلى "وضع طبيعي جديد"، لكنه سيكون مصحوبًا بوجود عسكري أمريكي أكبر بكثير، بسبب قدرة إيران على تهديد السفن والمصالح البحرية في المنطقة.

ونقلت نيويورك تايمز عن ولي نصر قوله إن مصالح الولايات المتحدة في هذه المواجهة أقل من مصالح إيران، وهو ما قد يجعل وتيرة التصعيد الأمريكي تتراجع مع مرور الوقت، بينما تستعد طهران للحفاظ على مستوى مرتفع من المواجهة.

وأضاف نصر أن التاريخ أظهر في فيتنام وأفغانستان أن الانسحاب الأمريكي غالبًا ما يؤدي إلى تغير ميزان القوى، وهو ما قد يتكرر إذا طال أمد الصراع الحالي.

وفي ختام التقرير، أكدت الصحيفة أن الوصول إلى حل تفاوضي لا يزال بعيدًا، ونقلت عن علي فائز قوله إن الطرفين لم يتمكنا حتى من الالتزام باتفاق إطار بسيط يؤجل القضايا الأساسية إلى مرحلة لاحقة.

وأضاف فائز أن عدم القدرة على تنفيذ مثل هذا الاتفاق قد يؤدي إلى إزالة آخر الحواجز التي تفصل بين مواجهة مؤقتة وبين تحول الصراع إلى "حرب دائمة".