نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" تقريرا
لمراسلها في البيت الأبيض، بيتر بيكر، قال فيه إن اتفاق وقف إطلاق النار مع
إيران
-الذي طالما أشاد به الرئيس
ترامب- انهار فعليا يوم الاثنين، إذ أمر بإعادة فرض
حصار بحري وأعلن عزمه فرض رسوم عبور على السفن في
مضيق هرمز، وذلك رغم موقف إدارته
السابق بأن مثل هذه الرسوم تنتهك القانون الدولي.
وجاءت تحركات ترامب بعيد إبلاغه الكونغرس رسميا
باستئناف القتال، في ظل هجمات متبادلة بين الجانبين خلال الأيام الأخيرة ضمن صراع
طالبه المشرعون بإنهائه أو طلب تفويض منهم لمواصلته. وقد أعلن مسؤولون عسكريون أن
القوات الأمريكية شنت ضربات ضد إيران لليلة الثالثة على التوالي يوم الاثنين.
ومع تلاشي اتفاق وقف إطلاق النار الذي سبق أن احتفى
به، قلل ترامب من أهميته؛ إذ صرح في مقابلة إذاعية بأن مثل هذه الاتفاقيات
"لا تعني الكثير"، دون أن يطرح استراتيجية جديدة لحل النزاع.
وتركت هذه التطورات الرئيس دون مسار واضح للمضي
قدما، لا سيما وأن أيا من الخيارات -سواء القنابل والصواريخ أو المفاوضات
الدبلوماسية- لم يسفر عن نتيجة مقبولة. وقد قفزت أسعار النفط وهبطت الأسهم عقب
أنباء الحصار البحري ورسوم الشحن، مما زاد من الضغوط مجددا، في وقت أبدى فيه
العديد من المشرعين الجمهوريين قلقهم إزاء التبعات الاقتصادية وسعوا لإعادة
التركيز على القضايا المحلية قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة هذا الخريف.
وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: "مضيق
هرمز مفتوح، وسيظل مفتوحا، بوجود إيران أو بدونه". وأضاف: "ستُعرف
الولايات المتحدة، من الآن فصاعدا، بلقب ’حارس مضيق هرمز‘، ولكن بصفتها هذه -ومن
باب الإنصاف- ستتقاضى تعويضا بنسبة 20% من قيمة جميع الشحنات المنقولة، وذلك
لتغطية كافة التكاليف اللازمة للقيام بمهمة توفير السلامة والأمن لهذا الجزء شديد
الاضطراب من العالم".
وفي لقاء مع الصحفيين في وقت لاحق من اليوم نفسه،
برر ترامب قرار فرض الرسوم على شركات الشحن بأسلوب مشابه لما يتبعه عادة عند الحديث
عن العلاقات مع الحلفاء الذين يرى أنه ينبغي عليهم الدفع للولايات المتحدة مقابل
دعمها لهم. قال: "أريد استرداد التكاليف لأننا نحمي منطقة غنية جدا من
العالم" - مشيرا إلى حلفاء قدامى للولايات المتحدة مثل السعودية وقطر
والبحرين والإمارات العربية المتحدة - مضيفا: "وستحقق تلك الدول مكاسب كبيرة".
يتعارض قرار فرض رسوم على شركات الشحن بشكل صارخ مع
موقف الإدارة الأمريكية ذاتها عندما هددت إيران باتخاذ إجراء مماثل. فحتى في
الأسابيع الأخيرة، أصر فريق ترامب على أن فرض رسوم مقابل المرور الآمن عبر المضيق
أمر غير مقبول إطلاقا. وكان وزير الخارجية ماركو روبيو قد صرح الشهر الماضي قائلا:
"لا يُسمح لأي دولة بفرض رسوم أو أتاوات على ممر مائي دولي"، كما قال
قبل ذلك بأسابيع: "أن يصبح هذا وضعا طبيعيا هو أمرٌ لن نقبل به أبدا".
لم يبذل ترامب أي جهد - سواء في منشوره على وسائل
التواصل الاجتماعي أو في المقابلات المتعددة التي أجراها يوم الاثنين - لتوضيح
الفرق بين الرسوم الجديدة وتلك التي خططت إيران لفرضها، كما لم يحدد المدة التي
ستظل فيها هذه الرسوم سارية. ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق حول كيفية
توفيق الرئيس بين موقفه الجديد وموقفه السابق.
وصرح ترامب بأنه سيواصل إصدار أوامر بشن ضربات ضد
إيران، وهو ما هدد به مرارا وتكرارا خلال الأسبوع الماضي. وقال في مقابلة مع مذيع
الراديو هيو هيويت، قبيل إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن أحدث الضربات:
"سنوجه لهم ضربات قوية جدا الليلة، وسنضربهم بقوة غدا، ولن يكون بوسعهم فعل
أي شيء حيال ذلك". وأضاف: "ليس لديهم شيء؛ لا يملكون شيئا سوى ألسنتهم
السليطة".
كما أشار ترامب إلى احتمال قصف "جبل بيكاكس" (Pickaxe Mountain)،
وهو موقع محصن يقع على مقربة من منشأة نطنز الإيرانية لتخصيب اليورانيوم. ورغم
قوله "لا نرى أي نشاط هناك"، إلا أنه أضاف أن "بيكاكس هدف محتمل
لضربة قوية ومباشرة في عقر دارهم".
من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية -
المسؤولة عن إدارة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط - أنها ستستأنف فرض الحصار
البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو القادمة
منها، وذلك في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بالتوقيت المحلي.
أقرت الرسالة التي بعث بها ترامب إلى الكونغرس
يوم الجمعة -والتي حصلت عليها صحيفة "نيويورك تايمز"- رسميا بأنه استأنف
الضربات النشطة التي سبق أن صرح مسؤولو الإدارة بأنها عُلِّقت. وجاء في الرسالة:
"بناء على توجيهاتي، قامت القوات المسلحة الأمريكية -بدءا من 7 تموز/ يوليو
2026- بالرد عبر شن ضربات دفاعية استهدفت مواقع داخل إيران، شملت منصات إطلاق
الصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، والأصول البحرية العسكرية، ومرافق الدعم العسكري،
والبنية التحتية، وقدرات القيادة والسيطرة". ووصف ترامب هذه الضربات بأنها
"محدودة" و"مدروسة".
وقد صوّت مجلسا الكونغرس لصالح قرارات منفصلة بموجب
"قانون سلطات
الحرب"، تطالب ترامب إما بإنهاء الحرب أو السعي
للحصول على موافقة المشرعين لمواصلتها. غير أن ترامب -على غرار رؤساء
سابقين- رفض تفسير المشرعين للقانون، متمسكا بامتلاكه صلاحية تنفيذ عمليات عسكرية
دون تفويض من الكونغرس.
ويرى محللون أن تخلي ترامب عما كان يصفه بمبدأ
راسخ بشأن حرية الملاحة في المضيق قد أفرغ حجته -التي مفادها أن إيران لا تملك
الحق في فرض رسوم- من مضمونها، وجعل من الواضح أن السؤال الحقيقي الذي يواجه شركات
الشحن هو: أي قوة ستجبرهم على الدفع؟
وقال روبرت كاغان، وهو زميل أول مخضرم متخصص في
قضايا الأمن في معهد "بروكينغز": "إن ترامب يقوّض أي شرعية كان
يمكننا الادعاء بامتلاكها؛ فقد كنا نتصرف بصفتنا مدافعين عن مصلحة عامة عالمية.
فهل نطلب من الأوروبيين تحمل مخاطر جسيمة لمساعدتنا في السيطرة على المضيق، لكي
نفرض عليهم رسوما مقابل ذلك؟"
وفي حين تُركت شركات الطاقة لتقدير تداعيات هذا
الواقع الجديد عليها، اشتكت أطراف دولية من أن الولايات المتحدة باتت تمارس الآن
ما كانت تنتقد إيران لمحاولتها القيام به. ومن جانبها، أصدرت المنظمة البحرية
الدولية -وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة- قرارا يوم الاثنين أكدت فيه مجددا أن
"العبور عبر المضيق يجب أن يظل خاليا من أي رسوم أو تكاليف، وذلك وفقا
للقانون الدولي".
أما إيران، فقد سخرت من ترامب بسبب هذا التحول
الجذري في موقفه؛ إذ كتب وزير الخارجية عباس عراقجي على وسائل التواصل الاجتماعي:
"الرئيس الأمريكي محق تماما.. ينبغي تعويض من يضمن العبور الآمن والمأمون
للسفن التجارية عبر مضيق هرمز عن هذه الخدمة. لطالما كانت إيران حارسة للمضيق
وستظل كذلك إلى الأبد. بالطبع، نسبة 20% تُعد مبالغا فيها؛ وسنكون منصفين".
لقد شكل مصير المضيق مصدر قلق للرئيس ترامب منذ أن
بدأ الحرب ضد إيران في شباط/ فبراير؛ إذ أثبتت طهران قدرتها على خنق الممر الذي
يعبر من خلاله خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وبات المضيق،
عمليا، أقوى أسلحة إيران، مما جعل ترامب يكافح لإيجاد سبل لإعادة حركة الملاحة فيه
إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب.
وقد تعثر أمل الرئيس في أن يحل وقف إطلاق النار هذه
المسألة، ويرجع ذلك جزئيا إلى صياغة الاتفاق نفسه، الذي نص على أن إيران ستقوم
"ببذل قصارى جهدها لترتيب العبور الآمن للسفن التجارية"؛ وهي عبارة
فسرتها إيران على أنها اعتراف بسيطرتها على الممر.
ورغم أن ترامب قد أجاز شن ضربات جديدة، إلا أنه لم
يكن هناك شعور قوي بأنها ستغير بالضرورة حسابات إيران، طالما أن حملة القصف
المكثفة التي استمرت 38 يوما في بداية الحرب لم تفعل ذلك. كما يبدو ترامب غير
متحمس للعودة إلى حرب شاملة، في ظل ضغوط يمارسها الجمهوريون -المقبلون على
انتخابات هذا الخريف- لإنهاء صراعٍ لا يحظى بشعبية كبيرة لدى الناخبين وفقا
لاستطلاعات الرأي. ورغم تصريحه الأسبوع الماضي بأن وقف إطلاق النار قد
"انتهى"، فقد أكد أن المحادثات ستستمر.
وفي المقابلة التي أجراها مع هيويت، قلل ترامب
إلى حد كبير من أهمية اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه بنفسه، مشيرا إلى أنه لم
يتوقع نجاحه قط، رغم أن البيت الأبيض كان قد وصفه بأنه "اختراق تاريخي".
وقال إن وقف إطلاق النار كان مجرد مذكرة تفاهم، ومثل هذه المذكرات "لا تحمل أهمية
كبيرة".
وأضاف أنه كان بمثابة "اختبار" فشل
الإيرانيون في اجتيازه. وقال ترامب: "هؤلاء القوم مجانون. لقد توصلنا إلى
اتفاق حققنا فيه مكاسب كاملة، لكنهم عمدوا عمليا إلى نقضه. إنهم يعقدون
الاتفاقيات، لكن بالنسبة لهم، الاتفاقيات وُجدت لتُنقض؛ فهم أناس لا يمكن الوثوق
بهم إطلاقا".