"التايم": إسرائيل مولت حملة بملايين الدولارات للتأثير على مؤيدي ترامب

الاحتلال دفع 1.5 مليون دولار شهريا لشركة المدير السابق لحملة ترامب لإدارة الحملة الرقمية- جيتي
كشف تحقيق أجرته مجلة "تايم" عن حملة إسرائيلية استهدفت التأثير على الرأي العام الأمريكي، وخصوصا بين مؤيدي الرئيس دونالد ترامب، وفي قلب هذه الحملة برز براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترامب، الذي تلقى ملايين الدولارات من دولة الاحتلال.

وبعد أن توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 17 حزيران/ يونيو، رصد مسؤول أمريكي رفيع المستوى كان يتابع ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة وصفها بالمفاجئة، ففي الوقت الذي توقع فيه مستشارو ترامب أن يحتفل أنصاره بالاتفاق، شن عدد من المؤثرين على الإنترنت المنتمين إلى حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا) هجوما حادا عليه.

ومن بين المنشورات التي لفتت الانتباه، نشر أحد المؤثرين مقالا إسرائيليا بعنوان: "كان بإمكانك أن تكون أعظم رئيس على الإطلاق، لكنك فشلت".

كما تداول آخرون مقطع فيديو لرئيس الوزراء القطري وهو يتجاهل، على ما يبدو، نائب الرئيس جيه. دي. فانس في دولة الاحتلال، معتبرين أن ذلك يثبت أن القوى الإقليمية تستخف بـ"سذاجة" إدارة ترامب.

وظهرت هذه المنشورات في توقيت متقارب، مع وجود تشابهات لافتة في الصياغة والنبرة.

ودفع هذا التزامن المسؤول التنفيذي إلى جمع لقطات شاشة للمنشورات، قبل أن يخلص إلى أن الأمر لم يكن مصادفة، كما قاده تتبع منشورات شخصيات بارزة في اليمين الإلكتروني إلى وجود شخصية غير متوقعة في قلب موجة الانتقادات، وهي براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترامب وخبير التسويق الرقمي.

وبحسب وثائق تسجيل الوكلاء الأجانب التي راجعتها ونشرتها مجلة "التايم"، تعاقدت وكالة الإعلان العالمية "هافاس" في أيلول/ سبتمبر الماضي مع شركة بارسكيل "كلوك تاور إكس" لإدارة حملة رقمية لصالح دولة الاحتلال، وبموجب الاتفاق، التزم فريق بارسكيل بإنتاج 100 محتوى أصلي شهريا، على أن يستهدف ما لا يقل عن 80 بالمئة منها جيل زد عبر منصات مثل تيك توك، وإنستغرام، ويوتيوب، والبودكاست.


كما تعهدت شركة بارسكيل بتحقيق ما لا يقل عن 50 مليون ظهور رقمي شهريا، إضافة إلى التأثير في الطريقة التي تصور بها أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT التابعة لشركة OpenAI، دولة الاحتلال والحرب، وفي مقابل ذلك، وافق الاحتلال على دفع 1.5 مليون دولار شهريا لشركة بارسكيل.

وقدمت الحملة رسميا باعتبارها جهدا لمكافحة تصاعد معاداة السامية على الإنترنت، إلا أن مسؤولا في وزارة الخارجية في الاحتلال الإسرائيلية مطلعا على تفاصيلها كشف عن هدف استراتيجي آخر، يتمثل في منع الشباب المحافظ من الابتعاد عن دولة الاحتلال، وقدم بارسكيل نفسه باعتباره الشخص الأكثر ملاءمة لتحسين صورة دولة الاحتلال لدى هذه الفئة، مستندا إلى خبرته الواسعة في قيادة المؤسسة السياسية لترامب ومعرفته بطبيعة الإنترنت الحديثة.

ورغم اعتراف بارسكيل بأن الحملة هدفت إلى الحفاظ على دعم المحافظين لإسرائيل، فإنه نفى بشدة أي محاولة لتقويض أهداف ترامب.

وقال لمجلة "التايم": "لم أقم قط بتمويل أو تنظيم أو المشاركة في أي جهد لتقويض الرئيس ترامب على الإطلاق، إن الادعاء بأنني كنت أنسق جهودا لإطالة أمد الحرب محض افتراء"، لكن ثلاثة مصادر مطلعة على الحملة تحدثت عن وجود نظام لإدارة الرسائل عبر شبكة من الشركات التي تشرف عليها شركة بارسكيل.

ووفقا لهذه المصادر، كان المؤثرون المحافظون يتلقون عبر مجموعات دردشة خاصة نصوصا مقترحة لمنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كما كانوا يحصلون على أموال بناء على مدى انتشار تلك المنشورات.

وفي المقابل، تؤكد شركة بارسكيل أن الأموال الناتجة عن العقد الإسرائيلي لم تستخدم لدفع أجور المؤثرين بشكل مباشر، لأن ذلك كان سيجبرها على الكشف عن مصدر التمويل. إلا أن مصادر أخرى أكدت أن بعض المؤثرين تلقوا مدفوعات من شركات تابعة لها.

ومن بين أبرز الأسماء التي ظهرت في تحقيق مجلة "تايم" حول شبكة التأثير الرقمي المرتبطة ببارسكيل، المؤثر المحافظ إيال يعقوبي. وقال يعقوبي، وهو خريج جامعي حديث يدير حسابا معروفا على منصة "إكس"، إنه بدأ التواصل مع أحد أصدقاء بارسكيل قبل نحو عام، عقب شهادته أمام لجنة تابعة لمجلس النواب الأمريكي معنية بمعاداة السامية في الجامعات.

ورغم الجدل الذي أحاط بالحملة، نفى يعقوبي وجود أي نشاط غير أخلاقي. وأوضح في تقرير مجلة "تايم" أن شركة "إنفلونسيبل"، أو أي شركة أخرى، لم تدفع له قط للترويج لمواقف لا تتفق مع رؤيته الأصلية للعالم.


وقال يعقوبي، الذي رفض تقديم مزيد من التعليقات للمقال: "هذه ليست وكالة تمثلكم".

من جانبها، أكدت شركة "إنفلونسيبل" أن يعقوبي عمل كمؤثر مدفوع الأجر في عدة حملات مرتبطة بإسرائيل، لكنها شددت على أنه لم يعمل مطلقا لصالح الحكومة الإسرائيلية، مؤكدة أن أي مؤثر تابع للشركة لم يتلق أموالا من تمويل أجنبي. كما اضطرت المجلة إلى إصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن يعقوبي لم يدّع قط حصوله على أي مقابل مالي محدد مقابل مكافحة معاداة السامية.

وعلى الرغم من حجم الاستثمار المالي الكبير، يبدو أن كلا من القدس وواشنطن غير راضيتين عن نتائج هذه الحملة. ونقل التحقيق عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: "نحن غاضبون من براد بارسكيل. كان من المفترض أن يحسن الوضع. دفعنا له مبالغ طائلة، ولكن ماذا فعل بها؟ لم يزد الوضع إلا سوءا".

وتشير بيانات حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث إلى استمرار هذا الاتجاه السلبي، إذ لا ينظر سوى 32 بالمئة من الأمريكيين بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية حاليا، وهي أدنى نسبة منذ عقود، أما بين الجمهوريين الشباب، فالصورة أكثر إثارة للقلق، حيث بلغت نسبة من يحملون نظرة سلبية تجاه دولة الاحتلال 57 بالمئة.

وفي الوقت نفسه، يتزايد الإحباط داخل البيت الأبيض، فما بدأ كمحاولة للحفاظ على دعم اليمين الأمريكي لدولة الاحتلال تحول، وفقا لمسؤولين كبار في الإدارة، إلى حملة نفوذ تتعارض بشكل مباشر مع المصالح السياسية للرئيس.


وحذر مسؤول استخباراتي أمريكي رفيع المستوى قائلا: "نحن نتحدث عن مؤثرين أمريكيين يتقاضون أموالا من دولة أجنبية، ثم يحاولون حشد الدعم لتغيير موقف الرئيس أو حاشيته. لا يمكن الاستهانة بهذا الأمر باعتباره أمرا لا طائل منه".

ولم تقتصر عملية بارسكيل على إدارة المحتوى عبر المؤثرين، بل شملت أيضا إنشاء مواقع إلكترونية مخصصة، لا تستهدف القراء من البشر بقدر ما تهدف إلى تزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمعلومات والعمل على تشكيل تصوراتها.

ورغم أن العديد من الحكومات الأجنبية، بما فيها روسيا والصين وإيران، تنفذ عمليات تأثير رقمي روتينية داخل الولايات المتحدة، فإن هذه الحالة تعد استثناء بسبب طبيعة الجهة المستهدفة. فهي لم تكن محاولة للتأثير على الناخبين المترددين أو الرأي العام بشكل عام، بل استهدفت القاعدة السياسية المباشرة للرئيس الأمريكي نفسه.