خبير أمريكي: الناتو أصبح مثل "جرو مريض".. وترامب جزء من المشكلة

الخبير رأى أن قمة أنقرة نجحت في تأجيل أزمة الناتو لا في حلها- عربي21
 وصف استاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن وولت حلف الناتو بأنه مثل "جرو مريض"، معتبرا أن التحالف لم يمت بعد، إلا أن القادة الذين اجتمعوا في أنقرة الأسبوع الماضي لم يفعلوا سوى تأجيل مواجهة مشكلاته البنيوية، أو كما وصف الأمر، "ركلوا علبة مشاكله بعيدا في الشارع".

وأوضح وولت، في مقال نشرته "فورين بوليسي" أن قمة الناتو لعام 2026 أصبحت من الماضي، لكنها لم تكن تاريخية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

وقال إنه إذا كان البعض يأمل في أن تشكل القمة مناسبة لإحياء الهدف المشترك وتجديد روح التضامن عبر الأطلسي، فلن يجد سوى ما يستحق التعاطف. أما من توقع أن تكون قمة أنقرة بمثابة جرس إنذار للحلف، ربما بسبب نوبة غضب جديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد خاب ظنه أيضا. وبدلا من ذلك، شهدت القمة جهدا متعمدا وناجحا إلى حد كبير لتجاهل التوترات الواضحة، وتجنب العناوين المثيرة، وتأجيل معالجة المشكلة.

ورغم ذلك، شدد وولت على أنه لا ينبغي لأحد أن يتوهم أن أوضاع الحلف مطمئنة، مؤكدا أن الناتو يواجه أزمة حقيقية، فحين تعقد كل قمة وسط مخاوف من أن يقدم أقوى أعضائه على تقويضها أو الانسحاب منها، ثم تنتهي القمة بتنهدات ارتياح جماعية لأن ذلك لم يحدث، فإن هذا لا يعكس توافقا استراتيجيا أو منظومة قيم مشتركة مستقرة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن البعض قد يحمّل ترامب وحده مسؤولية التوترات العابرة للأطلسي، إلا أن المشكلة الأساسية، بحسب رأيه، ذات طبيعة هيكلية، فالتحالفات العسكرية ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة تستخدمها الدول لتعزيز أمنها في مواجهة تهديد مشترك.

وبصرف النظر عن الموقف من روسيا اليوم، لم يعد أعضاء الناتو يواجهون البيئة الأمنية الواضحة والمركزة نفسها التي كانت قائمة عند تأسيس الحلف عام 1949، فروسيا، وإن كانت جارة تثير القلق، ليست قوة عظمى عالمية كما كان الاتحاد السوفييتي، كما أن تصويرها باعتبارها تهديدا مهيمنا وخطيرا على أوروبا يبدو، في رأيه، مثيرا للسخرية.

ويضاف إلى ذلك أن الدول الأوروبية الأعضاء لا تتفق بالكامل على حجم التهديد الذي تمثله موسكو، بينما ليس واضحا أصلا ما إذا كانت إدارة ترامب تنظر إلى روسيا بوصفها تهديدا.

ورأى وولت أن صعود الصين أدى منذ فترة إلى تحويل الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بعيدا عن أوروبا، لأن بكين تمثل منافسا حقيقيا، بخلاف روسيا، ولأن آسيا أصبحت الساحة الاقتصادية الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة.


وفي المقابل، أوضح أنه لا يدعو إلى التقليل من أهمية أوروبا أو التقليل من قيمة الناتو، بل يرى أن الرابط الذي يجمع الولايات المتحدة بأوروبا دخل مرحلة من التآكل قبل وقت طويل من دخول ترامب إلى الحياة السياسية.

وانطلاقا من ذلك، اعتبر أن الحلف أصبح بحاجة إلى تقسيم جديد للأدوار، بحيث يتولى الأوروبيون تدريجيا المسؤولية الرئيسية عن الدفاع عن قارتهم، فيما تركز واشنطن مزيدا من الموارد والاهتمام على آسيا.

وكان من المفترض، بحسب رأيه، أن يتم هذا التحول بهدوء وعلى مدى نحو عقد كامل، مع استمرار الولايات المتحدة في مساعدة حلفائها على إعادة بناء قواتهم المسلحة والتكيف مع متطلبات ساحة المعركة المتغيرة.

وأضاف أن الناتو، بعد إعادة التوازن هذه، سيظل رصيدا مهما للولايات المتحدة وبقية أعضائه، لأنه يسهم في الحفاظ على استقرار أوروبا، وهو ما يصب في مصلحة الجميع، فضلا عن وجود العديد من السيناريوهات، بما فيها الصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط، التي يكون فيها العمل مع الشركاء أكثر فاعلية من التحرك المنفرد، غير أن فرص الوصول إلى هذه التسوية السلسة والودية تبددت، بحسب وولت، مع إعادة انتخاب ترامب عام 2024 واعتماده نهجا عدائيا صريحا تجاه الحلفاء الأوروبيين.

ولفت إلى أن ازدراء ترامب لأوروبا ليس جديدا، بل يمتد إلى سنوات، ويتجسد في مزاعمه المتكررة بأن الاتحاد الأوروبي أنشئ "لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة"، وكذلك في أسلوبه المهين في التعامل مع المسؤولين الأوروبيين، بمن فيهم من كانوا يدعمونه سابقا، مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، كما أن تهديداته المتكررة بالاستيلاء على غرينلاند، وفرضه تعريفات جمركية تعسفية وعقابية، ومغازلاته المتكررة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعكس، بحسب وولت، ضعفا واضحا في التزامه بأمن أوروبا ورفاهيتها.

وأضاف أن الخطاب العدائي الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025، ثم كرره وزير الخارجية ماركو روبيو في شباط/ فبراير الماضي بصيغة أكثر لباقة، ينسجم مع مواقف ترامب.

وحتى التقاعد المبكر والقسري للجنرال كريستوفر دوناهو، الذي كان يحظى بتقدير واسع في أوروبا، يمكن اعتباره انعكاسا لهذا الازدراء الذي تبديه الإدارة الأمريكية.

ومع ذلك، يرى وولت أن من الإنصاف الإقرار بأن ترامب، كما الرؤساء الذين سبقوه، كان محقا في انتقاد ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي خلال السنوات الماضية. بل إنه اعتبر أن نهجه المتهور ربما ساهم في إنهاء عقود من التراخي الأوروبي، بعدما بدأت أوروبا بالفعل أكبر حملة تسلح منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه الحملة كان يمكن أن تحقق نجاحا أكبر لولا أن الولايات المتحدة شنت حربا اقتصادية ضد حلفائها، وخاضت حربا فعلية مع إيران.

وأضاف أن هذه الأخطاء لم تقتصر كلفتها على دافعي الضرائب الأمريكيين، بل ألحقت أيضا أضرارا باقتصادات أوروبا في الوقت الذي كانت فيه تحاول تعويض الدور الأمريكي.


وأشار كذلك إلى أن ترامب كان يعتقد أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر في دعم أوكرانيا، رغم أن الاتحاد الأوروبي ودولا أوروبية أخرى شاركت أيضا في هذا الدعم.

كما واصل، الشكوى من أن أعضاء الناتو لم يساندوه في الخليج العربي، متسائلا: ماذا كان يتوقع بعدما شن حربا طائشة من دون استشارتهم، قبل أن ترتد عليه نتائجها؟ ولماذا يخاطر الأوروبيون بقواتهم البحرية لتأمين مضيق هرمز، بينما لم تتمكن البحرية الأمريكية نفسها من إنجاز هذه المهمة؟.

وانتقل الكاتب بعد ذلك إلى التساؤل عن الوضع الحالي للناتو، ليؤكد أولا أن القادة الأوروبيين باتوا يدركون بوضوح أن التزام الولايات المتحدة لم يعد موثوقا كما كان، وأن عليهم في نهاية المطاف الاعتماد على أنفسهم. وحتى إذا انتخب الأمريكيون عام 2028 رئيسا متحمسا للتحالف الأطلسي، لا فانس ولا روبيو، فإن العوامل الهيكلية التي أضعفت الحلف ستظل قائمة، كما أن الأوروبيين لن يطمئنوا إلى أن نسخة جديدة من ترامب لن تصل مستقبلا إلى البيت الأبيض، ورغم أن العقبات الداخلية ومشكلات العمل الجماعي أخرت جهودهم لتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، فإنهم لن يتراجعوا عن هذا المسار.

وأضاف ثانيا أن قمة أنقرة أظهرت أيضا أن الأوروبيين باتوا ينظرون إلى ترامب بوصفه شخصا لا ينبغي أخذ تصريحاته على محمل الجد، فهم يدركون أنه سيظهر أمام الكاميرات بين الحين والآخر ليطلق تصريحات غير منطقية، مثل تهديده الذي وصفه بأنه بلا معنى بقطع التجارة الأمريكية مع إسبانيا. ولذلك، فإن تجاهل تهديداته مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة يمثل، في رأيه، أفضل رد ممكن.

وفي هذا الإطار، أبدى وولت اتفاقه مع الاقتصادي بول كروغمان، الذي قال إن حلفاء الولايات المتحدة ينظرون بصورة متزايدة إلى ترامب باعتباره "عما ثريا مسنا" يتحمله الجميع لأنهم يريدون البقاء ضمن إرادته.

كما استشهد بما قالته ناتالي توتشي، من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، لصحيفة "نيويورك تايمز"، إذ أكدت أن "إهانات ترامب المتكررة وتهديداته الفارغة بدأت تفقد تأثيرها".

ووفقا لوولت، فقد ظهر ذلك بوضوح في قمة أنقرة، حيث اكتفى القادة الأوروبيون بالإيماء بأدب، وإغداق عبارات المديح التي لا معنى لها والتي لا يزال ترامب يتوق لسماعها، بينما تجاهلوا معظم تصريحاته واحتفظوا بآرائهم لأنفسهم.

وأوضح أن الهدف الرئيسي للدول الأوروبية في المرحلة الحالية يتمثل في كسب الوقت والحصول على الأسلحة الأمريكية اللازمة لبناء قدرة دفاعية كافية، إلى جانب السعي لمنع الولايات المتحدة من التخلي الكامل عن أوكرانيا، بما يضمن استمرار استنزاف روسيا لمواردها البشرية والمالية، وصولا إلى إنهاء الحرب بشروط مقبولة بالنسبة لكييف.

وفي هذا السياق، اعتبر أن تعهد ترامب بترخيص إنتاج صواريخ "باتريوت" للدفاع الجوي في أوكرانيا يمثل خبرا إيجابيا، رغم أن إنتاج هذه الصواريخ المتطورة سيستغرق سنوات، وأرجع ذلك إلى أن الخطوة تعكس موقفا أكثر إيجابية تجاه كييف مقارنة بما أظهره ترامب في السابق.


وأشار وولت إلى أنه رغم صعوبة الوثوق بالضمانات النووية الأمريكية، فإن السؤال يبقى: هل يعتقد أحد حقا أن ترامب سيخاطر بمنتجع مار-إي-لاغو دفاعا عن أي جزء من أوروبا؟ وبرأيه، فإن الإجابة هي لا. لكنه أوضح أن الحفاظ على قدر من الود مع واشنطن قد يوفر قدرا من الردع، لأنه حتى وإن لم يكن أي زعيم عاقل مستعدا لخوض حرب نووية دفاعا عن حليف أجنبي، فإن الخصوم المحتملين يظلون مضطرين إلى أخذ احتمال تصاعد أي نزاع تقليدي بسبب الحوادث أو سوء التقدير في الحسبان.

ومع الكلفة الهائلة لاستخدام السلاح النووي، قد تكون التهديدات التي تترك "بعض الأمور للصدفة" كافية لتحقيق الردع، ولهذا، خلص إلى أن الهدف الأساسي من قمة أنقرة كان أن تمر بهدوء، وقد تحقق ذلك بالفعل، إلا أن هذا لا ينبغي اعتباره دليلا على قوة حلف الناتو.