مقال في "NYT": أين المساءلة عن قتل أمريكا 175 طفلاً إيرانياً بداية الحرب؟

ظلَّ الهجومُ الخاطئُ الذي أودى بحياةِ 175 طفلاً إيرانياً دون اعترافٍ علنيٍّ طوالَ خمسةِ أشهرٍ تقريباً -
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً للصحفي دبليو. جيه. هينيغان، قال فيه إن الجيش الأمريكي نشر طائرات مسيرة من طراز "إم كيو-9 ريبر" فوق كابول، في خضم الفوضى التي صاحبت الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021، بحثاً عن عناصر من تنظيم "داعش-ولاية خراسان" كانوا يشكلون تهديداً للقوات الأمريكية المتبقية.

وبناءً على معلومة استخباراتية، ركز مشغلو المسيرات اهتمامهم على سيارة بيضاء من طراز "تويوتا كورولا"، وراقبوا توقفها في مواقع متفرقة بالمدينة وتحميلها بحزم كبيرة، معتقدين أن السائق يستعد لشن هجوم انتحاري.

أصدر القادة الأمريكيون أمراً بتنفيذ الهجوم، فدُمِّرت السيارة تماماً. وعند الكشف عن تفاصيل المهمة، أشاد الجنرال مارك ميلي -الذي كان يشغل حينها منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة- بالعملية، واصفاً إياها بأنها "ضربة مشروعة".

ثم بدأت الحقيقة تتكشف تدريجياً؛ فقد تبين أن الشخص الذي اعتُقد أنه عنصر في "داعش-ولاية خراسان" كان في الواقع موظفاً منذ فترة طويلة لدى منظمة إغاثة أمريكية، وأن الحزم المحمولة كانت عبارة عن عبوات مياه وليست متفجرات كما كان يُشتبه.

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أقر البنتاغون بأن الجيش تسبب عن طريق الخطأ في مقتل 10 مدنيين -بينهم سبعة أطفال- جراء الانفجار، وقدم الجنرال ميلي وقادة عسكريون كبار آخرون اعتذارات علنية.

ويضيف الكاتب: "لدى الحكومة الأمريكية -شأنها شأن حكومات العديد من الدول الأخرى- تقليد راسخ يتمثل في التقليل من شأن الخسائر في صفوف المدنيين أثناء الحروب".

غير أنه لا توجد سوابق تُذكر لما تقوم به إدارة ترامب حالياً من تنصل من المسؤولية عن ضربة صاروخية خاطئة في إيران أودت بحياة ما يقدر بـ 175 شخصاً في 28 شباط/ فبراير؛ إذ ظل هذا الهجوم الخاطئ دون اعتراف علني طوال خمسة أشهر تقريباً.

وقد صرح الرئيس ترامب في البيت الأبيض الشهر الماضي قائلاً: "لا أعرف ما إذا كانوا سيتمكنون يوماً من حل هذه المشكلة وتحديد المسؤول عنها، نظراً لأن الصواريخ كانت تتطاير في كل مكان".

وأضاف: "قال أحدهم إنه صاروخنا؛ حسناً، ربما لم يكن صاروخنا، لكنني لم أرَ شيئاً يدفعني للاعتقاد بأنه كان كذلك". ثم تابع قائلاً: "لا أعتقد أننا نحن من فعل ذلك".

ربما يجدر بترامب استشارة القادة العسكريين الذين يشرف عليهم؛ فقد أدرك الجيش خطأه الكارثي بعد وقت قصير من ظهور شهادات شهود عيان وصور موثقة -سواء عبر الفيديو أو الأقمار الصناعية- للضربة.

دمرت القوات الأمريكية عن طريق الخطأ مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية بصاروخ "توماهوك" أثناء قصفها للقاعدة البحرية المجاورة في مدينة ميناب الجنوبية. وكان العديد من الضحايا أطفالاً، مما جعل هذه الحادثة واحدة من أسوأ حوادث سقوط ضحايا مدنيين على يد القوات الأمريكية منذ عقود.

وفي تحقيق بدأ بعد الضربة بفترة وجيزة، اكتشف الجيش أن الموقع كان في السابق جزءاً من القاعدة البحرية، لكنه حُوِّل إلى مدرسة قبل عدة سنوات. ولم يُدرج هذا التغيير في قواعد بيانات الأهداف الأمريكية قبل أن تشن الولايات المتحدة حربها الجوية -بالاشتراك مع إسرائيل- ضد إيران، وذلك على الرغم من أن الاستخدام الجديد للمبنى كان مسجلاً في مواقع متاحة للعامة.

من الصعب تصور كيف يمكن لترامب أن يزيد هذه المأساة سوءاً، إلا أن عدم رغبته في الإقرار بالخطأ الاستخباراتي لا يرقى إلى المستوى الأخلاقي الذي يود العديد من الأمريكيين رؤيته لدى قائدهم الأعلى.

فمن خلال إنكار الحقيقة، هو يسيء إلى نزاهة الأمة ويثير تكهنات لدى الجماعات الإنسانية حول ما إذا كانت هذه الكارثة غير المتعمدة ترقى إلى مستوى جريمة حرب.

كما أنه يبتعد عن الأسلوب التقليدي الذي يتبعه البيت الأبيض في الرد على مثل هذه المزاعم البارزة، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى آلية دفاعه المعتادة والمتمثلة في الإنكار مهما كان الثمن. إن القوات الأمريكية ليست معصومة من الخطأ، لكنها استثنائية لأسباب عديدة، منها التزامها الراسخ بالأخلاق واستعدادها للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

يقول تود هنتلي، وهو محامٍ متقاعد من البحرية الأمريكية ويدير حالياً برنامج قانون الأمن القومي في جامعة جورجتاون: "تحمل المسؤولية ليس ضعفاً. إن رفض الاعتراف بمثل هذه الحوادث المأساوية يضر بمصداقية الولايات المتحدة، كما يضر أيضاً بشرعية العمل العسكري الأمريكي".

في البداية، ادعى ترامب - دون أدلة - أن إيران كانت مسؤولة عن الضربة. ومنذ ذلك الحين، تجنب تحمل المسؤولية عبر الزعم بأن الأمر قيد التحقيق؛ ورغم أن هذا القول صحيح من الناحية الفنية، إلا أنه لا يمثل الحقيقة الكاملة.

ففي كل مرة يقع فيها حادث يسفر عن سقوط ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة أو مقتل جندي أمريكي في القتال، يفتح الجيش الأمريكي تحقيقاً إدارياً - يُعرف باسم "AR 15-6" - لتحديد الحقائق المحيطة بالحادث.

وقد أتمت القيادة المركزية الأمريكية ذلك التحقيق، وهو يخضع حالياً للمراجعة من قبل وكالات حكومية مختلفة. وفي يوم الاثنين، وجهت السيناتور كيرستن جيليبراند (عن ولاية نيويورك) و24 من زملائها الديمقراطيين في مجلس الشيوخ رسالة تحث إدارة ترامب على الكشف عن نتائج التحقيق بحلول 20 تموز/ يوليو.

تتسم العمليات القتالية بالفوضى بطبيعتها، ويُعد الخطأ البشري جزءاً لا يتجزأ من أي صراع. وكما حدث في واقعة الضربة التي شنتها طائرة مسيرة في أفغانستان، فإن للولايات المتحدة تاريخاً طويلاً في نفي مثل هذه الأخطاء في البداية قبل الإقرار بالحقيقة لاحقاً.

ورغم أن الرئيس بايدن لم يعتذر قط عن تلك الضربة، إلا أن فريقه العسكري ومسؤولي الوزارة أقروا علناً بذلك الخطأ الجسيم في وقت وجيز؛ تماماً كما فعل فريق ترامب في حوادث دامية أخرى وقعت في اليمن والعراق والصومال خلال ولايته الأولى.

يقول جوزيف فوتيل، وهو جنرال متقاعد قاد جميع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الأولى: "من واقع خبرتي، كان من الأفضل دائماً الإفصاح عن المعلومات في أسرع وقت ممكن. وإذا رصدنا مشكلات أو أخطاء، كنا نبادر بمعالجتها بسرعة للحد من احتمالية تكرارها".

لقد دأبت إدارة ترامب الثانية على إضعاف وتفكيك الأنظمة الرامية إلى تقليل الأضرار الجانبية. فقد أجرى البنتاغون بهدوء تخفيضات كبيرة في "برنامج التخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والاستجابة لها"، وهو برنامج أُنشئ لوضع تدريبات وإجراءات تساعد في تجنب نوعية الأخطاء التي أدت إلى ضربة مدرسة "ميناب".

وخلص تقرير صادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع في شهر أيار/ مايو إلى أن هذه الخطوات "قد لا تمتثل" للقانون الفيدرالي الذي يلزم الوزارة بالحفاظ على مثل هذا البرنامج.

أما وزير الحرب بيت هيغسيث - الذي اعتاد السخرية مما يصفه بـ "قواعد الاشتباك الغبية" والتشديد على مبدأ "أقصى درجات الفتك، لا الالتزام القانوني الفاتر" - فلا يمكنه إلغاء البرنامج تماماً؛ نظراً لأن إنشاءه جاء بأمر من الكونغرس.

لكن بإمكانه تقليص عدد الأفراد والمعدات لدرجة تجعل المنشأة غير صالحة للعمل فعلياً، وهو بالضبط ما فعله، حسبما أفاد التقرير. ولا يبدو هذا القرار حكيماً في ظل مقتل ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني في الحرب، وفقاً لما ذكرته "وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان" في شهر نيسان/ أبريل.

وقد تحققت صحيفة "نيويورك تايمز" من وقوع أضرار لحقت بـ 22 مدرسة و17 مرفقاً للرعاية الصحية.
وعند سؤاله عن "ميناب"، قال هيغسيث إن القوات الأمريكية "لا تستهدف أبداً أهدافاً مدنية"، لكنه - شأنه شأن رئيسه - دأب على التهرب من الأسئلة المباشرة حول ما حدث، متذرعاً بوجود تحقيق جارٍ.

وقد أثارت تصريحات هيغسيث وأفعاله تكهنات بين النقاد حول نوايا الولايات المتحدة في عدم الاعتراف بالخطأ فيما يتعلق بتلك الضربة. كما دفعت السرية المحيطة بالتحقيق منظمات رقابية إنسانية - بما في ذلك منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش - إلى طرح تساؤلات عما إذا كانت الإدارة تسعى ببساطة لحماية نفسها من تداعيات انتهاك محتمل للقانون الدولي الإنساني.

بإمكان الرئيس المساعدة في توضيح الموقف من خلال الكشف عن نتائج التحقيق العسكري التي تفيد بأن قصف المدرسة كان خطأً غير متعمد في تحديد الهدف، أو عبر نشر تقرير التحقيق (المعروف بـ AR 15-6).

كما يمكنه تقديم اعتذار، وتوفير أموال لإعادة بناء المنشأة، ودفع تعويضات لأسر ضحايا الهجوم؛ وهي خطوات اتخذها الرئيس أوباما بعد أسبوع واحد من هجوم شنته طائرة حربية على مستشفى أفغاني عام 2015، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 42 شخصاً، بينهم أطفال.

وقد أدى تحقيق لاحق استمر ستة أشهر في تلك الواقعة إلى قيام البنتاغون باتخاذ إجراءات تأديبية بحق 16 عسكرياً. إن المساءلة أمر ضروري؛ فالأمريكيون يستحقون إجابات أفضل حول الإجراءات التي تُتخذ باسمهم.