فايننشال تايمز: تل أبيب خرجت من الحرب على إيران بخسائر استراتيجية وخلافات مع واشنطن

بعد الحرب على إيران.. نتنياهو يواجه اتهامات إسرائيلية بـ"الفشل الاستراتيجي" - جيتي
ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير للصحفي نيري زيلبر أن الحرب على إيران منحت رئيس وزاء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما وصفته بـ"الحلم السياسي الذي انتظره لعقود"، لكنها في المقابل أدخلته في أصعب أزمة سياسية يواجهها خلال مسيرته.

وأشار التقرير إلى أنه قبل أشهر قليلة فقط، شهد نتنياهو انطلاق حرب أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران، وهو الهدف الذي سعى إليه طويلا، إلا أن نتائجها جاءت مغايرة لما كانت تأمله تل أبيب.

وبحسب الصحيفة، أثار الاتفاق المؤقت الذي أبرمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران حالة غضب واسعة داخل المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية "الكابينت"، حيث اعتبره معارضون إسرائيليون "فشلا استراتيجيا ذريعا" نتج عن ما وصفوه بضعف الإرادة الأمريكية.

وأضافت أن واشنطن ردت بقوة على الانتقادات الإسرائيلية، إذ حذر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس المسؤولين الإسرائيليين من سوء تقدير موقعهم الحقيقي.

ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق لدى الاحتلال الإسرائيلي دان شابيرو قوله: "لقد بالغ الاثنان في تقدير قوتهما، كلاهما كان مغرورا، وأخطأ في تقدير ما يمكن تحقيقه، وأضاعا أفضل فرصة استراتيجية كانت متاحة".

تراجع التنسيق بين واشنطن وتل أبيب

وأوضح التقرير أن العلاقة الوثيقة التي جمعت نتنياهو وترامب بعد عودة الأخير إلى البيت الأبيض شهدت تراجعا ملحوظا عقب الحرب، رغم أن الرجلين التقيا سبع مرات على الأقل منذ تنصيب ترامب وحتى اندلاع المواجهة مع إيران.

وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة دفعت، في إطار تفاهماتها مع طهران، نحو تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما أثار استياء واسعا داخل الاحتلال الإسرائيلي، سواء بين سكان الشمال أو داخل أوساط اليمين المتطرف.

ورغم ذلك، أصر نتنياهو على إبقاء قوات الاحتلال داخل ما سماها "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، ما جعل الملف اللبناني أحد أبرز محاور التفاوض بين واشنطن وطهران.


انتقادات للاتفاق مع إيران

وأكد التقرير أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران كشفت بوضوح حجم التباعد بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

فالاتفاق، بحسب الصحيفة، لم يتضمن أي التزامات تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو نفوذ طهران الإقليمي ودعمها للفصائل المسلحة في المنطقة، وهي الملفات التي طالبت إسرائيل بإدراجها ضمن أي تسوية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي بارز سابق قوله إن "المسألة النووية لا تناقش إلا بالكلام"، مضيفا أن الاتفاق لا يتضمن أي التزام إيراني حقيقي بالتخلي عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

وأضاف المسؤول: "من الصعب المبالغة في وصف حجم الكارثة الاستراتيجية التي كانت عليها هذه الحرب"، متابعا: "مقارنة بما قبل الحرب، فإن الوضع اليوم أسوأ بكثير".

وأشار إلى أن إحدى النتائج الأخطر تتمثل في أن "الموقف الإسرائيلي لم يعد متطابقا مع الموقف الأمريكي كما كان سابقا".

نتنياهو يواجه تراجعا شعبيا

ولفتت "فايننشال تايمز" إلى أن شعبية نتنياهو شهدت تراجعا حادا خلال الأشهر الأخيرة، رغم الإشادات التي تلقاها من ترامب في بداية الحرب.

وقالت إن الرئيس الأمريكي وصف نتنياهو خلال اجتماع في مار إيه لاغو بأنه "بطل الحرب"، مضيفا: "ربما لم تكن إسرائيل لتوجد لولا وجوده في القيادة".

لكن هذه المرحلة مثلت، وفقا للصحيفة، ذروة العقيدة الأمنية التي تبناها نتنياهو بعد هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والقائمة على توسيع العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا وإيران.

ورغم النجاحات العسكرية التي حققتها إسرائيل في عدة جبهات، فإن الرهان على إسقاط النظام الإيراني فشل، وفقا للتقرير.

وقال شابيرو: "اندلعت الاحتجاجات داخل إيران، وبدا النظام وكأنه على وشك الانهيار، وكان الاعتقاد أن دفعة إضافية ستكفي لإسقاطه".

لكنه أضاف أن هذه الحسابات لم تصب، موضحا أن النظام الإيراني خرج من الحرب وهو يشعر بأن موقعه تعزز، رغم الخسائر البشرية والعسكرية الكبيرة التي تكبدها.


تصدع العلاقة مع ترامب

ورأت الصحيفة أن أكبر تحد يواجه نتنياهو حاليا يتمثل في تزايد التوتر مع ترامب. وأشارت إلى أن الرئيس الأمريكي وصف نتنياهو خلال الأسابيع الأخيرة بأنه "مجنون تماما"، وقال في تصريح نقلته الصحيفة: "أنا من يتخذ القرارات، وليس هو".

كما أظهرت استطلاعات الرأي تراجعا كبيرا في شعبية ترامب داخل الاحتلال الإسرائيلي، حيث بين استطلاع للقناة الثانية عشرة أن 13 بالمئة فقط من الإسرائيليين يثقون بقدرته على حماية المصالح الإسرائيلية.

وفي المقابل، شن إعلاميون ومعلقون مقربون من نتنياهو هجوما لاذعا على الإدارة الأمريكية.

وكتب المذيع اليميني المتطرف ينون ماغال أن ترامب خضع لضغوط من فانس و"جاريد كوشنر" و"ستيف ويتكوف"، متهما إياهم بأنهم "باعوا إسرائيل".

ورد فانس على تلك الانتقادات قائلا: "لو كنت في حكومة إسرائيل، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع".

"القوة وحدها لا تكفي"

ونقلت الصحيفة عن الباحثة في مؤسسة "راند" الأمريكية شيرا إيفرون قولها إن الحرب على إيران عكست مجددا العقلية الإسرائيلية التي اعتمدت حصرا على الحلول العسكرية.

وأضافت: "كان النهج الإسرائيلي قائما على فكرة أن ما لا يُحل بالقوة يمكن حله بمزيد من القوة"، مشيرة إلى غياب أي مسار دبلوماسي حقيقي في مختلف الجبهات.

ورغم ذلك، يواصل نتنياهو الدفاع عن نتائج الحرب، إذ قال خلال مؤتمر صحفي عقده في 15 حزيران/ يونيو إن هناك "حملة ممنهجة للتقليل من شأن إنجازات الحرب".

وزعم أن العمليات العسكرية أنقذت "إسرائيل من الإبادة النووية" و"الموت الجماعي"، رغم أن هذه الرواية لا تتطابق مع تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية، بحسب الصحيفة.

وختم شابيرو بالقول إن استعداد ترامب للاتفاق مع إيران يعكس رغبة أمريكية متزايدة في تقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، مضيفا أن الحرب "كانت خطأ استراتيجيا فادحا"، وأن أبرز دروسها هو أن "إتمام المهمة" لم يعد مفهوما واقعيا في الشرق الأوسط بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.