صعّدت جماعة "أنصار الله"
الحوثية من خطابات الوعيد والتهديد، وسط تلويحها بالتحرك عسكريًا ضد الحكومة
اليمنية المعترف بها دوليًا والسعودية الداعمة لها، بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني على وقف الحرب.
وكان زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، قد لوّح في خطاب له الأسبوع الماضي بالتحرك العسكري لإنهاء ما وصفه بـ"الحصار والعدوان والاحتلال"، محذرًا من أن صبر جماعته قد شارف على النفاد، وسط اتهامات للحكومة الشرعية بالسيطرة على الثروات في مناطقها.
ويعكس هذا الخطاب المتصاعد من قبل الحوثيين، وفق مراقبين، رغبة الجماعة المتحالفة مع إيران، والتي سبق أن هددت بإغلاق مضيق باب المندب دعمًا لطهران في حربها ضد الولايات المتحدة، في استثمار المتغيرات الإقليمية والمحلية لتحسين شروطها في أي مفاوضات مرتقبة.
أدوات ضغط سياسية
وفي السياق، يرى الكاتب والصحفي اليمني أحمد الشلفي أن جماعة الحوثي في المرحلة الحالية تميل إلى استخدام لغة التهديد أكثر من الذهاب إلى مواجهة واسعة.
وقال الشلفي في حديث خاص لـ"عربي21" إن التصعيد الإعلامي والسياسي لا يتطابق مع المؤشرات القائمة على الأرض.
وأضاف: "لا تزال قنوات التواصل مفتوحة مع المملكة العربية
السعودية، كما أن وفودًا حوثية شاركت خلال الفترة الماضية في لقاءات ومشاورات متعددة، سواء في الرياض أو عمّان، إضافة إلى إعلان مكتب المبعوث الأممي موافقة الأطراف الثلاثة؛ الحكومة اليمنية والمملكة وجماعة الحوثي، على عقد اجتماع للجنة التنسيق العسكري، وهو مسار يصعب التوفيق بينه وبين التوجه نحو مواجهة عسكرية شاملة".
وأشار إلى أن الحديث عن اجتماع مرتقب خلال شهر تموز/ يوليو لمناقشة الملفات العسكرية والأمنية يعكس أن "هناك مسارًا سياسيًا لا يزال قائمًا، وأن جميع الأطراف تدرك أن العودة إلى الحرب الواسعة ستعني نسف ما تحقق من تفاهمات خلال السنوات الأخيرة".
وبحسب الكاتب اليمني، فإنه منذ اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية الأخيرة، بدا الحوثيون أكثر حرصًا على إدارة مواقفهم وفق حسابات دقيقة، إذ تجنبوا الانخراط المباشر في خطوات قد تؤدي إلى مواجهة مفتوحة. ولذلك فإن التهديدات التي تصدر بين الحين والآخر تبدو أقرب إلى أدوات ضغط سياسية وتفاوضية منها إلى مؤشرات على قرار بالحرب.
وأكد الكاتب والصحفي اليمني أن الجماعة تركز، على ما يبدو، في هذه المرحلة على "تحقيق مكاسب اقتصادية ومالية"، وفي مقدمتها ملف الرواتب والتدفقات المالية.
غير أن هذا المسار، وفق المتحدث ذاته، يواجه عقبة أساسية تتمثل في "الموقف الأمريكي"، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ما تزال تضع خطوطًا حمراء واضحة بشأن "أي ترتيبات اقتصادية أو مالية يمكن أن يستفيد منها الحوثيون بصورة مباشرة، سواء ما يتعلق بدفع الرواتب أو النقاش حول تصدير النفط، ما لم تكن جزءًا من مسار سياسي شامل وواضح المعالم".
وتابع بأن الجماعة الحوثية تدرك أن واشنطن لا تنظر بعين الرضا إلى أي تحويلات أو ترتيبات مالية تمنح الحوثيين موارد إضافية خارج إطار التسوية السياسية، وهو ما يفسر جانبًا من التعقيد الذي يحيط بملفات الرواتب والإيرادات والتفاهمات الاقتصادية.
وقال الشلفي إن الدعم السعودي المتواصل للحكومة اليمنية والبنك المركزي بمئات الملايين من الدولارات "يظل خاضعًا لحسابات إقليمية ودولية أوسع من مجرد التفاهمات الثنائية بين الرياض والحوثيين".
وأردف قائلًا: "لذلك، فإن المشهد الحالي لا يوحي بأن الحوثيين يتجهون نحو حرب جديدة أو نحو إطلاق واسع للصواريخ والطائرات المسيّرة".
لكنه استدرك قائلًا: "وفي حال حدثت عمليات محدودة من هذا النوع، فمن المرجح أن تكون في إطار توجيه رسائل سياسية أو محاولة فتح جبهة ضغط على طرف آخر، لا باعتبارها مقدمة لمواجهة شاملة"، مستبعدًا في الوقت ذاته حدوث هذا السيناريو.
وأوضح أنه إذا قرر الحوثيون الذهاب إلى الخيار العسكري، وهو احتمال ما زال مستبعدًا، فإن "المعطيات الحالية لا تشير إلى أن ميزان القوى سيعمل بالضرورة لصالحهم كما كان يعتقد البعض في مراحل سابقة".
وقال الكاتب اليمني أيضًا إنه "خلال السنوات الماضية تغيرت الكثير من المعادلات، والطرف الآخر، سواء الحكومة اليمنية أو المملكة العربية السعودية، لم يعد في الموقع ذاته الذي كان عليه خلال جولات الحرب السابقة".
ولفت إلى أن هناك استعدادات عسكرية وأمنية أكبر لدى الحكومة اليمنية، وخبرات متراكمة، وإعادة تنظيم للقوات، وتنسيقًا أعلى مما كان موجودًا في مراحل سابقة من الصراع، خاصة مع خروج الإمارات من الملف اليمني العسكري تحديدًا.
وأكد أن المشكلة الرئيسية لدى الحكومة اليمنية لم تكن يومًا نقصًا حقيقيًا في الموارد البشرية أو الإمكانات العسكرية المتاحة، بقدر ما كانت مرتبطة بـ"القرار السياسي" وكيفية توظيف تلك الإمكانات في معركة شاملة ومنظمة.
مفاجآت غير محسوبة
وشدد على أن أي قراءة للمشهد الحالي يجب أن تأخذ في الاعتبار أن القدرات العسكرية الموجودة لدى الحكومة وحلفائها لم تعد بالصورة نفسها التي كانت سائدة في سنوات سابقة.
ولم يستبعد أن تحمل أي مغامرة عسكرية واسعة يقدم عليها الحوثيون "مفاجآت غير محسوبة"، خاصة إذا افترضوا أن الظروف الميدانية ما زالت كما كانت قبل أعوام.
ومضى قائلًا: "فهناك متغيرات كثيرة طرأت على الأرض، كما أن الأطراف الإقليمية والدولية باتت أكثر وضوحًا في تحديد خطوطها الحمراء ومصالحها الأمنية".
وخلص إلى أن لغة التهديد المرتفعة التي تصدر عن الحوثيين "تبدو أقرب إلى أدوات الضغط السياسي والتفاوضي منها إلى مقدمات حرب شاملة"، مضيفًا أن الجماعة تدرك أن تكلفة التصعيد اليوم أعلى بكثير من السابق، وتدرك كذلك أن أي مواجهة واسعة قد لا تمنحها النتائج التي تتوقعها.
وقال الكاتب والصحفي اليمني إن الجماعة تبدو "اليوم أكثر انشغالًا بتحسين موقعها التفاوضي والحفاظ على مكاسبها القائمة"، في وقت لا ترغب فيه القوى الإقليمية والدولية الرئيسية بفتح جبهة جديدة في اليمن، وفي ظل الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران.
وختم حديثه قائلًا: "لذلك تبدو التهديدات الحالية جزءًا من عملية تفاوض معقدة تتداخل فيها الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، أكثر من كونها مؤشرات على قرار فعلي بالعودة إلى الحرب".
رسالة متعددة الاتجاهات
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني أحمد الزرقة إن تصاعد الخطاب الحوثي ضد السعودية والحكومة اليمنية لا يمكن فصله عن جملة من المتغيرات الإقليمية والمحلية التي تشهدها المنطقة.
وتابع الزرقة حديثه لـ"عربي21" بأن الجماعة لا ترفع سقف التهديدات عادة إلا "عندما تعتقد أن هناك فرصة لتحسين شروطها السياسية والاقتصادية أو إعادة توجيه مسار التفاوض بما يخدم أهدافها".
ويمكن قراءة التصعيد الأخير باعتباره رسالة متعددة الاتجاهات، وفق الكاتب اليمني، موضحًا أنه من جهة تسعى الجماعة إلى "استثمار أي تهدئة أو تفاهمات إقليمية، بما فيها التقارب الأمريكي الإيراني أو التفاهمات الجارية في المنطقة، للقول إنها ما زالت لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص اليمن أو أمن البحر الأحمر".
ومن جهة أخرى، يضيف أن الجماعة تريد "إعادة السعودية إلى مسار التفاهمات السابقة التي جرى تداولها خلال السنوات الماضية، خصوصًا تلك المتعلقة بالرواتب والموانئ والترتيبات الاقتصادية والسياسية، وفق الرؤية الحوثية وليس وفق شروط الحكومة اليمنية أو الأطراف الأخرى".
وأشار إلى أن التصعيد يرتبط بحسابات داخلية، ذلك أن الحوثيين يمتلكون ميزة لا تتوفر لخصومهم، تتمثل في "وحدة القرار السياسي والعسكري والأمني"، بينما تعاني القوى المناهضة لهم من تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات.
وفي الوقت نفسه، بحسب الزرقة، تدير الجماعة منظومة عسكرية وأمنية واسعة تحتاج بصورة مستمرة إلى الموارد والتمويل. ومع استمرار سيطرة الحكومة على معظم حقول النفط والغاز ومصادر الإيرادات السيادية، يصبح الضغط السياسي والعسكري وسيلة لتحسين موقع الجماعة في
معركة الموارد والنفوذ.
وبيّن الكاتب والمحلل السياسي اليمني أن تهديدات عبد الملك الحوثي الأخيرة لا تستهدف الحكومة اليمنية وحدها، بل تخاطب السعودية بالدرجة الأولى، موضحًا أن مضمون الرسالة يكمن في أن "استمرار الجمود السياسي وعدم استكمال التفاهمات السابقة قد يدفع الجماعة إلى خيارات أكثر تصعيدًا".
غير أن ذلك، بحسب الزرقة، "لا يعني بالضرورة أن الحوثيين اتخذوا قرارًا بحرب شاملة، بقدر ما يعكس محاولة لرفع كلفة الوضع القائم وتحسين شروط التفاوض".
ولفت إلى أن ميزان القوى أكثر تعقيدًا مما كان عليه في مراحل سابقة، فالسعودية لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة داخل الساحة اليمنية، سواء عبر دعم الحكومة الشرعية وفصائلها المختلفة أو من خلال القوى العسكرية التي جرى بناؤها وتأهيلها خلال سنوات الحرب، بما فيها التشكيلات السلفية والقوات المحلية التي خاضت مواجهات مباشرة مع الحوثيين.
وقال إن الرياض عملت خلال السنوات الأخيرة على تعزيز حماية منشآتها الحيوية وقدراتها الدفاعية، مستفيدة من الخبرات المتراكمة ومن شبكة أوسع من الترتيبات الأمنية والإقليمية.
كما أكد أن التقارب السعودي الإيراني "يوفر عاملًا إضافيًا للحد من احتمالات الانفجار الكبير"، إذ يمنح الرياض هامشًا سياسيًا للتعامل مع المخاطر الحوثية ويقلل من فرص الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تبدو أي من العواصم الإقليمية راغبة فيها حاليًا.
ورأى أن التصعيد الحالي لا يعدو كونه تصعيدًا تفاوضيًا أكثر من كونه قرارًا نهائيًا بالحرب.
وأضاف أن الحوثيين يحاولون توظيف التهديد العسكري والتحشيد السياسي لانتزاع مكاسب أكبر وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض وفق شروط أقرب إلى رؤيتهم.
وحسب الكاتب والمحلل السياسي، فإن احتمالات التصعيد المحدود أو المواجهات الموضعية تبقى قائمة إذا استمرت حالة الجمود أو إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود القوة والردع لدى الطرف الآخر.
وقال في ختام حديثه إن الجماعة، على ما يبدو، تسعى اليوم إلى "التفاوض من موقع القوة، لا إلى استبدال التفاوض بالحرب، مع إبقاء خيار التصعيد حاضرًا كورقة ضغط تستخدمها لتحسين شروط التسوية المقبلة".
وكانت قوات ما تسمى بـ"التعبئة العامة"، وهو تشكيل عسكري شعبي جديد تابع للحوثيين، أعلنت في بيان لها "جهوزيتها الكاملة والفورية لترجمة توجيهات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، لإسناد ورفد الجيش بالمقاتلين في أي زمان ومكان لمواجهة قوى ما سمّته العدوان، وانتزاع حقوقهم وطرد المحتلين وإنهاء الحصار".