هرمز كورقة ضغط.. كيف خرجت إيران أقوى إستراتيجيا؟

الصحيفة حذرت من أن نجاح إيران في هرمز قد يشجع دولا أخرى على استغلال الممرات الاستراتيجية لفرض النفوذ- جيتي
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريرا يحذر فيه من العواقب الإستراتيجية لسيطرة إيران على مضيق هرمز، موضحًا أن فرض طهران لرسوم عبور يمثل سابقة خطيرة قد تلهم دولًا وجماعات أخرى لاستغلال نقاط الاختناق الجغرافية، مما يهدد بإنهاء حقبة حرية الملاحة العالمية التي لطالما ضمنتها الولايات المتحدة.

وذكرت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاق يمتد لـ 60 يومًا، تسمح طهران بموجبه بمرور السفن عبر مضيق هرمز دون رسوم، مقابل رفع واشنطن للحصار البحري والعقوبات عن النفط الإيراني، وتسهيل وصولها لأصولها المجمدة، بالتزامن مع بدء مفاوضات حول مستقبِل برنامجها النووي.

وأوضحت الصحيفة أنه حتى في حال صمود الاتفاق، فإن إيران ستخرج من الحرب منهكة عسكريًّا واقتصاديًّا لكنها أقوى إستراتيجيًّا، بصفتها الحارس الجديد لأهم ممر طاقة في العالم، وهو درس ستتعلمه دول أخرى لتسعى بدورها إلى استغلال مضائقها الجغرافية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم إعلان الرئيس ترامب أن مضيق هرمز سيكون "خاليًا من الرسوم دائمًا"، فإن قبضة إيران عليه لن تتراخى؛ حيث أفادت تقارير بتقاضيها مبالغ تصل لمليوني دولار عن السفينة الواحدة مؤخرًا. وحتى لو انخفضت الرسوم تماشيًا مع معدلات قناتي السويس وباناما، ستجني طهران مليارات الدولارات سنويًّا، مما يمنحها حافزًا ماليًّا هائلًا للتمسك بوضعها الجديد.

وأضافت الصحيفة أن التحكم في المضيق يمنح إيران مكاسب إستراتيجية كبرى؛ حيث بادرت قيادات عالمية مثل رئيسة وزراء اليابان، "ساناي تاكايتشي"، والتي ناشدت طهران لتأمين ناقلات نفط بلادها، مما يثبت قدرة إيران على إبرام صفقات جانبية عالمية، واستغلال هذا النفوذ مستقبلاً لانتزاع تنازلات دبلوماسية ورفع إضافي للعقوبات، فضلًا عن امتلاكها رادعًا قويًّا ضد أي ضربات عسكرية أو ضغوط اقتصادية عبر التهديد بإغلاق المضيق.

وقالت الصحيفة إن مُلّاك السفن وتجار الطاقة سيستاؤون من دفع رسوم لإيران، لكن من غير المرجح أن تكون التكاليف تعجيزية. فبالنسبة لناقلة نفط ضخمة، يعادل مبلغ مليوني دولار حوالي دولار واحد للبرميل، وهو أقل من رسوم معاملة البطاقة الائتمانية العادية.


وأدت التهديدات الإيرانية للملاحة في المضيق إلى ارتفاع جنوني في أسعار التأمين، حيث قُدرت زيادة بعض الأقساط لتصل إلى 7.5 ملايين دولار للرحلة الواحدة. وإذا كان الدفع لإيران يضمن المرور الآمن، فقد تتراجع تكاليف التأمين، مما سيعوض جزءًا كبيرًا من تلك الرسوم.

وأفادت الصحيفة أن السعودية والإمارات قد تتوصلان على مضض إلى استنتاج مماثل، فهما من أكبر الخاسرين في حال احتفاظ منافسهما الجيوسياسي الأكبر بالسيطرة على الممر المائي، لكنهما في الوقت ذاته في أمس الحاجة لإعادة فتح مضيق هرمز لاستئناف صادراتهما النفطية المربحة بكامل طاقتها.

وقد تقبل هذه الدول الخليجية بدفع رسوم إيرانية كشر لا بد منه ولو مؤقتاً، لكسب الوقت من أجل بناء خطوط أنابيب جديدة تتجاوز المضيق في مشروع قد يستغرق عقدًا من الزمن، علماً بأن نائب رئيس الوزراء القطري أقر بالفعل بأن مسألة الرسوم "المؤقتة" تُعد أمرا "قابلا للتفاوض".

وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من إصرار ترامب على عدم أحقية إيران أو جارتها عُمان في إدارة الممر المائي، أثبتت الأشهر الماضية عجز الولايات المتحدة عن فتح المضيق بالقوة؛ فعندما حاول الجيش الأمريكي ذلك في أوائل مايو/أيارج، جاء الرد الإيراني عنيفاً، مما دفع ترامب لتعليق المهمة خلال 36 ساعة. وفي اليوم ذاته، أعلنت طهران تأسيس هيئة حكومية للإشراف على الحركة الملاحية بالممر، لتمضي منذ ذلك الحين في ترسيخ سيطرتها باطراد.

وأوضحت الصحيفة أن إيران تمكنت من ذلك بفضل طائراتها المسيرة وصواريخها منخفضة التكلفة، وهي قدرات تعجز الولايات المتحدة عن القضاء عليها كلياً. ولفتت إلى أنه في غياب أي تغيير للنظام، سيحتفظ الحرس الثوري بقدرته على تهديد الملاحة في المضيق متى شاء.

ولضمان بقاء المضيق مفتوحًا، ستطالب إيران بتعويضات شبه مؤكدة؛ فإذا لم تُحصّل الأموال مباشرة من مُلّاك السفن، فإنها ستنتزعها بشكل غير مباشر عبر تخفيف العقوبات.

وفي كلتا الحالتين، ستنال طهران مكافأة مقابل السماح بالمرور الآمن، وما دام هذا المرور مرهوناً بموافقتها، فإنها هي صاحبة السيطرة الفعلية على المضيق.

وإدراكًا لهذه المعضلة؛ سعى ترامب للحصول على مساعدة من قادة عالميين آخرين، أبرزهم الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين خلال شهر أيار/ مايو، ولكن الرئيس الصيني ليس لديه دافع يُذكر لإنقاذ ترامب، فباعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، قد تضمن الصين معاملة تفضيلية لشحناتها، حتى لو اضطرت الدول الأخرى لدفع الرسوم.


وقد تفيد السيطرة الإيرانية على المضيق الصين على المدى الطويل عبر تعزيز الطلب على تقنيات الطاقة التي تهيمن عليها، حيث تضاعفت صادرات الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية الصينية في آذار/ مارس مقارنة بالشهر السابق، لتسجل مستويات قياسية.

وإذا استمر تعرض خُمس إمدادات النفط العالمية لخطر التعطيل الدائم من قِبل الحرس الثوري، فسيكون لدى الدول مبررات أقوى لتقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري، وزيادة وارداتها من الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية والبطاريات صينية الصنع. وهذا يعني أيضاً أن العالم سيستبدل تبعية محفوفة بالمخاطر بتبعية أخرى.

وتابعت الصحيفة أن القيود التي فرضتها الصين على تصدير المعادن الأرضية النادرة العام الماضي، قدمت درساً آخر في قوة نقاط الاختناق الاستراتيجية؛ فقد أجبرت تلك الخطوة السياسة الأمريكية على إحداث تحول جذري، مما دفع ترامب لتبني سياسة الانفراج مع بكين وتخفيف قيود التصدير على رقائق الكمبيوتر المتقدمة. والآن، أثبتت إيران أن إغلاق مضيق هرمز قادر على إجبار أقوى جيش في العالم على التراجع، ولن يغيب هذا التطور عن انتباه الدول الأخرى التي تسيطر على ممرات إستراتيجية مماثلة.

وذكرت الصحيفة أنه على مدار فترات طويلة من التاريخ، كان استغلال الممرات الجغرافية هو القاعدة السائدة.

ففي القرن الخامس قبل الميلاد، هزمت إسبرطة أثينا في الحرب البيلوبونيسية بقطع وصولها إلى مضيق هيليسبونت، الدردنيل حالياً، الذي كانت تعتمد عليه في استيراد الحبوب.

وقد سادت حرية الملاحة حد كبير منذ الحرب العالمية الثانية بفضل الضمانات الأمريكية، إلا أن قبضة إيران على مضيق هرمز قد أحدثت صدعاً في هذا الصرح.


ونقلت الصحيفة تساؤل الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، في اجتماع حكومي أخير: "هل ندرك أن 70 بالمئة من احتياجات شرق آسيا من الطاقة و70 بالمئة من تجارتها تمر عبر المضائق الإندونيسية؟".

ورغم نفي المسؤولين الإندونيسيين لاحقاً التخطيط لفرض رسوم في مضيق ملقا، الذي يمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية، إلا أن مجرد طرح الفكرة يؤشر إلى أفول عهد التجارة العالمية الحرة والمفتوحة برعاية أمريكية، مفسحاً المجال لواقع مغاير.

ومن السهل تخيل تشديد الحوثيين قبضتهم على مضيق باب المندب، أو قيام روسيا بتخريب كابلات الإنترنت البحرية، أو فرض الصين رسومًا جمركية على السفن المقتربة من موانئ تايوان. وقد أرسلت بكين بالفعل هذا الشهر سفنًا لاستجواب السفن التجارية في المياه المحيطة بتايوان، في خطوة غير مسبوقة وصفتها بأنها "دورية خاصة لإنفاذ قوانين الملاحة البحرية".

واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن أجيالاً من المسؤولين الأمريكيين سعوا جاهدين لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي خشية اندلاع سباق تسلح بالمنطقة، وبإطلاقه هذه الحرب، أراد ترامب حسم المعضلة نهائياً، لكن المفارقة تكمن في أن نجاح طهران بمضيق هرمز قد يطلق سباق تسلح من نوع آخر، تبحث فيه كل دولة عن نقاط اختناق جغرافية لتحويلها إلى مصدر للمال والنفوذ، وهو ما يهدد بانهيار صرح حرية الملاحة الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية بضمانة أمريكية.