خيبة إسرائيلية من اتفاق ترامب مع إيران.. "أظهرها أكثر محدودية وأقل مناورة"

الباحث الإسرائيلي أكد أن واشنطن هي من تحدد موعد انتهاء الحرب- جيتي
ما زالت الأوساط الاسرائيلية تكشف عن مزيد من خيبة الأمل من الاتفاق المزمع إبرامه مع إيران، لاسيما وأنه يترك دولة الاحتلال مع تساؤلات عديدة بدون إجابات، مما يجعل واقعها الأمني أكثر تعقيدا، لأن معظم القضايا الشائكة لم تُحل بعد، ولم يُفكك البرنامج النووي، ولا يزال مصير اليورانيوم المخصب مثيرًا للجدل.

وفي هذا السياق، أكد العقيد المتقاعد في شعبة الاستخبارات التابعة لجيش الاحتلال والموساد، والباحث بمعهد دراسات الأمن القومي، إلداد شافيت، أن "التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران، والمقرر توقيعها في حفل احتفالي يوم الجمعة، ليست اتفاقًا تاريخيا، وبالتأكيد ليست اتفاقا نوويا جديدا، بل محاولة أمريكية لوقف حرب لم يعد ترامب يرغب بها، لأنه بعد أشهر من التصعيد، وتراجع أسعار الطاقة، والضغوط السياسية الداخلية، ومخاوف التورط الإقليمي، احتاج الرئيس الأمريكي إلى مخرج، وهو الآن يُصوّره على أنه نصر".

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وترجمته "عربي21" أن "نافذة التفاوض التي تمتد لستين يومًا، والمقرر فتحها الآن، لا تضمن تحقيق انفراجة، بل مرجح أن تتحول لآلية للمماطلة والتأجيل، وستحاول إيران الحفاظ على التنازلات التي حصلت عليها بالفعل، وتجنب المزيد منها، وتخفيف المطالب الأمريكية، وسيجد ترامب، الذي أعلن نجاحه بالفعل، صعوبة بالعودة سريعًا لحرب شاملة قد تُعرّض للخطر الإنجاز السياسي الذي يسعى لتقديمه".


وأكد أن "السيناريو الأرجح ليس العودة للقتال، بل استمرار حالة التردد، وهذه المشكلة تحديدًا من وجهة نظر إسرائيل: فقد أثبتت الحملة قوتها العسكرية، وعمق تعاونها مع الولايات المتحدة، وعمل الجيشان بتنسيق أظهر قدرات عملياتية واستخباراتية استثنائية، لكن السؤال الأهم ليس فقط كيفية القتال معًا، بل كيفية إنهاء الحرب معًا، وهنا برز التباين، حيث تخرج إسرائيل من هذه الحملة أقوى عسكريًا، لكنها أكثر محدودية سياسيًا".

وأوضح أن "إسرائيل أظهرت قدرتها على ضرب إيران، والعمل مع الولايات المتحدة، لكنها اكتشفت أن الأخيرة تُحدد متى تتوقف، وما يُعتبر نصرًا، ولأي مدى يُمكن لإسرائيل مواصلة العمل في اليوم التالي، فقد سعت لترجمة الإنجازات العسكرية لتغيير استراتيجي يتمثل بإضعاف إيران تدريجيًا، والتعامل مع برنامجها النووي، ومنع عودة حزب الله، فيما سعى ترامب لإنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط الاقتصادي، وتقديم إنجاز سياسي، وفيما بحثت إسرائيل عن حسم مع إيران؛  بحث ترامب عن صورة نصر تجاهها".

وأكد أن "التباين الإسرائيلي الأمريكي ظهر مجددا مع الهجوم على الضاحية في لبنان، فمن وجهة نظر إسرائيل، كان هذا عملًا في إطار الحرب المستمرة ضد حزب الله، أما بالنسبة لترامب فبمثابة تخريب لمساره الدبلوماسي، ولذلك، تغيرت لهجته تجاه نتنياهو بشكل غير معتاد، حيث لم يكتفِ بانتقاد إسرائيل بشكل عام، بل وجّه سهامه مباشرةً نحو رئيس الوزراء: وصفه بأنه "صعب المراس"، ويجب أن يكون ممتنًا للولايات المتحدة، لأنه لولا العمل الأمريكي ضد إيران، لما نجت إسرائيل من التهديد النووي".


وأضاف أنه "عندما يرى ترامب أن نتنياهو يُعرّض للخطر الإنجاز الذي يسوقه للرأي العام الأمريكي، فإن تحالفهما الشخصي لا يكفي، ترامب مستعدٌّ لإرضاء إسرائيل، ومساعدتها عسكريًا، بل وحتى ضرب إيران بالتوازي معها، لكن في اللحظة التي تمنعه فيها من إبرام اتفاق، يكون مستعدًّا لممارسة ضغوط علنية وشخصية وصارخة عليها، وبالنسبة لإسرائيل، هذا بمثابة جرس إنذار، فالتقارب مع ترامب لا يضمن حرية التصرف".

وأشار أن "الصورة على الساحة الإقليمية معقدة أيضًا، فقد رأت دول المنطقة قوة التعاون الإسرائيلي الأمريكي، وكذلك حدوده، تضررت إيران، لكنها لم تُهزم، ولم يتم تفكيك البرنامج النووي، ويتوقع أن تحصل على تنازلات اقتصادية، وسيبقى مضيق هرمز، الذي أثبت فعاليته كأداة للضغط على الاقتصاد العالمي وواشنطن، في يدها إلى حد كبير، كما أن النظام لم ينهار أيضاً، على العكس، فقد صمد، وأصبح أكثر اعتماداً على القوى المتطرفة، وسيقدم بقاءه نفسه كدليل على موقفه في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل".

وأشار أن "دول المنطقة رأت أن الولايات المتحدة تعرف استخدام قوة عسكرية هائلة، لكنها غير مهيأة سياسياً واقتصادياً لخوض حرب طويلة الأمد لتحقيق نصر كامل على إيران، وسيعود الكثير منها للتفاوض معها، مدركين أنه حتى بعد ضربة قاسية، تظل لاعباً لا يمكن تجاهله، وهنا يتمثل الشاغل الإسرائيلي الرئيسي في حرية العمل، ويتوقع أن تتقلص بشكل كبير ضد إيران نفسها، فأي تحرك ضد منشآتها، أو كبار مسؤوليها، أو أصولها الاستراتيجية قد يُنظر إليه في واشنطن كمحاولة لتقويض الاتفاق الذي يُقدمه ترامب كإنجاز شخصي".


وأكد أنه "في لبنان، قد لا تزال إسرائيل تتمتع بنطاق أوسع للتحرك، ولكن حتى هناك، فإن أي هجوم كبير على الضاحية، أو ضد عودة حزب الله سيخضع لفرضية إمكانية أن يُهدد التفاهمات مع إيران، لذلك، فإن الخلاصة ليست أن إسرائيل فشلت، بل أظهرت مستوى عالٍ جدًا من القدرات العسكرية، لكنها ليست بديلاً عن استراتيجية إنهاء، وليست بديلاً عن سياسة طويلة الأمد تجاه الولايات المتحدة".

وختم بالقول إنه "في السنوات الأخيرة، وضعت إسرائيل ثقلها في دعم ترامب والمعسكر الجمهوري، فيما تآكلت علاقاتها بالديمقراطيين والليبراليين وبعض شرائح المجتمع اليهودي إلى حدّ الانهيار، واليوم عندما تتسع الفجوة تحديدًا مع ترامب، يتضح مدى تقلص هامش مناورتها في واشنطن، صحيح أنها لم تخرج من الحرب ضعيفة، لكنها خرجت أكثر محدودية، واكتشفت مجدداً أن الإنجاز العسكري لا يضمن بالضرورة نتيجة سياسية".

تكشف هذه السطور عن حقيقة تبعية دولة الاحتلال لواشنطن، سلماً وحرباً، رغم أن ترامب، الحليف الأوثق لها، أظهر فجاجة أكثر في تأكيد هذه الفرضية السائدة، وهنا يكمن سرّ الإحباط الإسرائيلي.