تتزايد الشكوك
بشأن قدرة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب على إجبار طهران على تقديم تنازلات عبر
الضغوط العسكرية والاقتصادية، وسط تحذيرات من خبراء ومحللين من أن استراتيجية "الضغط
الأقصى" قد تدفع
إيران إلى مزيد من التشدد بدلًا من التراجع أو القبول باتفاق
جديد.
وقالت صحيفة
نيويورك
تايمز إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل البحث عن ما وصفته بـ"الوصفة السحرية"
التي يمكن أن تدفع إيران إلى التراجع أو القبول بشروطه، في وقت تتزايد فيه الشكوك داخل
الأوساط السياسية والتحليلية بشأن جدوى الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تتبعها واشنطن
ضد طهران.
وأشار تقرير للصحفي
ستيفن إرلانغر إلى أن ترامب جرب سلسلة من الخطوات التصعيدية خلال الأشهر الماضية، بدأت
بضربة جوية في حزيران/ يونيو قال إنها استهدفت "تدمير" البرنامج النووي الإيراني،
قبل أن ينتقل في شباط/ فبراير إلى حملة جوية واسعة بالتنسيق مع إسرائيل، هدفت إلى إحداث
تغيير في النظام الإيراني ودفع الشارع نحو الانتفاضة.
وتابعت الصحيفة أن
الإدارة الأمريكية انتقلت بعد ذلك إلى محاولة خنق الملاحة الإيرانية عبر فرض حصار على
مضيق هرمز، في مسعى لإنهاء النفوذ الإيراني في أحد أهم الممرات النفطية بالعالم. وفي
أحدث خطواته، أعلن ترامب عن خطة وصفها التقرير بـ"الغامضة" لمساعدة السفن
العالقة على مغادرة المضيق، في محاولة لكسر السيطرة الإيرانية عليه.
لكن إيران ردت، وفق
التقرير، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، ما زاد من المخاطر الأمنية ودفع معظم ناقلات
النفط إلى تجنب المرور عبر المضيق في الوقت الحالي.
وأكدت الصحيفة أن مسؤولين
ومحللين يرون أن قناعة ترامب بأن هذه الضغوط ستدفع إيران إلى الاستسلام تمثل قراءة
خاطئة لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على التكيف مع الأزمات، وبحسب التقرير، تعتقد
طهران أنها لا تزال تملك زمام المبادرة، وأنها قادرة على تحمل الضغوط الاقتصادية لفترة
أطول مما تستطيع الإدارة الأمريكية تحمّل تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة الناتجة عن تعطّل
الملاحة في مضيق هرمز.
وأضافت الصحيفة أن
الموقف الإيراني ازداد تشددًا خلال الفترة الأخيرة، في حين لم تتغير أدوات الضغط التي
يعتمدها ترامب.
ونقلت الصحيفة عن علي
واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن ترامب يلجأ في كل مرة لا
تحقق فيها الضغوط النتائج المطلوبة إلى أداة إكراه جديدة، اعتقادًا منه بأنها ستقوده
إلى النصر بشكل سريع، وأضاف أن الرئيس الأمريكي يظن دائمًا أنه "على بُعد خطوة
واحدة" من تحقيق هدفه.
وأشار واعظ إلى أن
الضغوط قد تؤتي ثمارها مع مرور الوقت، لكنه شدد على أن ممارسة الضغط دون وجود مسار
تفاوضي واضح يمثل "مضيعة للوقت"، موضحًا أن إيران لن تقبل بأي اتفاق ما لم
يتضمن مخرجًا يحفظ ماء الوجه للطرفين، وليس صيغة استسلام أو تنازل كامل.
كما أبدى خبراء شكوكهم
بشأن قدرة ترامب على كسب عامل الوقت في المواجهة الحالية.
وقالت سوزان مالوني،
المتخصصة في الشأن الإيراني ومديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن الولايات
المتحدة تستطيع بلا شك إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد الإيراني، لكنها لفتت إلى أن
إيران صمدت أمام ضغوط أشد من تلك الحالية دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام أو دفعه
نحو تبني مواقف أكثر اعتدالًا.
وأضافت مالوني أن طبيعة
النظام الإيراني الاستبدادية تقلل من فرص حدوث ضغوط داخلية تدفعه نحو التسوية، مشيرة
إلى أن السلطات الإيرانية تواصل قمع الاحتجاجات وإعدام المعارضين بصورة منتظمة. كما
رأت أن ترامب نفسه لا يبدو مهتمًا حاليًا بالتوصل إلى تسوية سياسية، رغم التداعيات
الاقتصادية العالمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
وأكدت أن نجاح الحصار
المفروض على إيران يبدو مستبعدًا ضمن الإطار الزمني الذي يحتاجه الاقتصاد العالمي،
أو الذي قد يخدم فرص ترامب السياسية في انتخابات التجديد النصفي.
وفي المقابل، نقلت
الصحيفة عن ترامب قوله للصحفيين في واشنطن إن الحصار الأمريكي على مضيق هرمز كان
"مذهلًا"، مؤكدًا أن "لا أحد سيتحدى هذا الحصار". كما كرر الرئيس
الأمريكي حديثه عن رغبة إيران في إبرام اتفاق، متهمًا قادتها بـ"اللعب" عبر
التواصل مع واشنطن ثم نفي ذلك علنًا.
واعتبر التقرير أن
الصراع الحالي يمثل اختبار إرادات مباشرًا بين واشنطن وطهران، في ظل غياب فهم حقيقي
بين الجانبين لطبيعة تفكير الآخر.
وقالت صنم وكيل، مديرة
برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، إن معرفة
الولايات المتحدة وإيران
ببعضهما البعض لا تزال محدودة، موضحة أن الطرفين نادرًا ما اجتمعا بصورة مباشرة، كما
أن لكل منهما ثقافة مختلفة تمامًا في إدارة التفاوض وإبرام الصفقات.
وأضافت أن ترامب لا
يبدو مدركًا بشكل كامل لدوافع القيادة الإيرانية، موضحة أن الإيرانيين لا يتخذون قراراتهم
بناء على الحسابات الاقتصادية البحتة، وإلا لكانوا قد وافقوا على اتفاق منذ سنوات.
ورغم أن المخاطر الاقتصادية
على إيران كبيرة، أشارت الصحيفة إلى أن ترامب ربما أخطأ في تقدير حجم الضغوط المطلوبة
لإجبار طهران على التراجع، إذ يراهن على أن إيران ستصل قريبًا إلى مرحلة تعجز فيها
عن تخزين النفط الذي لا تستطيع تصديره، ما سيدفعها إلى تقديم تنازلات واسعة.
وكان ترامب قد قال
أواخر الشهر الماضي إن البنية التحتية النفطية الإيرانية "ستنفجر" إذا لم
تتمكن طهران من تصدير نفطها، مضيفًا أن الإيرانيين "أمامهم ثلاثة أيام فقط"
قبل حدوث ذلك.
لكن الصحيفة أوضحت
أن هذا التقدير يبدو مبالغًا فيه، إذ يرى خبراء أن إيران ما زالت تملك عدة أسابيع على
الأقل قبل أن تضطر إلى وقف ضخ النفط، خاصة مع قدرتها على تخزين الخام في ناقلات قديمة
أو فارغة، إضافة إلى نقل جزء منه عبر البر والسكك الحديدية إلى باكستان.
كما ذكرت الصحيفة بأن
إيران خفضت إنتاجها النفطي خلال ولاية ترامب الأولى إلى نحو 200 ألف برميل يوميًا دون
أن تتعرض بنيتها التحتية لأضرار كبيرة.
ونقلت عن بريت إريكسون
من شركة "أوبسيديان ريسك أدفايزرز" قوله إن إيران "ليست قريبة حتى"
من إغلاق آبارها النفطية، مضيفًا أن العقوبات والحصار قد يفاقمان الضغوط، لكن لا يوجد
"سيناريو عملي" يحقق النتيجة التي يريدها ترامب خلال فترة زمنية معقولة.
وأشار إريكسون إلى
أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها، حتى لو توقفت الحرب اليوم، قد تستغرق عدة أشهر.
وتابعت الصحيفة أن
العقوبات الأمريكية والدولية المشددة نجحت في السابق في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات،
وهو ما انتهى بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، عندما وافقت طهران على فرض قيود صارمة
على برنامج تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.
وأكد التقرير أن إيران
التزمت ببنود الاتفاق، إلا أن ترامب انسحب منه عام 2018 خلال ولايته الأولى، وأعاد
فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة "الضغط الأقصى"، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد
أكثر تشددًا، لكن هذه السياسة لم تنجح في تحقيق اتفاق بديل.
وأضافت الصحيفة أن
إيران بدأت بعد عام واحد فقط في تجاوز حدود التخصيب المنصوص عليها في الاتفاق، بعدما
فشلت الدول الأوروبية في الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
ووفق التقرير، تمتلك
إيران حاليًا كمية من اليورانيوم عالي التخصيب تقترب من المستوى المطلوب لصناعة الأسلحة
النووية، ويُعتقد أنها تكفي لصنع نحو 10 قنابل نووية إذا اتخذت طهران قرارًا بذلك.
وأكدت الصحيفة أن إيران
تشدد حاليًا على أنها لن تدخل في مفاوضات بشأن برنامجها النووي قبل انتهاء الأعمال
العسكرية الحالية، والحصول على ضمانات بعدم استئنافها مستقبلًا.
وفي الوقت نفسه، أشارت
الصحيفة إلى استمرار محادثات هادئة بين واشنطن وطهران، إذ ترى القيادة الإيرانية أن
اللحظة الحالية قد تمثل فرصة لإعادة صياغة علاقتها الطويلة والمتوترة مع الولايات المتحدة،
لكن ذلك – بحسب التقرير – لا يعني قبولها بالخضوع للضغوط الأمريكية.
وختمت الصحيفة بنقل
تصريح لعلي واعظ قال فيه إن إيران ترغب بالفعل في التوصل إلى اتفاق، لكنها تعتقد أن
الاستسلام للضغوط سيقود إلى مزيد من الضغوط مستقبلًا، ولهذا تسعى للحفاظ على سيطرتها
على مضيق هرمز وفرض رسوم مرور للمساعدة في تمويل إعادة الإعمار، في ظل غياب الثقة بأي
إدارة أمريكية بشأن تخفيف العقوبات.
وأضاف واعظ:
"إنهم لا يريدون النجاة من حرب طاحنة ثم الاستسلام لسلام بارد".