يتضمن الخطاب الرسمي
الإيراني الصادر مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم لوقف التصعيد بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، الإشارة من جديد إلى "
وحدة الساحات"، مع ربط التطورات العسكرية والسياسية في
غزة ولبنان ضمن إطار واحد، والتأكيد على أن أي ترتيبات لوقف إطلاق النار ينبغي أن تشمل مختلف الجبهات المرتبطة بالمواجهة مع "إسرائيل".
وتكثف طهران رسائلها السياسية والعسكرية الداعية إلى وقف الهجمات الإسرائيلية في كل من
لبنان وقطاع غزة، بالتوازي مع تحذيرات من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة وفتح جبهات إضافية في المنطقة.
وحدة الساحات
أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الاثنين، أن "حزب الله وحركة أمل يدافعان اليوم عن وطنهما وعن الأمة الإسلامية"، مشدداً على أن "أرواحنا وأرواحكم واحدة، والعلاقة بين إيران ولبنان لا يمكن فصلها".
وقال قاليباف إن إيران "عازمة على تحقيق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء لبنان وخصوصاً في الجنوب"، مضيفاً أن طهران تتابع "بجدية وقف هجمات الكيان الإسرائيلي"، ومؤكداً أنه "إذا استمرت الجرائم فلن نوقف فقط مسار المفاوضات بل سنقف أيضاً في وجهه".
وأضاف رئيس البرلمان الإيراني أن "أي اتفاق لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة سيتضمن وقف الهجمات في جميع الجبهات وخصوصاً في لبنان".
وفي السياق ذاته، أكد قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، أن "جرائم الكيان الصهيوني في لبنان وغزة ستوقعه في دوامة عمليات حزب الله والمقاومة الفلسطينية".
ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن قاآني قوله في رسالة إن "الاعتداءات الصهيونية على لبنان وغزة، في ظل الدعم الأمريكي الوقح، ستزيد من عزيمة جبهة المقاومة"، مضيفاً أن هذه الاعتداءات "ستعزز عزم
محور المقاومة على توسيع أشكال الدعم لكلا الجبهتين، والعمل على تفعيل جبهات أخرى، وجعل الوضع الملاحي في مضيق باب المندب مماثلاً للوضع القائم في مضيق هرمز".
وأضاف: "يجب أن يعلم الكيان الصهيوني البائس أن جرائمه المتزامنة في جنوب لبنان وغزة ستوقعه في دوامة عمليات حزب الله، وفي طوفان جديد يشنه المقاومون الفلسطينيون".
وأكد قاآني أن "عزيمة جبهة المقاومة ستوسّع الدعم على الجبهتين، والتحرك لتفعيل جبهات أخرى"، معتبراً أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وغزة سيؤدي إلى مزيد من التصعيد في ساحات المواجهة المختلفة.
غرف عمليات مشتركة
بدأ مصطلح "وحدة الساحات" يبرز بقوة بعد تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2021، في إشارة إلى استراتيجية تقوم على ربط جبهات المواجهة المختلفة مع "إسرائيل"، بحيث يؤدي التصعيد في ساحة فلسطينية أو إقليمية إلى تحرك متزامن من ساحات أخرى.
ويشمل المفهوم، وفق أدبيات قوى المقاومة، قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وأحياناً فلسطينيي الداخل، بحسب ورقة بحثية نشرتها "
مؤسسة الدراسات الفلسطينية".
ويختلف مفهوم "وحدة الساحات" عن "محور المقاومة" الذي يُعد إطاراً أوسع يضم إيران وسوريا وحزب الله وفصائل فلسطينية وقوى حليفة أخرى في المنطقة. وتقول أدبيات المحور إن تنسيقاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً جرى تطويره خلال السنوات الماضية عبر غرف عمليات مشتركة وتبادل الخبرات والتدريب بين أطرافه.
وشكلت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 اختباراً عملياً لهذا المفهوم، بعدما أكدت قيادات في حماس وحزب الله وإيران أن العملية انطلقت من دون تنسيق مسبق مع بقية أطراف المحور. وأثار ذلك تساؤلات بشأن مدى فاعلية استراتيجية "وحدة الساحات"، خصوصاً مع عدم تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة رغم انخراط عدة أطراف في دعم غزة.
ومع تطور الحرب، شهدت عدة جبهات تحركات متزامنة دعماً لغزة، شملت اشتباكات حزب الله على الحدود اللبنانية، وهجمات لفصائل عراقية على أهداف أمريكية، وإطلاق صواريخ ومسيّرات من اليمن، إلى جانب تصاعد المواجهات في الضفة الغربية.
ورأى مؤيدو المفهوم أن هذه التطورات مثلت تطبيقاً عملياً لوحدة الساحات، وإن بقي ضمن حدود مدروسة لتجنب حرب إقليمية واسعة. وبحسب الدراسة، فإن تجربة "طوفان الأقصى" أظهرت وجود تنسيق وتعاون بين أطراف المحور، لكنها كشفت أيضاً عن تباينات في الحسابات والأولويات بين الساحات المختلفة.
وترجح الدراسة أن مستقبل مفهوم "وحدة الساحات" سيعتمد على نتائج الحرب وتقييم أداء الأطراف المشاركة، وسط استمرار الجدل حول مدى إمكانية الانتقال من التنسيق الجزئي إلى إدارة موحدة وشاملة للمواجهة على مستوى المنطقة.
رسالة القسام
تُظهر الرسالة التي نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، والمنسوبة إلى قادة في حركة حماس وكتائب القسام، في منتصف أيار/ مايو الماضي، ملامح واضحة لمفهوم "وحدة الساحات" الذي برز خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز المرتكزات الفكرية والعسكرية لدى فصائل ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
وتكشف الوثيقة، بحسب ما ورد فيها، عن تصور يقوم على توسيع نطاق المواجهة مع إسرائيل لتشمل أكثر من جبهة في وقت واحد، وعدم حصرها في قطاع غزة وحده.
وبحسب الرسالة، فإن عملية "طوفان الأقصى" لم تُطرح باعتبارها مواجهة فلسطينية محلية فحسب، بل كخطوة يُفترض أن تفتح المجال أمام انخراط ساحات أخرى، تشمل لبنان والضفة الغربية وسوريا والعراق واليمن، في إطار تحرك متزامن ضد "إسرائيل". وتعتبر الوثيقة أن تعدد الجبهات من شأنه إرباك القدرات العسكرية الإسرائيلية ومنعها من تركيز جهودها على ساحة واحدة.
وتربط الرسالة بين إطلاق العملية والأحداث التي شهدها المسجد الأقصى والقدس خلال الفترة التي سبقتها، معتبرة أن ملف الأقصى يمثل عنواناً جامعاً يمكن أن يوحد مختلف الفصائل والقوى الداعمة للمقاومة. كما تشير إلى أن هذه القضية قادرة، وفق رؤية كاتبي الرسالة، على استقطاب دعم أوسع وتوفير مبررات لتحرك متزامن على أكثر من جبهة.
كما تكشف الوثيقة، عن سعي حماس إلى دفع حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، للمشاركة في المواجهة منذ بدايتها، من خلال تنفيذ هجمات صاروخية وعمليات عسكرية من جبهات متعددة. وتوضح أن الحركة كانت تراهن على تنسيق أوسع بين أطراف "محور المقاومة" لتحقيق ضغط عسكري متزامن على إسرائيل وإحداث تحول في موازين الصراع.
وتعكس الرسالة أيضاً رؤية تعتبر أن "إسرائيل" تتعامل مع خصومها وفق سياسة "تفكيك الساحات"، عبر مواجهة كل طرف بصورة منفصلة. وفي المقابل، تدعو الوثيقة إلى توحيد الجبهات وربط مسارات المواجهة المختلفة ضمن استراتيجية مشتركة، بما ينسجم مع مفهوم "وحدة الساحات" الذي يقوم على تفعيل أكثر من جبهة في توقيت واحد لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية مشتركة.
ولم تعلق حركة حماس على الوثيقة التي كشفت عنها صحيفة "معاريف".
اتفاقات منفصلة
منذ اندلاع الحرب في غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شهدت الساحات المرتبطة بما يُعرف بـ"محور المقاومة" سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار والتهدئة المنفصلة، رغم الخطاب السياسي والعسكري الذي ربط هذه الجبهات ضمن مفهوم "وحدة الساحات". وتعاملت الوساطات الدولية مع كل ساحة على حدة، وفق ظروفها العسكرية والسياسية الخاصة.
في قطاع غزة، تم التوصل إلى أول هدنة مؤقتة بين إسرائيل وحركة حماس في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 بوساطة قطرية ومصرية وأمريكية، واستمرت حتى 30 من الشهر نفسه، وشملت تبادل أسرى وإدخال مساعدات إنسانية إلى القطاع، من دون أن تشمل الجبهات الأخرى المرتبطة بالمواجهة.
وعادت الجهود الدبلوماسية لتثمر عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/ يناير 2025، ضمن تفاهم متعدد المراحل تضمن تبادل أسرى ووقفاً للعمليات العسكرية. إلا أن الاتفاق انهار لاحقاً مع استئناف الإبادة في آذار/ مارس من العام نفسه.
وبعد أشهر، جرى التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 بوساطة أمريكية وقطرية ومصرية، ولا يزال قائماً حتى مطلع حزيران/ يونيو 2026 رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية الواسعة.
وتواصل القوات الإسرائيلية السيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة، وسط خلافات مستمرة بشأن الانسحاب الكامل وترتيبات ما بعد الحرب، ما أبقى التهدئة هشة وقابلة للانهيار في أي وقت.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله و"إسرائيل" حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بوساطة أمريكية وفرنسية، بعد أكثر من عام من المواجهات الحدودية.
ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية المتبادلة وتنفيذ ترتيبات أمنية مرتبطة بالقرار 1701، مع استمرار الحرب في غزة في ذلك الوقت بصورة منفصلة عن التفاهم اللبناني.
ورغم استمرار الخروقات بعد ذلك الاتفاق، عادت واشنطن في مطلع حزيران/ يونيو 2026 لطرح مبادرة جديدة لخفض التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، تضمنت وقف هجمات الحزب مقابل امتناع "إسرائيل" عن توسيع عملياتها العسكرية في بيروت، في إطار مفاوضات ركزت حصراً على الجبهة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بإيران، شهدت المواجهة المباشرة مع "إسرائيل" خلال عامي 2024 و2025 جولات تصعيد متبادلة أعقبتها فترات تهدئة غير معلنة ووساطات دولية هدفت إلى منع الانزلاق نحو حرب شاملة.
وجرت هذه التفاهمات بصورة منفصلة عن مسارات وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، رغم استمرار طهران في ربطها سياسياً بمصير الجبهات الأخرى.
وتُظهر هذه المسارات أن وقف إطلاق النار منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 جرى عملياً عبر ترتيبات مستقلة لكل جبهة، سواء في غزة أو لبنان أو في المواجهات المرتبطة بإيران. وبينما استمر خطاب "وحدة الساحات" باعتباره إطاراً سياسياً وعسكرياً جامعاً، تعاملت الوساطات الدولية مع كل ساحة باعتبارها ملفاً منفصلاً.