في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة
أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن
التجربة
اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس
ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى
منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه. يضاف إلى ذلك أنّ
البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب
شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر
للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.
وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس
أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها
شعبياً وسياسياً على نحو مستقر. من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب
اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها
في صناعة
تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله.
سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي
رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ
بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات
الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته
الشعبية.
ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ،
بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما
الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى الحزب
الشيوعي اللبناني، بوصفه أحد أقدم الأحزاب اللبنانية التي جمعت بين
السياسة
والاجتماع والثقافة.
حين تُكتب سيرة الحزب الشيوعي اللبناني، لا
تكفي "سياسةُ اليوم" لقياسه. الحزب الذي عاش أكثر من قرن في بلدٍ بُني
على توازنات طائفية، ظلّ يجتهد ليقدّم نفسه كتيارٍ لا طائفي يقرأ المجتمع من زاوية
الطبقات والعمل والعدالة الاجتماعية، لا من زاوية المذاهب والحصص.
هنا بالضبط تكمن أهميته: ليس لأنه كان
دائماً حزباً قائداً في السلطة، بل لأنه كان ـ في محطاتٍ كثيرة ـ ضميراً احتجاجياً
في النقابة والجامعة والشارع، ومنصةً ثقافيةً أنتجت خطاباً سياسياً وفكرياً ترك
أثراً يفوق حجمه التمثيلي. ومع ذلك، فإن "الحزب الذي كان" يكاد يناقض
الحزب الذي صار عليه بفعل تقلّص نفوذ
اليسار عالمياً، وتحوّل لبنان إلى اقتصاد
ريعي مأزوم ثم منهار، واشتداد الاستقطاب منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)
فوجد الشيوعيون أنفسهم في مأزق: كيف تبقى شيوعياً/ يسارياً في بلدٍ تُدار سياساته
بالخوف الطائفي، ويُدار اقتصاده بالزبائنية، وتُدار معارضته غالباً بمنطق
"المواسم"؟
بطاقة تعريف بالحزب الشيوعي اللبناني
ـ الإسم الرسمي: الحزب الشيوعي اللبناني
ـ تاريخ التأسيس: 24 تشرين الأول أكتوبر 1924 (حمل اسم “حزب
الشعب اللبناني”)
ـ المؤسسون الأبرز: فؤاد الشمالي، ويوسف
إبراهيم يزبك، وآرتين مادويان
ـ الشعار: يا عُمّال العالم اتحدوا (شعار
شيوعي عالمي)
ـ الرمز البصري ودلالته: المطرقة والمنجل مع
اللون الأحمر بوصفها رمزاً لتحالف العمال والفلاحين والنضال الطبقي/الثوري
ـ الأمين العام الحالي: حنّا غريب (مُنتخب
منذ 2016)
ـ مدة الولاية: تُربط بدورة القيادة
المنتخبة بعد المؤتمرات الداخلية (لا تُقدَّم دائماً كمدةٍ رقمية ثابتة في المواد
العلنية)
التأسيس والمبادئ العامة
تعود بدايات الشيوعية المنظمة في لبنان إلى
24 تشرين الأول أكتوبر 1924، تاريخ تأسيس "حزب الشعب اللبناني" بوصفه
نواة النشاط الشيوعي في لبنان والعالم العربي، في ظل الانتداب الفرنسي، وفي زمن
تشكل المدن الحديثة مثل بيروت وطرابلس كفضاءاتٍ للعمّال والحرفيين وطلاب المدارس
والموظفين. وتشير بعض المصادر إلى أن اختيار اسم "حزب الشعب" وتلافي ذكر
الشيوعية كان يهدف إلى تفادي الحظر، غير أن حزب الشعب اعتنق منذ اللحظة الأولى
الأفكار الشيوعية كما هي حال كل الأحزاب الشيوعية في تلك المرحلة.
تعود بدايات الشيوعية المنظمة في لبنان إلى 24 تشرين الأول أكتوبر 1924، تاريخ تأسيس "حزب الشعب اللبناني" بوصفه نواة النشاط الشيوعي في لبنان والعالم العربي، في ظل الانتداب الفرنسي، وفي زمن تشكل المدن الحديثة مثل بيروت وطرابلس كفضاءاتٍ للعمّال والحرفيين وطلاب المدارس والموظفين. وتشير بعض المصادر إلى أن اختيار اسم "حزب الشعب" وتلافي ذكر الشيوعية كان يهدف إلى تفادي الحظر، غير أن حزب الشعب اعتنق منذ اللحظة الأولى الأفكار الشيوعية كما هي حال كل الأحزاب الشيوعية في تلك المرحلة.
يمكن تلخيص عقيدة الحزب الشيوعي اللبناني
بأنها عقيدة ماركسية ـ لينينية في المنهج والتحليل، مع برنامج سياسي يهدف إلى
تحرّر وطني واجتماعي وبناء دولة ديمقراطية علمانية على طريق الاشتراكية والعدالة
الاجتماعية، ويدعو إلى دولة تُنهي استثمار الطائفية وتستعيد السيادة، واقتصادٍ
منتج يواجه الريع والاحتكارات ويؤسس لعدالة اجتماعية ومساواة، على طريق بناء
الاشتراكية. ويُعرّف نفسه كحزبٍ يمثل مصالح العمال والأجراء والفقراء وذوي الدخل
المحدود، ويقرأ الأزمة اللبنانية كأزمة نظام ريعي احتكاري ـ مصرفي متحالف مع نظام
طائفي.
أما المبادئ السياسية والاقتصادية العامة
فتنص على:
ـ الدولة الديمقراطية العلمانية هي هدفٌ
مركزي متكرر تقوم على إنهاء استثمار الانقسامات الطائفية وبناء دولة ديمقراطية
علمانية كإطار للمواطنة والمساواة
ـ الإصلاح الديمقراطي للنظام السياسي
واعتبار التغيير الديمقراطي عملاً متراكماً يومياً
ـ السيادة والتحرر الوطني ومقاومة الاحتلال
هي في طليعة مهام الحزب
ـ بناء الاقتصاد المنتج بدل الريع وهذا
المبدأ كان واضحاً في البرنامج الانتخابي لدورة العام 2022 الذي هاجم فيه الحزب
"طغيان الأنشطة الريعية وضعف الإنتاجية"، وطرح توجهاً نحو بناء اقتصاد
منتج ورفع القدرة على خلق وظائف.
ـ العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل والثروة
بهدف مواجهة اللامساواة والتفاوت الكبير في توزيع الدخل والثروة، والدفاع عن
الأجور والحقوق الاجتماعية والخدمات العامة.
ـ الانحياز للطبقات العاملة والفئات الوسطى
والنساء والشباب.
منذ ولادته، لم يكن الحزب الشيوعي اللبناني
محليّاً بالكامل، بالمعنى التنظيمي. فقد نشأ في زمن كانت فيه الأحزاب الشيوعية في
العالم تُبنى غالباً عبر صلة مباشرة أو غير مباشرة بالأممية الشيوعية (الكومنترن)
وبـالحزب الشيوعي السوفياتي بوصفه مركز الثّقل. لذلك في سرديّات التأسيس المبكّرة،
يُشار إلى دور وازن لعبه جوزيف بيرجر-بارزيلاي (الشيوعي اليهودي الأوروبي) بوصفه
حلقة وصل بالكومنترن إلى جانب يوسف يزبك وفؤاد الشمالي.
ويُعرف عن المؤسِّسين الأوائل:
ـ جوزيف بيرجر
بارزيلاي (1904 - 1978) هو ناشط شيوعي يهودي وُلد في كراكوف، وارتبط بالكومنترن
(الأممية الشيوعية) فأُرسِل إلى بيروت عام 1924 لتأسيس فرع وامتداد للحزب، ولاحقاً
سافر إلى فلسطين حيث كان من مؤسسي الحزب الشيوعي هناك.
ـ فؤاد الشمالي (1894 ـ 1939) الذي جاء من
العمل النقابي والنضال العمالي إلى القيادة السياسية وبدأ نشاطه في معمل التبغ
الذي كان يعمل فيه في بلدة بكفيا (المتن) ثم نقل نشاطه إلى حيث تتكوّن الحركة
العمالية (ورش/ مرافئ/ مهن حرة) وبالأخص في بيروت بوصفها مركز النشاط السياسي
والنقابي وقتها، وذلك برغم ملاحقة تنظيمات اليسار في عهد الانتداب.
ـ يوسف إبراهيم يزبك (1901 ـ 1982) يُعدّ
مفكراً وسياسياً وأديباً لبنانياً وأسّس "عصبة العشرة" وهي صالون أدبي
ضمّ في بدايته عشرة كتّاب وفنانين مع نزعة هجومية على الرموز القديمة بوصفها
"بالية". وبذلك تركّز تأثيره في الفضاء الثقافي والصحافي والسياسي
(كتابة، سجالات فكرية، تأسيس تنظيمات) وتشير بعض الوثائق أن يزبك غادر لبنان تحت
ضغط الملاحقة أواخر العام 1925 وإقفال
سلطات الانتداب الفرنسي النشرة الحزبية "الإنسانية".
ـ آرتين مادويان (1904 ـ 1990) وهو من أصول
أرمنية وكان قد أسس حركة "سبارتاك" الأرمنية spartak الناشطة في كل من لبنان وسوريا في تجربة
قاسية من العمل السرّي والسجن من قبل سلطات الانتداب، ثم قرّر دمج حركته مع حزب
الشعب اللبناني عام 1925 ليتوسّع بذلك البناء الحزبي الشيوعي في لبنان وسوريا رغم
الملاحقة.
ـ فرج الله الحلو (1906–1959): من أبرز قادة
الحزب في الخمسينات، وشغل منصب الأمين العام، إنتهت حياته بعد اعتقاله في دمشق عام
1959 وقتله تحت التعذيب.
ـ نقولا شاوي: تولّى موقع الأمين العام بعد
مرحلة الحلو، ويُشار إليه كقائد للحزب في الخمسينات والستينات.
لم يكن تفاعل اللبنانيين مع أفكار الحزب
الشيوعي متجانساً. في المدن الساحلية، كان هناك قبول أوسع لخطاب الصراع الطبقي
والمطالبة بحقوق العمال وتنظيم العمل، خصوصاً مع وجود عمال المرافئ والسكك
والمؤسسات الناشئة، بينما بقيت الأرياف في كثير من مناطقها محكومة بالتراتب
الاجتماعي العائلي/الإقطاعي، وبشبكات زبائنية أقوى من فكرة "النقابة".
ومع ذلك، أنتج الحزب تنظيمات شبابية وصحافة حزبية (نشرة "الإنسانية"،
جريدة "النداء") وأنشأ ارتباطاً وثيقاً بمختلف الحركات العمالية.
تذكر بعض المصادر أن اندماج منظمة
"سبارتاك" المذكورة سابقاً مع "حزب الشعب اللبناني" أنتج
الحزب الشيوعي السوري-اللبناني، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن اعتماد تسمية
"الشيوعي" لم يحصل قبل العام 1928 وذلك بعد موافقة الكومنترن. وفي العام
1943 اتُخذ قرار الفصل بين فرعَي الحزب في كل من سوريا ولبنان وتأسيس حزبين
مستقلين لكنّ تطبيق هذا القرار تأخر حتى العام 1964. في كلّ الأحوال فإن جذور
"السنديانة الحمراء" وهي استعارة تتكرّر في أدبيات الحزب، ظهرت منذ ما
قبل استقلال لبنان وتمدّدت عبر الزّمن وانتصب جذعها أمام عواصف السياسة والاقتصاد
وصراعات المجتمع.
الحرب الأهلية وما بعدها
مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (1975)
دخل الحزب الشيوعي ـ مثل أغلب القوى الحزبية ـ زمن السلاح رغم كونه عابراً للطوائف
والمناطق. تشير المراجع العامة إلى أن جناحه العسكري "الحرس الشعبي" خاض
معارك ضمن الحركة الوطنية اللبنانية وهي ائتلاف من أحزاب وقوى يسارية وقومية
تحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية. لكنّ اللحظة المفصلية التي أعادت ترتيب صورة
الحزب لدى جمهورٍ أوسع كانت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين ارتبط اسم
الشيوعيين بـ"جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمّول) بوصفها أول إطار
مقاوم للاحتلال الإسرائيلي. وهنا ظهرت مفارقة دائمة في مسار الحزب: من جهة، مقاومة
الاحتلال أعطته شرعية وطنية تتجاوز اليَسار كأيديولوجيا. ومن جهة ثانية، الحرب
نفسها أعادت إنتاج المجتمع على قاعدة الطوائف والميليشيات، وهو ما يضرب مشروع
الحزب اللاطائفي في الصميم.
طوال الحرب الأهلية، بقيت علاقة الحزب
الشيوعي اللبناني بالاتحاد السوفييتي حاضرة كـ"مظلّة أيديولوجية" وسندٍ
دولي للمعسكر الذي انتسب إليه معظم اليسار العربي، لكن المسألة الأكثر حساسية التي
أدت إلى التباين بين خيارات الحزب في لبنان ومرجعيته السوفييتية كانت القضية
الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل. فالمعروف تاريخياً أن الموقف السوفياتي من فلسطين
شهد انعطافات: مرحلة مبكرة اتسمت بالتعقيد وبمحاولة بناء تحالف يهودي - عربي مناهض
للصهيونية، ومرحلة لاحقة بدأت مع تصويت الاتحاد السوفياتي لصالح قرار تقسيم فلسطين
عام 1947 (قرار 181) ثم اعترافه بإسرائيل سريعاً بعد إعلانها. هذا الموقف
السوفياتي وضع الأحزاب الشيوعية العربية ومنها الحزب اللبناني في مأزق.
طوال الحرب الأهلية، بقيت علاقة الحزب الشيوعي اللبناني بالاتحاد السوفييتي حاضرة كـ"مظلّة أيديولوجية" وسندٍ دولي للمعسكر الذي انتسب إليه معظم اليسار العربي، لكن المسألة الأكثر حساسية التي أدت إلى التباين بين خيارات الحزب في لبنان ومرجعيته السوفييتية كانت القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل.
انعكست هذه الحساسية عملياً في ذاكرة الحزب:
بعض الكتابات الأكاديمية والجامعية تشير إلى أن موقف الحزب عام 1948 كان متوافقاً
مع رأي الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي استخدمته السلطة اللبنانية ذريعة للتضييق
والحظر والملاحقة. أمّا أثناء الحرب الأهلية وما بعدها، فقد استقرّ الحزب ـ على
مستوى الخطاب والممارسة ـ في خانة مناهضة إسرائيل والاصطفاف مع القضية الفلسطينية
(سياسياً وميدانياً)، حتى لو ظلّ يتعامل بحذر مع أي تمايز بين الموقف الأممي
وخصوصية الساحة اللبنانية.
في الحرب الأهلية تركز نشاط الحزب الشيوعي،
عسكرياً وسياسياً، في جنوب لبنان أي قرى الحدود وجبل عامل، وفي غرب بيروت ووسطها
(شارك في حرب الفنادق 1975) وفي الشوف والجبل (حرب الجبل 1983–1984)، وفي طرابلس
حيث شارك في التحكم بمرفأ طرابلس وبمصفاة النفط (منتصف الثمانينات) بالتحالف مع
"الفرسان الحمر" التابعة للحزب العربي الديمقراطي العلوي في طرابلس
ويُقدَّم ذلك بوصفه جزءاً من اقتصاد الحرب وسيطرة الميليشيات على المرافق الحيوية.
وبرزت أسماء شيوعية في عالم السياسة والفكر
أيضاً، وأخرى يسارية قريبة من الحزب الشيوعي اللبناني. من بينها:
ـ جورج حاوي: الأمين العام السابق للحزب
الشيوعي اللبناني، وواحد من أبرز وجوهه السياسية والعسكرية خلال الحرب وما بعدها.
يمتاز بأنه جمع بين القيادة الحزبية والخطاب الوطني المقاوم (ولا سيما بعد 1982)
وبأنه من أبرز من مارسوا النقد الذاتي ودعوا إلى الإصلاح الحزبي.
ـ كريم مروّة: قيادي ومفكّر يساري كان من
أركان الحزب الشيوعي اللبناني لفترة طويلة، وله حضور سياسي-فكري بارز في حقبة
الحرب وما بعدها.
ـ حسين مروّة: مفكر وباحث وعضو سابق في
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني، اغتيل في 17 شباط 1987. يُستعاد مع مهدي
عامل كـ"أيقونة فكرية" في تاريخ الشيوعيين اللبنانيين.
ـ مهدي عامل (حسن حمدان): مفكر ماركسي
وأستاذ جامعي، انتسب للحزب الشيوعي اللبناني، واغتيل في بيروت في 18 أيار 1987.
يُعد من أبرز منظّري "الماركسية العربية"
ـ الياس عطالله: اسمٌ يساري بارز ارتبط
بالحركة الشيوعية، وظهر ضمن قيادة الحرس الشعبي في بعض المراجع، وفي مرحلة لاحقة
ارتبط اسمه بتأسيس تجمع "14 آذار" (2005) وقيادته
سقوط الاتحاد السوفييتي
عندما سقط الاتحاد السوفييتي (1990 ـ 1991)،
تلقّى الحزب الشيوعي اللبناني ضربةً مزدوجة: ضربة رمزية ـ فكرية لأن النموذج
المرجعي انهار، وضربة سياسية ـ تنظيمية لأه كان يستمدّ قدرته على الاستمرار من
العلاقة بالسوفييت.
وبما أن نهاية الحرب الأهلية في لبنان
تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفييتي، عُقدت مؤتمرات حزبية متتالية أفضت إلى خروج
قيادات بارزة من الحزب وأدخلته في أزمة كبيرة. من هنا يمكن فهم تراجع فاعلية الحزب
وتأثيره في السياسة اللبنانية بعد التسعينيات: لم يعد هناك قطبٌ دولي يُشعر
الشيوعيين أن التاريخ يسير في اتجاههم، وفي الوقت نفسه كان لبنان يدخل طور إعادة
إنتاج النظام الطائفي ـ الريعي بعد اتفاق الطائف (1989) ما ضيّق هوامش اليسار
النقابي والسياسي.
إتفاق الطائف (1989) أنهى الحرب رسمياً،
لكنّه لم يُنهِ أسبابها العميقة. والدّولة التي تشكّلت بعد الطائف صارت دولة
تسويات بين الزعامات الطائفية، مع اقتصادٍ يزداد ريعية وتركزاً، ما جعل خطاب
العدالة الاجتماعية الذي يتبناه الحزب الشيوعي يبدو كأنه يأتي من خارج لغة النظام
الحاكم.
عندما سقط الاتحاد السوفييتي (1990 ـ 1991)، تلقّى الحزب الشيوعي اللبناني ضربةً مزدوجة: ضربة رمزية ـ فكرية لأن النموذج المرجعي انهار، وضربة سياسية ـ تنظيمية لأه كان يستمدّ قدرته على الاستمرار من العلاقة بالسوفييت.
في هذه المرحلة، تقلّص هامش الأحزاب
العقائدية عموماً، وتراجع حضور النقابات كقوة تغييرية لصالح شبكات نشأت خلال الحرب
أو بعدها، اتّسمت بالزبائنية للأحزاب الطائفية أو المرجعيات الدينية أو الزعامات
التقليدية. ومع أن الشيوعيين حافظوا على تأثيرٍ ما في العمل النقابي والثقافي، إلا
أن السياسة البرلمانية بقيت مغلقة عملياً أمامهم لأن الحزب لا يملك ماكينة طائفية
ولا تمويلاً انتخابياً ضخماً.
الواقع والتحديات
إنقسمت آراء الشيوعيين ومواقفهم من قضايا
كبرى في لبنان والمنطقة رغم إعلان الحزب عن موقف رسمي حيالها.
فبعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق
الحريري (2005) وانتهاء الوصاية السورية على لبنان دخل لبنان في حالة استقطاب حاد
بين تجمّعَي 14 آذار (ضم الأحزاب المسيحية وتيار المستقبل والحزب التقدمي
الاشتراكي ومؤيدين آخرين لخروج سوريا من لبنان) و8 آذار (ضم حزب الله وحركة أمل
ومؤيدين آخرين رفعوا شعار شكراً سوريا) فرفع الحزب الشيوعي شعار "لا 8 ولا
14" لتحييد نفسه عن الانقسام والحفاظ على استقلالية الموقف، غير أن الشعار
بقي صعب التطبيق على المحازبين أو المناصرين في بلدِ الاصطفافات والانقسامات
العمودية.
لاحقاً، شكّل النقاش بشأن شرعية سلاح حزب
الله نقطة تماس. فالحزب اعتبر أن دعم المقاومة شيء، وتحوّل السلاح إلى "ميزان
قوة داخلي" شيء آخر، فحاول الحزب وما يزال المشي على هذا الحدّ الفاصل عبر
الدعوة إلى "استراتيجية جديدة" بدل رفع الشعارات المطلقة. ولذلك تنقسم
آراء الشيوعيين بين من يرى أن السلاح يقف عائقاً أمام بناء دولة ذات سيادة
واستقلال وأمام جذب الاستثمارات التي تنعش الاقتصاد المنهك، وبين من يرى أن
المقاومة ضرورة للتصدي للمشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي.
لكنّ أحداث 7 أيار مايو 2008 (حين استخدم
حزب الله سلاح في الداخل على خلفية شعوره بالخطر من كشف داتا الاتصالات المتعلقة
به) جعلت النقاش داخل الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية الأخرى أكثر حدّة، فعلق
الشيوعيون بين سندان "حزب المقاومة الوطنية اللبنانية" الذي يعتمده
حزبهم وبين مطرقة "السلاح" وحصريته من دون دولة واستراتيجية دفاعية
وقرار سياسي جامع.
ولعل هذا التلعثم في الموقف يبرّر الفشل في
الانتخابات البرلمانية لعام 2022، إذ لم ينجح الحزب الشيوعي اللبناني في ترجمة
حضوره التاريخي إلى تمثيل نيابي: لوائح الفائزين الرسمية المنشورة لا تتضمن نواباً
للحزب وهذا ليس تفصيلاً تقنياً؛ إنه مؤشرٌ على عمق الفجوة بين تاريخ الحزب وحاضره
إذ يبدو الحزب غير قادر على المنافسة في نظام انتخابي سياسي يقوم على تحالفات
الطوائف والمال الانتخابي والخدمات.
كيف لا، والقوة التقليدية للحزب الشيوعي
كانت دائماً في ثلاث ساحات: النقابة، الجامعة، والثقافة. لكن هذه الساحات نفسها
تغيّرت: النقابات تعرّضت لتآكل بفعل التدخلات السياسية والزبائنية، وبفعل تفكيك
سوق العمل وتزايد الهشاشة. الجامعة لم تعد وحدها مصنع السياسة كما في السبعينيات
والثمانينيات، مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع التنظيمات الطلابية
التقليدية. والثقافة صارت أكثر فردانية وأقل ارتباطاً بالأحزاب.
ولعلّ الأخطر، يكمن في تبعات الانهيار
الاقتصادي (2019 وما بعدها) حين بدا أن موجات الغضب الواسعة طالت الأحزاب
التقليدية نفسها بدل أن تنطلق منها تنظيمياً فبرزت أشكال جديدة من الحركات
واللوائح والشخصيات التي نشأ بعضها في كنف الحزب الشيوعي وأحزاب يسارية أخرى لكنه
خرج منها ومن أبرز هؤلاء النائب الياس جرادة (دائرة الجنوب الثالثة)
الخلاصة
تاريخ الأحزاب الشيوعية في المنطقة يطارد
الحزب الشيوعي اللبناني أيضاً: السؤال عن التجديد، عن التأقلم مع الواقع البعيد عن
الاشتراكية والمحكوم بالطائفية، عن الديمقراطية، وعن العلاقة مع اليسار العالمي.
حتى عندما ينجح الحزب في صياغة خطاب اجتماعي واضح يركز على الضرائب العادلة،
والضمانات الاجتماعية، حماية الطبقات الوسطى والفقيرة…) يبقى السؤال: كيف يتحول
هذا الخطاب إلى قوة ضغط؟ في غياب كتلة نيابية، وفي ظل نقابات ضعيفة، وفي ظل سياسة
تقوم على البيانات والمواقف فقط.
يدخل الحزب الشيوعي اللبناني مئويته وهو
يحمل إرثاً ثقيلاً: تاريخٌ نقابي وثقافي ومقاوم، ورمزية السنديانة الحمراء في وجه
الطوائف والمال والتحالفات الهجينة. وأمامه تحديات يمكن تلخيصها في خمسة عناوين:
تجديد الخطاب دون خيانة الهوية، العودة إلى قواعد العمل والنقابة والطلاب وعدم
الاكتفاء بالخطاب العام، تحويل الاحتجاج إلى سياسة من خلال مشروع قابل للفوز أو
لفرض أجندة، بناء تحالفات تتيح له دخول البرلمان وفرض أجندته أو على الأقل إعطاء
معنى جديد لليسار اللبناني في نظام يُعاد إنتاجه طائفياً.