حزب الكتائب اللبنانية.. من التنظيم الشبابي إلى معادلات الحرب والدولة

تُظهر سيرة حزب الكتائب اللبنانية أنّه ليس مجرد حزب سياسي بالمعنى التقليدي، بل أحد مفاتيح فهم الدولة اللبنانية نفسها: كيف وُلدت الهوية الوطنية تحت الانتداب، وكيف تحوّلت الأحزاب إلى أجهزة تعبئة وتنظيم، ثم كيف انزلقت السياسة إلى العسكرة في الحرب..
في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن التجربة اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه.

يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.  وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو مستقر.

من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها في صناعة تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله. سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته الشعبية.

ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ، بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى حزب الكتائب اللبنانية، بوصفه أحد أقدم الأحزاب ذات الحضور الوازن في الحياة السياسية اللبنانية.

حين أُسّس حزب الكتائب اللبنانية عام 1936، كان لبنان لا يزال تحت الانتداب، وكانت الجماعات ـ حزبيةً كانت أم أهلية ـ تتلمّس طريقها بين الهوية الوطنية الناشئة والتجاذبات الإقليمية. ومنذ ذلك التاريخ، صار اسم الكتائب جزءاً ثابتاً من سرديات تاريخ لبنان: حزبٌ شارك في البرلمان والحكومة والنقابات، وارتبطت به شخصيات من النخبة، وتحوّلت تجربته ـ خصوصاً في سنوات الحرب ـ إلى تداخل حادّ بين العمل السياسي والتنظيم العسكري، ثم انتقل إلى مسارٍ جديد بعد الحرب داخل الدولة وفي المعارضة.

بطاقة تعريف

الإسم: حزب الكتائب اللبنانية ـ الحزب الديمقراطي الاجتماعي اللبناني
التأسيس: 1936
المؤسّس: بيار الجميّل
الشعار: الله، الوطن، العائلة
الرمز البصري (Logo/Emblem): شعار دائري أخضر يتوسطه رمز الأرزة اللبنانية
الرئيس الحالي: سامي الجميّل (انتُخب في شباط فبراير 2023)
مدة الولاية: 4 سنوات
التمثيل النيابي (انتخابات 2022): 4 مقاعد

النشأة والسياق التاريخي

بدأ حزب الكتائب كتنظيم شبابي ثم تطوّر حزبياً، ليصبح من أبرز اللاعبين في السياسة اللبنانية قبل الحرب ثم خلالها. في سردية الحزب، ارتبطت النشأة بفكرة تثبيت الكيان اللبناني والعمل من أجل الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة لاحقاً.

يُقال إنّ بيار الجميّل استلهم نموذج التنظيم الهرمي الصارم والرموز والطقوس التعبوية كما ظهرت في حركات شبابية أوروبية (الفاشية الإيطالية، النازية في ألمانيا والفرانكية في إسبانيا) من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبنّي العقيدة السياسية لتلك الحركات؛ فالتأثر بالشكل لا يعني التطابق بالعقيدة.
أما من زاوية بحثية، فالكتائب جاءت ضمن موجة حركات شبابية منظمة في ثلاثينيات القرن العشرين في المنطقة، مع التأثر بأساليب التنظيم والانضباط السائدة عالمياً في ذلك الوقت إذ يُرجِع كثيرٌ من الباحثين نشأة الكتائب إلى مناخ ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت الحركات الشبابية المنضبطة تنتشر عالمياً بوصفها "مدارس تعبئة" أكثر منها برامج حكم.

وفي هذا السياق، يُقال إنّ بيار الجميّل استلهم نموذج التنظيم الهرمي الصارم والرموز والطقوس التعبوية كما ظهرت في حركات شبابية أوروبية (الفاشية الإيطالية، النازية في ألمانيا والفرانكية في إسبانيا) من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبنّي العقيدة السياسية لتلك الحركات؛ فالتأثر بالشكل لا يعني التطابق بالعقيدة.

أمّا علاقة الكتائب بالانتداب الفرنسي فبدت ملتبسة ومتقلبة: إذ مالت في البدايات إلى مهادنة سلطات الانتداب قبل أن تتموضع لاحقاً ضمن الجوّ الاستقلالي، فيما ظلّت صلاتها الثقافية بالفرنكوفونية والغرب جزءاً من صورتها في المخيلة الشعبية لكثير من اللبنانيين. ومن هنا أيضاً جاء تصنيف الكتائب في خانة "اليمين" في سرديات متعددة: تنظيمٌ مركزي صارم، أولوية لهوية لبنانية في مواجهة نزعة قومية/وحدويّة عربية، ميلٌ إلى الاقتصاد الحرّ، وتموضعٍ حادٍّ ضد الشيوعية في مراحل مختلفة.

ولا بدّ من التوقف عند الشخصيات المؤسّسة للحزب التي تمركزت في البيئة المسيحية والتي جاءت من خلفيات مدنية (غير عسكرية وغير دينية) فالمؤسّس بيار الجميّل هو صيدلي من بلدة بكفيا في قضاء المتن، واشتُهر بكونه لاعب كرة قدم ماهر، أما رفاق التأسيس منهم: شارل حلو (محامٍ، أصبح لاحقاً رئيساً للجمهورية)، جورج نقّاش (صحافي)، شفيق ناصيف (محامٍ) حميد فرنجية (حقوقي وباحث) الذي استُبدِل لاحقاً بإميل يارد (مهندس) من دون الكشف عن الأسباب.

هذه الخلفيات (مهن حرة/ صحافة/ قانون) تعكس توجهاً مدنياً ونخبوياً في البدايات، مع قاعدة اجتماعية مسيحية واسعة لاحقاً رغم أن النظام العام للحزب (المنشور على موقعه الإلكتروني) لا يعرّف الحزب على أنه "مسيحي" بالمعنى التنظيمي أو العقائدي الديني ولا يضع شرطاً طائفياً للانتساب بل يؤكد إطار الديمقراطية والتعددية.

لكن الواقع الاجتماعي والجغرافي يؤكد أن حزب الكتائب نشأ وتمدّد في البيئة المسيحية، بداية في المتن (بكفيا) ثم انتقل مركز ثقله السياسي والتنظيمي إلى بيروت لاحقاً عبر خلايا شبابية وتنظيمات محلية.

وحرص حزب الكتائب على ترسيخ دوره ونشر أفكاره من خلال المؤسسات الإعلامية المرتبطة به وأبرزها:

ـ جريدة "العمل" التي أُسّست عام 1939 وتُعرَّف كصحيفة مرتبطة بالكتائب (يتم نشرها  حالياً بشكل أسبوعي باللغتين العربية والفرنسية).

ـ إذاعة "صوت لبنان" التي أسست عام 1958 ثم ازدهرت عام 1975 خلال الحرب (تُذكر كإذاعة مرتبطة بالكتائب تاريخياً لكن حصلت نزاعات حول ملكيتها)

المبادئ والخط العام

في الخط العام الذي تروّجه أدبيات الحزب، كانت العناوين التأسيسية تدور حول:

ـ لبنان المستقلّ والسيادة ومقاومة هيمنة الخارج (في سياق الانتداب)

ـ بناء تنظيم شبابي

ـ توسيع العمل النقابي والاجتماعي

لاحقاً، ظهرت ثوابت مُعلنة (لبنان/السيادة/الدولة/الحرية) في برامج مختلفة للحزب لكن الممارسة والتحالفات والتموضع تبدّلت كثيراً عبر مراحل لبنان شأنها شأن كل الأحزاب في لبنان (خصوصاً ما قبل الحرب الأهلية 1975 وخلالها وبعدها) وهذا ما يجعل المقارنة بين "المبدأ" و"التطبيق" سؤالاً بحثياً مفتوحاً في كل حلقة من حلقات هذه السلسلة.

علماً أن المبادئ التأسيسية التي يُقدّمها حزب الكتائب لنفسه تظهر بوضوح في نص "المبادئ العامة" وهي تُقدَّم كاستمرارية لرسالة الحزب منذ تأسيسه عام 1936. وأبرزها:

ـ لبنان وطن نهائي وفضاء تعدّدي-ديمقراطي للحوار وتلاقي الثقافات

ـ النضال من أجل سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وحرياته، ورفض التمييز بين اللبنانيين إلا على أساس الجدارة والولاء للوطن.

ـ تبنّي الديمقراطية الاجتماعية بما يشمل: الحريات العامة وحقوق الإنسان وتكافؤ الفرص والمساواة، مع التأكيد أيضاً على الاقتصاد الحر والملكية الخاصة والتعليم الحر والعدالة الاجتماعية.

ـ العمل لبناء دولة عصرية بنظام جمهوري برلماني ديمقراطي، حيث الشعب مصدر السلطات، وحكم القانون، والتنمية المتوازنة والشفافية.

لم يكن حزب الكتائب "حزب عائلة" بالمعنى الضيق، لكنه ظلّ تاريخياً مرتبطاً رمزياً وقيادياً بعائلة الجميّل، من المؤسِّس بيار، إلى الابنين اللذين وصلا إلى رئاسة الجمهورية ـ بشير المنتخَب وأمين الذي تولّاها فعلاً ـ ثم إلى جيل لاحق حافظ على حضور سياسي وحزبي داخل البيئة الكتائبية أو المتحدّرة منها.
ـ العمل مع الدول والاحزاب والهيئات العربية في سبيل التضامن ومن أجل النهوض والدفاع عن القضايا المشتركة والمحقة (إنطلاقاً من أن لبنان عضو مؤسس لجامعة الدول العربية).

ـ مناهضة الظلم والاستبداد والاحتلال والعنصرية والتبعية والدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير، ضمن التزام مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ـ تعريف الحزب كحزب جماهيري يعمل في مختلف المناطق وفي الاغتراب اللبناني.

وبالعودة إلى السرديات عن بداياته، أعطى حزب الكتائب لبنان مكانة شبه مقدّسة في الثقافة الحزبية عبر ما سُمّي "الثالوث الكتائبي": الله، العائلة، الوطن.

في الوقت الراهن، ومن خلال وثيقته الانتخابية لعام 2022 والمنشورة رسمياً، يقدّم حزب الكتائب نفسه عبر عناوين سياسية واضحة تتصل بـالسيادة، والدفاع والأمن، والسياسة الخارجية، والديمقراطية، والإصلاح الاقتصادي–المالي.

عائلة الجميّل

لم يكن حزب الكتائب "حزب عائلة" بالمعنى الضيق، لكنه ظلّ تاريخياً مرتبطاً رمزياً وقيادياً بعائلة الجميّل، من المؤسِّس بيار، إلى الابنين اللذين وصلا إلى رئاسة الجمهورية ـ بشير المنتخَب وأمين الذي تولّاها فعلاً ـ ثم إلى جيل لاحق حافظ على حضور سياسي وحزبي داخل البيئة الكتائبية أو المتحدّرة منها.

داخل هذا المسار، برز بشير وأمين بوصفهما امتداداً مباشراً لدور الأب داخل الحزب وضمن معادلات الحرب الأهلية (1975- 1990) التي سنتحدث لاحقاً في هذا المقال، ومرحلة إعادة بناء الدولة. عُرف بشير الجميّل كقائد ميليشيوي صاعد خلال الحرب، وارتبط اسمه بقيادة القوات اللبنانية داخل المعسكر المسيحي، قبل أن يُنتخَب رئيساً للجمهورية في 23 آب  أغسطس 1982 ويُغتال في 14 أيلول سبتمبر 1982 بتفجير استهدف مقرّ الكتائب في الأشرفية على إثر اتهامه بالارتهان للخارج والتعاون مع إسرائيل.

أمّا أمين الجميّل فانتُخب رئيساً للجمهورية بعد اغتيال شقيقه، واستمر حضوره السياسي لاحقاً، رغم غيابه عن العمل السياسي المباشر لمدة 12 عاماً في منفى اختياري عقب انتهاء ولايته الرئاسية عام 1988. وقرر العودة في العام 2000 بهدف استئناف نشاطه السياسي، والمشاركة في الحياة السياسية، ومواجهة الوجود السوري في لبنان، والانخراط في صفوف المعارضة التي أثمرت لاحقاً عن تحالف 14 آذار فأصبح من أبرز قادة المعارضة ضد الهيمنة السورية وعارض انتخاب إميل لحود، كما تولى منصب الرئيس الأعلى لحزب الكتائب.

وضمن الجيل الجديد من عائلة الجميّل، برزت أسماءٌ أخذت موقعاً علنياً في السياسة والعمل العام أبرزها كان بيار أمين الجميّل (ابن الرئيس أمين)، الذي جمع بين النيابة والوزارة قبل أن يُغتال في 21 تشرين الثاني نوفمبر 2006 في منطقة الجدَيْدة شمال بيروت. وإلى جانبه في الجيل نفسه برز شقيقه سامي الجميّل بوصفه سياسياً ومحامياً ونائباً، وانتُخب لاحقاً رئيساً لحزب الكتائب.

كما برزت نيكول أمين الجميّل في العمل البلدي بصفتها رئيسة بلديّة بكفيا في انتقالٍ ملموس لدور نسائي من داخل العائلة إلى موقعٍ تمثيلي منتخب محلياً.

وفي فرع بشير الجميّل، يبرز نديم الجميّل كابنٍ للرئيس المنتخب الذي اغتيل عام 1982؛ وهو نائب في البرلمان منذ 2009 وعضو في حزب الكتائب، وقد درس الحقوق وعمل في المحاماة. أمّا شقيقته يُمنى فتابعت دراسة العلوم السياسية في باريس، ولها حضور قوي في المجال العام وإن لم تشغل منصباً حزبياً مباشراً.

وربما يمثل بروز كل من نيكول ويمنى الجميّل كسراً للصورة النمطية عن آل الجميل الذين اقتصر حضورهم السياسي على الذكور وقد نُقل عن بعض النساء المسنات من عائلة الجميّل قولهن في مجالس خاصة إن "آل الجميّل لم يسمحوا للنساء بالتحدث في السياسة في سابق الأيام لكن يبدو أن الزمن تغيّر".

الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها

في الذاكرة اللبنانية، اندلعت حربٌ أهلية مصغّرة في العام 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون، ناجمة عن أزمة سياسية بين الرئيس شمعون وخصومه ـ خصوصًا كمال جنبلاط ورشيد كرامي ـ الذين رأوا أن دعمه "مبدأ آيزنهاور" وطلبه مساعدة أميركية هو توريط للبنان في محور دولي ضد التيار القومي العربي. وقف حزب الكتائب يومذاك في الجانب المؤيِّد للسلطة في مواجهة القوى المعارِضة المتأثرة بالناصرية والتيارات العروبية مثل حزب النجادة والحزب التقدمي الاشتراكي، وبرزت مشاركة ميليشيا تابعة له في الدفاع عن منطقة المتن (معقل كتائبي تقليدي) وتأمين الطرق التي تربطها ببيروت، ويرى مؤرخون أن تلك الأحداث دفعت الكتائب لتأسيس ما عُرف لاحقاً بـ "قوى الكتائب النظامية" (1961) التي شاركت لاحقاً في الحرب الأهلية (1975 - 1990). انتهت أزمة العام 1958 بتسوية تقضي بانتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية وبتشكيل حكومة مصالحة، وبعدها دخل بيار الجميّل الحكومة لفترة، ما يعكس انتقال الكتائب من حليف أمني-سياسي في الشارع إلى شريك داخل مؤسسات الدولة.

في الذاكرة اللبنانية، اندلعت حربٌ أهلية مصغّرة في العام 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون، ناجمة عن أزمة سياسية بين الرئيس شمعون وخصومه ـ خصوصًا كمال جنبلاط ورشيد كرامي ـ الذين رأوا أن دعمه "مبدأ آيزنهاور" وطلبه مساعدة أميركية هو توريط للبنان في محور دولي ضد التيار القومي العربي.
وخلال الحرب اللبنانية، شكّل حزب الكتائب أحد أعمدة المعسكر المسيحي ضمن ما عُرف بـ "الجبهة اللبنانية"، وقد يحمّله البعض مسؤولية اندلاع الحرب لأنّ حادثة 13  نيسان أبريل 1975 في عين الرمانة (الهجوم على حافلة تقِلّ فلسطينيين بعد اشتباكات صباحية في المنطقة) تُقدَّم في السردية الأكثر شيوعاً على أنها الشرارة التي أطلقت دوّامة الحرب، ويُنسَب تنفيذ الهجوم على الحافلة إلى عناصر من القوات النظامية الكتائبية، لكنّ هذا الاتهام لا يعني أن الحرب كانت قراراً كتائبياً أحاديّاً، إذ سبقت تلك الحادثة توتراتٌ عميقة ناجمة عن الحضور المسلّح الفلسطيني، والانقسام السياسي الحادّ بين اليمين واليسار، وضعف الدولة، وتداخلات المصالح الإقليمية. لذلك يُحمِّل خصوم الكتائب الحزبَ مسؤوليةً رمزيةً بوصفه طرفاً فاعلاً في لحظة الانفجار، فيما يرى أنصاره أنه كان يدافع عن بيئةٍ شعرت بأنها مهددة وأن الوقائع يومها كانت سلسلة ردود فعل.

سياسياً، مثّل الكتائب ركيزةً في التحالفات المسيحية (الجبهة اللبنانية) وخاض معركة "الهوية والكيان" في خطابه السياسي، وتحوّل مع الوقت إلى لاعبٍ يجمع بين التمثيل الحزبي وبين نفوذ الميليشيا على الأرض.

وعسكرياً، اعتمد على جهازه المسلح المنظَّم الذي توسّع تنظيمياً منذ السبعينيات، وخاض اشتباكات ضد الفصائل الفلسطينية وحلفائها من الحركة الوطنية اللبنانية في بدايات الحرب، ثم دخل لاحقاً في صدامات مع قوى أخرى تبعاً لتحولات الجبهات، ومنها الجيش السوري منذ تدخله العسكري في لبنان عام 1976 والحزب التقدمي الاشتراكي والقوى الدرزية المتحالفة معه خلال حرب الجبل عام 1983، وحركة "أمل" ثم لاحقاً "حزب الله" خلال فترة الثمانينات، بالاضافة بعض القوى المسيحية مثل تيار المردة (1978 في إهدن) نمور الأحرار (1980 في الصفرا) الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون (1989 في شرق بيروت).

لاحقاً، في مرحلة اتفاق الطائف (1989) وما تلاها من إنهاءٍ تدريجي للحرب (1990) وإعادة تركيب النظام السياسي تحت وطأة الوجود السوري، دخل حزب الكتائب اللبنانية مرحلةً انتقالية اتّسمت بتراجعٍ تنظيمي وانتخابي مقارنةً بما قبل الحرب. على مستوى القيادة الحزبية، كان جورج سعادة رئيساً للكتائب منذ 1986 حتى 1998، ثم تولّى منير الحاج (1998–2001)، ثم كريم بقرادوني (2001 ـ 2007)، قبل أن يتسلّم أمين الجميّل رئاسة الحزب إثر عودته من فرنسا (2007 ـ 2015).

أما على مستوى التمثيل النيابي في التسعينيات، فقد اتسمت انتخابات ما بعد الحرب بتوترٍ سياسي واعتراضٍ مسيحي واسع على شروط العملية الانتخابية. في انتخابات 1992 شهد لبنان مقاطعة مسيحية معارضة فلم يرشح حزب الكتائب أحداً، وفي انتخابات العام 1996 قررت الكتائب امشاركة إلا أن مرشّحي الحزب خسروا الانتخابات ويعتقد الكتائبيون أن السبب الرئيس لهذه الخسارة هو تدخل رئيس الجمهورية يومذاك الياس الهراوي. أما في انتخابات العام 2000 ففاز بيار أمين الجميّل كأحد أبرز النواب المعارضين للوصاية السورية ولحكم الرئيس أميل لحود.

خلال الحرب اللبنانية، شكّل حزب الكتائب أحد أعمدة المعسكر المسيحي ضمن ما عُرف بـ "الجبهة اللبنانية"، وقد يحمّله البعض مسؤولية اندلاع الحرب لأنّ حادثة 13 نيسان أبريل 1975 في عين الرمانة (الهجوم على حافلة تقِلّ فلسطينيين بعد اشتباكات صباحية في المنطقة) تُقدَّم في السردية الأكثر شيوعاً على أنها الشرارة التي أطلقت دوّامة الحرب، ويُنسَب تنفيذ الهجوم على الحافلة إلى عناصر من القوات النظامية الكتائبية،
وفي هذا المناخ، يمكن القول إن انتقال الكتائب إلى المعارضة السيادية تبلور على نحوٍ أوضح في مطلع الألفية، عبر عودته إلى البرلمان بالإضافة إلى اندماجه في تجمعات معارضة مثل لقاء قرنة شهوان (2001) ثم لقاء البريستول (2004) وصولاً إلى المشاركة في دينامية انتفاضة الاستقلال وقوى 14 آذار (2005) وهي مسارات تُقدَّم في سردية الحزب بوصفها "تنظيم معارضة الكتائب" بعد سنوات الكُمون في التسعينيات.

الموقف من القضايا الراهنة

مع انتخاب الرئيس جوزاف عون رئيساً للجمهورية بعد فترة من الفراغ الرئاسي وتأليف حكومة برئاسة نواف سلام، بدا أن موقف حزب الكتائب مركّب وغير مؤيد بالكامل، إذ قدّم الدعم السياسي والبرلماني لنهج "استعادة هيبة الدولة" وفي الوقت نفسه مارس النقد والضغط على الأداء.

لكن المسألة الأكثر سخونة وحساسية في لبنان، لا ترتبط بالحكومة في حد ذاتها وإنما بالموقف من العلاقة مع إسرائيل بعد هزيمة "حزب الله" في الحرب الأخيرة ضدها (2024) واغتيال أمينه العام السيد حسن نصرالله وكبار قادة المقاومة. ولحزب الكتائب موقف واضح من هذه المسألة فهو تاريخياً – من خلال تولي قياداته مناصب في الدولة – أبرم اتفاقات وتفاهمات مع إسرائيل أبرزها "اتفاق 17 أيار" (مايو) 1983 الذي وُقّع في عهد أمين الجميّل مع إسرائيل بعد اجتياحها بيروت عام 1982، وهدفه المعلن إنهاء حالة الحرب وفتح طريق انسحابٍ تدريجي من لبنان مقابل ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، منها قيام الجيش اللبناني بـ"منطقة أمنية" ومنع عمل المجموعات المسلحة على الحدود. غير أن الاتفاق سقط لأنه واجه رفضاً واسعاً داخلياً (خصوصاً في البيئة اليسارية والاسلامية والقوى الحليفة لسوريا
.
وكان لبشير الجميل علاقة تحالف وتنسيق سرّية ومتدرجة مع إسرائيل شملت تقديم السلاح والتدريب للمقاتلين في القوات اللبنانية، بالإضافة إلى فتح قنوات سياسية واجتماعات قيادية 1982 مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن حيث طُرح توقيع "معاهدة سلام".

أما اليوم، فيركز خطاب حزب الكتائب على "وقف الحرب وتثبيت الاستقرار بقرار الدولة وحدها، مع فصل مسار التهدئة والاتفاقات الأمنية عن التطبيع". وكان رئيس حزب الكتائب والنائب في البرلمان اللبناني سامي أمين الجميّل قد صرح بأن "التفاوض مع إسرائيل خيار مطروح" إذا كان هدفه حماية لبنان موضحاً أن مصلحة لبنان هي وقف أي حرب أو اعتداء.

ولم يطرح حزب الكتائب علاقة طبيعية مع إسرائيل (تطبيعاً) كعنوان، لكنه بات أكثر صراحة في قبول التفاوض معها لوقف الحرب نهائياً مع تأكيد نزع احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم.

الخلاصة

تُظهر سيرة حزب الكتائب اللبنانية أنّه ليس مجرد حزب سياسي بالمعنى التقليدي، بل أحد مفاتيح فهم الدولة اللبنانية نفسها: كيف وُلدت الهوية الوطنية تحت الانتداب، وكيف تحوّلت الأحزاب إلى أجهزة تعبئة وتنظيم، ثم كيف انزلقت السياسة إلى العسكرة في الحرب، قبل أن تعود إلى الدولة بعد اتفاق الطائف. وبين المبادئ العامة التي يعلنها الحزب (السيادة، الدولة، الحرية، الديمقراطية الاجتماعية) والمحطات الحاسمة في تاريخه (الجبهة اللبنانية، التنظيم المسلح، اتفاق 17 أيار، ثم المعارضة السيادية بعد 2000)، تتبدّى فجوة ثابتة بين خطابٍ يُقدّم نفسه كحاملٍ لمشروع دولة وبين ممارسةٍ تكيّفت مراراً مع ميزان القوى والاصطفافات والضرورات المرحلية.

وفي لحظة الانهيار اللبناني التي وصفها الحزب نفسه عام 2022 بـ"إفلاس الدولة وانهيار النظام"  يبدو أن الكتائب اللبنانية تحاول إعادة تعريف دورها من جديد: من حزبٍ مُرتبط بتاريخ الحرب والعائلة والرمز، إلى فاعلٍ يُراهن على استعادة الدولة واحتكارها للسلاح وقرار الحرب والسلم، مع خطابٍ أكثر براغماتية في ملفات شديدة الحساسية كالتفاوض مع إسرائيل. لكن هذا التحول، بقدر ما يفتح نافذة على نسخة جديدة من الحزب، يعيد أيضاً طرح سؤال الشرعية: هل يُقاس الحزب بما يعلنه اليوم أم بما راكمه تاريخياً من صورٍ وأدوارٍ وصراعات؟