الروم الملكيون الكاثوليك في لبنان الجسر بين الشرق والغرب.. تحديات الدّور والوجود

مثل طائفة الروم الملكيين الكاثوليك أقلية مسيحية تعمل ضمن شبكة التحالفات المسيحية والسياسية لتشارك في الحياة الوطنية والسياسية عبر المقاعد النيابية والأفراد المؤثرين اجتماعياً واقتصادياً.. فيسبوك
يشبه لبنان متحفاً حيّاً للطوائف، وفسيفساء مذهبية فريدة من نوعها في محيطه العربي. وقد اتسم تاريخه بالتداخل بين الدين والسياسة، والصراعات على النفوذ وحفظ الهوية، ما جعل منه حالةً فريدةً في الشرق الأوسط، أو ربما استثناءً تاريخياً في تشكيله الطائفي المتنوّع الذي يتجاوز الصورة التقليدية لطوائفه الكبرى المعروفة، والتي لعبت أدواراً محورية منذ استقلاله، مروراً بالحرب الأهلية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الطائف. إذ تختزن ذاكرة هذا البلد الصغير تنوعاً مذهلاً لطوائف ومذاهب، بقي بعضها مجهولاً للكثيرين، تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والثقافي والتاريخي. وفي ظلّ تجاهل إعلاميّ معتاد، بقيت هذه الطوائف في الظلّ، رغم ما تحمله من إرث غنيّ وقصص غير مروية، ودورٍ لا يُستهان به في تشكيل الهُوية اللبنانية، والتأثير على المشهد السياسي والاجتماعي.

من هنا، يخصص موقع "عربي 21" سلسلة مقالات بعنوان "لبنان متحف طوائف الشرق الأوسط" ويتحدث في هذه الحلقة عن طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، في محاولةٍ جادةٍ وعميقة لإلقاء الضوء على هذه الطائفة وغيرها من الطوائف، واستكشاف خصائصها وتاريخها وتراثها، والتعرف إلى الدور الذي لعبته وتلعبه اليوم في الواقع اللبناني، بعيداً من الصور النمطية والأحكام المسبقة. هذه السلسلة ليست مجرد بحثٍ معرفي، بل هي جولةٌ بين مكوّنات مجتمعٍ زاخر بالتنوع، لا يزال رغم صراعاته قادراً على البقاء كأحد أغنى نماذج التعددية في الشرق الأوسط.

تُشكل طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان حالة فريدة في الفسيفساء اللبنانية والمشرقية. فهي الطائفة التي ولدت من رحم انشقاقٍ كنَسي عام 1724، لتعيد وصْل ما انقطع بين الشرق البيزنطي والغرب اللاتيني، حاملةً لقب "الملَكيّين" الذي يشير تاريخياً إلى التمسك بمرجعية الفاتيكان مضيفةً إليه البُعد "البيزنطي" المتّحد بالإمبراطورية الرومانية الشرقية.

ولا يُقاس ثقل هذه الطائفة في لبنان بديمغرافيتها العددية فحسب، بل بنوعية حضورها الثقافي، الاقتصادي، والسياسي، حيث عُرفت تاريخياً بأنها "طائفة المدن" والنخبة المثقفة والبورجوازية التي ساهمت في صياغة "الفكرة اللبنانية". هذا المقال يبحث في عمق التكوين الاجتماعي والثقافي للطائفة، مروراً بأبرز رجالاتها ومؤسساتها، وصولاً إلى تحوّلات دورها السياسي من الاستقلال إلى ما بعد الطائف، وانتهاءً باستشراف مستقبلها في ظل التحولات الوجودية.

الخصائص الاجتماعية والدينية

نشأت طائفة اليوم الملكيين الكاثوليك نتيجة انقسامٍ داخل الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية في دمشق عام 1724. سببُ الانقسام كان انتخاب بطريرك جديد للكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية، ورفض بعض الأساقفة أن يُنتخب البطريرك الذي فضّل الاستقلال عن روما. فاختار بعض رجال الدين والشعب التحالف مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فنشأت بذلك الطائفة الملكية الكاثوليكية التي تجمع بين الطقس البيزنطي والولاء للبابا في روما.

وتحمل صفة "الملكية" (من الكلمة اليونانية  "Melkāyā) التي تعني "المؤيدون للملك والمقصود به هو السلطة العليا للبابا في روما أو في بعض السياقات الأصلية سلطة الإمبراطور البيزنطي قبل سقوط الإمبراطورية.

يُطلق باحثون في علم الاجتماع السياسي اللبناني على الروم الكاثوليك وصف "طائفة المدُن" أو "الأرستقراطية المدينية" إذ تمركز أبناؤها في المدن الكبرى خلافاً للموارنة والدروز الذين تمركزوا تاريخياً في الجبال والأرياف الوعرة. ولأن الروم الكاثوليك استوطنوا المدن برز تجمّعهم الأكبر في مدينة زحلة (التي توصف بعاصمة الكثلكة في الشرق)، وفي العاصمة بيروت، وصيدا، وصور. هذا التمركز الحضَري دفع أبناء الطائفة نحو ممارسة المهن الحرة، كالتجارة، الصيرفة، والعمل الدبلوماسي، بدلاً من الزراعة.
في التاريخ الحديث، في لبنان تحديداً، تميّزت طائفة الروم الكاثوليك عن سائر المكونات المسيحية والإسلامية في لبنان بكونها تحمل فكراً يتقاطع فيه الشرق والغرب وتجتمع فيه الهويات والثقافات المسيحية، وهذا ما سمح لأبناء الطائفة بلعب الدور الوسيط في التجارة والسياسة والدبلوماسية خلال مختلف المراحل من تاريخ لبنان.

دينياً، هي كنيسة مشرقية الجذور، بيزنطية الطقس، عربية اللغة الليتورجية، وكاثوليكية الانتماء (تابعة لكرسي روما). وهذا المزيج جعلها جسراً ثقافياً بين التراث الشرقي والحداثة الغربية إذ لم تتخلَ الكنيسة عن طقوسها الشرقية وأيقوناتها، لكنها انفتحت باكراً على الإرساليات الغربية والعلوم الحديثة، مما أكسب أبناءها مرونة فكرية وقدرة عالية على التكيف.

اجتماعياً، يُطلق باحثون في علم الاجتماع السياسي اللبناني على الروم الكاثوليك وصف "طائفة المدُن" أو "الأرستقراطية المدينية" إذ تمركز أبناؤها في المدن الكبرى خلافاً للموارنة والدروز الذين تمركزوا تاريخياً في الجبال والأرياف الوعرة. ولأن الروم الكاثوليك استوطنوا المدن برز تجمّعهم الأكبر في مدينة زحلة (التي توصف بعاصمة الكثلكة في الشرق)، وفي العاصمة بيروت، وصيدا، وصور. هذا التمركز الحضَري دفع أبناء الطائفة نحو ممارسة المهن الحرة، كالتجارة، الصيرفة، والعمل الدبلوماسي، بدلاً من الزراعة.

ثقافياً، لعب الروم الكاثوليك دوراً طليعياً في "عصر النهضة العربية". استفادوا من حماية القناصل الغربيين ومن البعثات التعليمية لروما، فكانوا رواداً في الطباعة والصحافة والترجمة. تعتبر مطبعة "دير المخلص" في الشوف (تأسست أوائل القرن الثامن عشر) من أوائل المطابع العربية، وساهمت الرهبانيات الكاثوليكية (المُخلِّصية، الشويرية، والحلبية) في نشر التعليم والمخطوطات. هذه الخلفية أنتجت مجتمعاً يتسم بالليبرالية الاقتصادية، الانفتاح الثقافي، وتعدد اللغات، مما جعلهم "مهندسي العلاقات" على أنواعها بين لبنان والعالم الخارجي.

وارتبط تاريخ لبنان الحديث ارتباطاً عضوياً بشخصيات كاثوليكية تركت بصمات لا تُمحى في هوية الكيان ومؤسّساته. إذ لا يمكن الحديث عن "الميثاق الوطني" والدستور اللبناني من دون التوقف مطولاً عند ميشال شيحا. شيحا، المفكر والمصرفي والسياسي، يتحدّر من عائلة جذورها عراقية سريانية كاثوليكية لكنها استقرت في لبنان حيث انتمت إلى طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، ويُعتبر شيحا "أبو الدستور اللبناني" ومُنَظّر "لبنان بلد الأقليات المتشاركة" وشكّلت فلسفته حول الاقتصاد الحرّ والعيش المشترك العقيدة السياسية للبنان قبل الحرب الأهلية وبعدها.

إلى جانب شيحا، برز هنري فرعون، السياسي المخضرم الذي لعب دوراً حاسماً في معركة الاستقلال، ويُنسب إليه تصميم العلم اللبناني بشكله الحالي. وتميّزت عائلة تقلا (سليم وفيليب تقلا) في السلك الدبلوماسي والخارجية، حيث أرسوا قواعد الدبلوماسية اللبنانية. وفي زحلة، شكلت زعامة آل سكاف (جوزيف سكاف ومن ثم إلياس سكاف) ثقلاً سياسياً وازنًا حافظ على خصوصية المدينة كمعقل مسيحي وكاثوليكي في البقاع.

كنسياً، يُعتبر البطريرك غريغوريوس الثاني يوسف (القرن التاسع عشر) والبطريرك مكسيموس الرابع صايغ من العمالقة. إذ لعب الأخير دوراً ثورياً في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) مدافعاً عن حقوق الكنائس الشرقية واستقلاليتها واستخدام اللغة العربية في الطقوس، رافضاً "اللتننة" (فرض الطقس اللاتيني). ولا يمكن إغفال المطران غريغوار حداد، المعروف بـ"مطران الفقراء" أو "المطران الأحمر"، الذي أسس "الحركة الاجتماعية" وطرح مفاهيم علمانية سابقة لأوانها أثارت جدلاً واسعاً.

على صعيد المؤسسات، تملك الطائفة شبكة واسعة من الصروح التي تتجاوز خدمتها أبناء الطائفة ومنها:

1 ـ المؤسسات الدينية والكنسية:

ـ بطريركية الروم الملكيّة الكاثوليكية في بيروت: هي مقر البطريرك حيث يجري الاشراف على شؤون الرعايا في لبنان والعالم.

ـ الرعايا والكنائس المنتشرة في مناطق بيروت، صيدا، زحلة، حاصبيا، وطرابلس.

ـ دير مار أنطونيوس، دير مار الياس: من أكبر الأديرة التي تُشرف على النشاط الروحي والتعليم الديني.

2 ـ المؤسسات التعليمية:

مدارس مدنية، مدارس بطريركية: هذه المدارس تقدم التعليم العام وفق المناهج اللبنانية، مع تعزيز القيم الدينية والثقافة المسيحية الشرقية.

3 ـ المؤسسات الاجتماعية والخيرية:

تقوم بشاطات شبابية ودينية واجتماعية وتعمل على نشر التعليم الديني والقيم المسيحية.

4 ـ مؤسسات رعاية المحتاجين والمسنين:

غالبًا تديرها الكنائس أو الجمعيات التابعة للطائفة.

5 ـ مراكز الرعاية الصحية البسيطة:

مستوصفات أو عيادات للرعاية الأولية في بعض المدن والقرى.

6 ـ الإعلام: بعض الكنائس الكبرى تصدر نشرات دينية ومجلات للطائفة، تهتم بالأخبار الدينية والنشاطات الثقافية.

باختصار، تعتمد طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان على مزيج من المؤسسات الدينية، التعليمية، والخيرية لدعم أبنائها والحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية، ولترسيخ حضورها بين الطوائف المسيحية الفاعلة في لبنان.

الدّور السياسي

من انتزاع الاستقلال (1943) إلى الطائف (1990) مرّ الدور السياسي لطائفة الروم الكاثوليك بثلاث مراحل مفصلية، اتسمت بالانتقال من "صناعة القرار" إلى "الدفاع عن الوجود" ثم "التكيف مع الواقع الجديد"ز

7 ـ مرحلة الاستقلال وبناء الدولة (1975 ـ 1943):

في هذه المرحلة، كان الروم الكاثوليك شركاء كاملين للموارنة والسّنّة في صياغة المعادلة اللبنانية. وبسبب طبيعتهم "التوفيقية" وعدم انخراطهم في صراعات دموية تاريخية (مقارنة بالصراع الماروني-الدّرزي)، لعبوا دور "بيضة القبان" التي تميل الكفة وترجحها. كان لهم حضور قوي في الحكومات والبرلمان، وتسلّموا حقائب وزارية سيادية كالخارجية والاقتصاد وفي كل الأحوال اتسمت الطائفة بكونها "الوجه الليبرالي" للبنان.

8 ـ  الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)

شكلت الحرب صدمة قاسية للطائفة التي تُعَد "طائفة السلم والتجارة" ولا سيما عندما تعرّضت مناطق انتشار الروم الكاثوليك لتهديدات وجودية من بينها مثلاً معركة زحلة (1981) التي تُعد المحطة الأبرز في التاريخ العسكري لأبناء الطائفة حين حاصرت القوات السورية مدينة زحلة، فصمدت المدينة (بقيادة القوات اللبنانية وشباب المدينة من آل سكاف وغيرهم) في وجه قصف عنيف، ما أعطى الكاثوليك صفة الدفاع عن لبنان بعد أن كانوا يُتهمون بأنهم "أهل قلم ومال" فقط. وفي مثال آخر، عانى الروم الكاثوليك في الشوف (دير القمر، المغيرية) وشرق صيدا (عبرا، لبعا، المية ومية) من مجازر وتهجير قاسٍ خلال حرب الجبل (1983) وحرب شرق صيدا (1985)، ما أدى إلى نزيف ديموغرافي وتغيير في الخارطة السكانية للطائفة.

9 ـ  مرحلة الطائف (1989 ـ حتى الآن):

مع إقرار اتفاق الطائف، خسرت المسيحية السياسية جزءاً من صلاحياتها لصالح مجلس الوزراء مجتمعاً. بالنسبة للروم الكاثوليك، تم تثبيت حصتهم بـ 8 نواب (من أصل 64 نائباً مسيحياً) وبمنصب وزيرين في الحكومات المصغرة أو 3 في الحكومات الموسعة. سياسياً، تراجع دور "المفكرين الكبار" (مثل شيحا) لصالح زعامات مناطقية وتقليدية أو حزبية إلتحقت بالتيارات الكبرى (التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، الكتائب، وحتى تيار المستقبل السّنّي). حاولت البطريركية (في عهد البطريرك غريغوريوس الثالث لحام ثم يوسف العبسي) لعب دور في المصالحة الوطنية، وفي انعقاد "السينودس من أجل لبنان" الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني، والذي كان للكاثوليك دور محوري في إعداده علماً أنه حدث كنسي كبير أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني سنة 1991 واستُكمل بوثيقة رسولية شهيرة عام 1997 بعنوان: "الرجاء الجديد للبنان".

طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان أكبر من مجرد رقم في المعادلة الطائفية، بل "خميرة" فكرية واقتصادية قدّمت للبنان دستوراً ومؤسسات ومنشآت وتقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الذوبان البطيء في ظل الهجرة والاستقطاب السياسي، أو إعادة اختراع دور "الوسيط" و"النخبة" الذي ميزها لقرون.
صحيح أن طائفة الروم الملكيين الكاثوليك لا تمتلك حزبًا سياسيًا مستقلًا خاصًا بها، لكنّها غالبًا تنخرط ضمن الأحزاب المسيحية الكبرى أو تحالفات سياسية واسعة مع أحزاب أخرى. وهناك بعض الشخصيات الروم الكاثوليك التي لعبت أدوارًا وطنية واقتصادية وإدارية، خصوصًا في بيروت وزحلة، أبرزها ميشال فرعون ونقولا فتوش وميشال موسى ونصري معلوف، لكن غالبًا لا تعمل القيادات الكاثوليكية بمعزل عن الأحزاب التي تمثلها أو التحالفات الطائفية الأوسع.

وبذلك، تمثل طائفة الروم الملكيين الكاثوليك أقلية مسيحية تعمل ضمن شبكة التحالفات المسيحية والسياسية لتشارك في الحياة الوطنية والسياسية عبر المقاعد النيابية والأفراد المؤثرين اجتماعياً واقتصادياً.

الواقع والتحديات

فرضت الأزمات المتلاحقة على لبنان تحديات على جميع الطوائف من دون استثناء، ويواجه المواطنون الروم الكاثوليك هذه التحديات بنحو يحمي مؤسسات الطائفة وهويتها لكنه لا يضمن للأفراد إمكانية الصمود في لبنان والاستغناء عن خيار الهجرة. لذلك يبدو مستقبل الطائفة على المحك، في ظل نظام طائفي يميل نحو الاستقطاب الحاد بين الكتل الكبرى (شيعية، سنية، مارونية) ونظام اقتصادي ينهك الأفراد ويستنزف قدراتهم المالية ويدفعهم للاستقرار خارج البلاد. إذ تظهر الاحصاءات غير الرسمية أن طائفة الروم الملكيين الكاثوليك تعاني من أعلى نسب الهجرة بين الطوائف اللبنانية لسبَبين: الأول هو المستوى التعليمي المرتفع وإتقان اللغات الأجنبية، ما يسهل فرص العمل في الخارج، والثاني هو طبيعة الأعمال التي يميلون إلى اختيارها (تجارة ومهن حرة) التي يسهل نقلها مقارنة بالمزارعين المرتبطين بالأرض. وقد يهدّد ذلك "الديموغرافيا السياسية" لمقاعدهم النيابية في دوائر مثل بيروت الأولى والبقاع الغربي.

بخلاف الموارنة (بكركي ورئاسة الجمهورية) أو الشيعة (الثنائي) أو الدروز (المختارة)، يعاني الكاثوليك من تشتت القرار السياسي وغيياب المرجعية السياسية الموحّدة. إذ سقطت الزعامات التقليدية "الإقطاعية" (مثل تراجع دور آل سكاف بعد وفاة إلياس سكاف وانقسام العائلة)، وتوزع النواب الكاثوليك على الكتل النيابية الكبرى، مما أفقد الطائفة "كتلة كاثوليكية" مستقلة وازنة في البرلمان. وأصبح الوزير الكاثوليكي يمثل مرجعيته الحزبية (قد لا تكون مسيحية، هذا يرجع للتحالفات) أكثر مما يمثل مصالح طائفته.

وفي موازاة ذلك، يبرز شعور متنامٍ لدى النخب الكاثوليكية بـ "الغبن" في التعيينات الإدارية حيث يجري الصراع دائماً للحفاظ على منصب المدير العام لأمن الدولة، ومدير عام وزارة الزراعة، وبعض المواقع الدبلوماسية والقضائية، وسط محاولات من طوائف أخرى لقضم هذه المراكز.

وفي ظل هذا الواقع يبرز السؤال الصعب: هل يبقى الكاثوليك "جسراً" في زمن الانغلاق المذهبي؟ وقد تكمن الإجابة في النجاح بإعادة إنتاج دور ريادي يعوّض النقص العددي.

وتبقى طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان أكبر من مجرد رقم في المعادلة الطائفية، بل "خميرة" فكرية واقتصادية قدّمت للبنان دستوراً ومؤسسات ومنشآت وتقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الذوبان البطيء في ظل الهجرة والاستقطاب السياسي، أو إعادة اختراع دور "الوسيط" و"النخبة" الذي ميزها لقرون.