التيار الوطني الحرّ في لبنان.. من "حالة" إلى حزب دولة ثم حزب أزمة

نجح التيار الوطني الحر بالانتقال إلى موقع القائد لا الشريك العابر في الدولة. غير أن الواقع منذ دخوله الحكم عام 2008 بدا أقرب إلى نقيض الشعارات والوعود العونية: دولةٌ أكثر عجزاً، إقتصادٌ أكثر ضعفاً، إدارةٌ أكثر شللاً، وملفاتٌ تتراكم بلا حلول نهائية..
في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن التجربة اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس ديمقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه. يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من النجاح.

وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو مستقر. من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها، لفهم دورها في صناعة تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله.

سنعود إلى ظروف نشأة كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس ذلك على قاعدته الشعبية.

ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ، بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع.

نخصص هذه الحلقة من سلسلة المقالات للتعرف إلى حزب التيار الوطني الحرّ، بوصفه أحد الأحزاب الفتية التي شاركت في الحكم بعد خروج سوريا من لبنان وفتح صفحة جديدة في تاريخه.

تصعب قراءة تجربة "التيار الوطني الحرّ" كحزبٍ عاديّ في بلدٍ غير عادي. فهو ابنُ مسارٍ لبناني تتسارع فيه المنعطفات الكبرى: نهاية الحرب الأهلية، صعود الوصاية السورية وتحوّلها إلى نظام حكمٍ فعلي، إنقسام حاد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري، وصولاً إلى الانهيار المالي وما تبعه من إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي.

لعب التيار أدواراً مختلفة خلال المنعطفات الكبرى، مرةً بوصفه حالة شعبية حملت اسم العونية ربطاً بكنية مؤسّسها ميشال عون الذي رفع شعار "لبنان أصغر من يُقسّم وأكبر من يُبتلع" في زمن الحرب الطائفية التي قطعت أوصال لبنان، ومرّةً أخرى بوصفه حزباً مؤسّساتياً رافعاً شعار "التغيير والإصلاح" داخل الدولة، وعندما دخل الدولة من أوسع أبوابها ـ نيابةً ووزارةً ورئاسةً ـ واجه سؤالاً وجودياً: هل التيار الوطني الحر هو حزب تغيير وإصلاح كما يقدّم نفسه، أم حزب سلطةٍ إنتهى إلى تحمّل جزء كبير من كلفة الحكم ومن كلفة الانهيار؟

بطاقة تعريف

ـ الاسم الرسمي: التيّار الوطني الحرّ

ـ تاريخ تأسيس الحزب: 2 أيار مايو 2006

ـ إسم المؤسِّس: العماد ميشال عون

ـ الشعار السياسي الأشهر: حرية، سيادة، إستقلال

ـ الرمز البصري ودلالته: الشعار البرتقالي بصياغته الحديثة يرمز إلى كتاب مفتوح وعلامة إيجابية وV  النصر، واللون البرتقالي يرمز إلى الفجر الجديد

ـ الرئيس الحالي: جبران باسيل (منذ 2015)

ـ مدة الولاية: 4 سنوات قابلة لإعادة الانتخاب مرة واحدة على التوالي

ـ التمثيل النيابي (انتخابات 2022): 18 نائباً

الجذور والتأسيس

لم يولد التيار الوطني الحرّ دفعةً واحدة كحزبٍ مُعترف به في سجّلات في الدولة، بل تَشكّل أولاً كــ"حالة عونية" خلال الثمانينات في خضم الحرب الأهلية الطائفية (1975 – 1990) وانقسام الموقف حيال دخول الجيش السوري (1976) تحت مسمّى "قوّات الرّدع العربية" فتغذّى من الالتفاف الشعبي حول ميشال عون الذي برز أولاً كقائد للجيش اللبناني عام 1984 ثم عُيّن رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية في 22 أيلول سبتمبر 1988 بقرار من الرئيس المنتهية ولايته أمين الجميّل، في لحظة فراغ رئاسي وانقسام داخلي حاد. رفع عون شعار "السيادة والحرية والاستقلال" الذي صار لاحقاً شعاراً رئيساً تعتمده الحركات الطلابية والتنظيمات المطالِبة بخروج سوريا من لبنان منذ العام 2000. الحالة الشعبية العونية كانت أسبق من الحزب بكثير، وهي التي وفّرت للتيار رصيده التعبوي وهويّته الأولى.

تصعب قراءة تجربة "التيار الوطني الحرّ" كحزبٍ عاديّ في بلدٍ غير عادي. فهو ابنُ مسارٍ لبناني تتسارع فيه المنعطفات الكبرى: نهاية الحرب الأهلية، صعود الوصاية السورية وتحوّلها إلى نظام حكمٍ فعلي، إنقسام حاد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري، وصولاً إلى الانهيار المالي وما تبعه من إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي.
إذاً، بين "تأسيس الحالة" و"تأسيس الحزب" مسافةٌ زمنية وقانونية وسياسية. فالانتقال من الشارع إلى المأسسة بدأ مع عودة ميشال عون من المنفى في باريس إلى لبنان بعد انتهاء الوصاية السورية على لبنان عام 2005، فسعى التيار لتثبيت نفسه عبر نظام داخلي ومؤسسات وهيئات وانتخابات داخلية وشرعية.

في النظام الداخلي للتيار الوطني الحر، يرد نصّ واضح عن تأسيس الحزب ككيان سياسي ديمقراطي لا يتوخى الربح، مع الإشارة إلى إعطاء وزارة الداخلية علم وخبر في العام 2006 (هو إجراء إبلاغ وتسجيل لتأسيس كيانات مدنية من دون الحاجة إلى ترخيص مسبق).

هنا، صار التيار مؤسسة: مجلس وطني، مجلس سياسي، قطاعات تنظيمية (انتشار، شباب، مهن…) وهيئات داخلية وآليات مساءلة وشغور. تبنّى الحزب الوليد خطاباً يَعِد بإعادة ترتيب علاقة المسيحيين بالدولة وبالشراكة الوطنية، في مواجهة إرث الحرب والوصاية. وسرعان ما دخل بقيادييه القدامى والجدد إلى البرلمان والحكومة لاحقاً، وبدأت عملية تسييس الحالة والاندماج الكامل بقواعد اللعبة اللبنانية.

وإذا كان ميشال عون هو المرجعية الجامعة، فإن مرحلة التأسيس السياسي العلني ارتبطت بأسماء لعبت أدواراً تنظيمية وبرلمانية لاحقاً قبل أن يختلف بعضها مع القيادة ويترك العمل الحزبي. ومن أبرز الأسماء: نعيم عون، زياد عبس، بول أبي حيدر، أنطوان نصرالله، آلان عون، زياد أسود، حكمت ديب، سيمون أبي رميا، عصام أبو جمرا..

وسط كل ذلك، إنقسم اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً بين من رأى في التيار فرصة لاستعادة الدور، ومن اعتبره إعادة إنتاج لزعامةٍ شعبوية تتغذى من الاستقطاب.

الواقع أنّ التفاعل مع التيار الوطني الحر لم يكن سياسياً فقط، بل هويّاتياً وشخصانياً إلى حدّ بعيد. فـ"العونية" عُرِّفت لسنوات طويلة بوصفها انتماءً إلى زعامة وتجربة ورمز، أكثر ممّا هي انتماءٌ إلى عقيدة حزبية ثابتة أو منظومة مبادئ. أي أنّ الرابط الذي شدّ كثيرين إلى التيار لم يكن دائماً برنامجاً تفصيلياً أو فلسفة سياسية متماسكة، بل شخص ميشال عون وما مثّله خلال الحرب الأهلية وبعدها وهو جانب سنفصّله لاحقاً في هذا المقال.

حاول التيار الوطني الحر جاهداً تقديم نفسه كحزب عصري يستند إلى المبادئ والخيارات من دون أن يغفل حقيقة أن الزعامة في لبنان تمنح قدرة استثنائية على التعبئة والحشد وتعمل كـ"مغناطيس" يوحّد جمهوراً واسعاً بسرعة، فنشر ميثاقاً (Charter) يقدّم فيه إطاراً قيمياً وسياسياً عاماً يضعه في خانة الأحزاب "المدنية" التي تتبنى السيادة وحقوق الإنسان والدستور والديمقراطية ودولة القانون، كما نشر نصوصاً تفسيرية ووثائق مرجعية لتحديد التزاماته أو مواقفه من القضايا الراهنة، وحرص على إظهار نفسه كتنظيم قابل للتحديث عبر إصدار "أوراق سياسية" تعرض المواقف التي قد تتبدّل بحسب المرحلة.

لعلّ الأهم، أنّه ثبّت هذا المسار عبر نظام داخلي منشور يعرّف الحزب بأنه "حزب سياسي ديمقراطي لا يتوخى الربح" ويضع قواعد للعضوية ودرجاتها، وآليات للتمثيل والانتخاب الداخلي، وبنية للمجالس والهيئات (سياسية واستشارية ورقابية ومالية) التي تنظّم صناعة القرار وتحدّ من الشخصنة.

ومع ذلك، لا يقطع النظام الداخلي نفسه تماماً مع "الحالة العونية" إذ يُقارَب بوصفه امتداداً لتلك الحالة التي تشكّلت حول تجربة ميشال عون؛ أي أن محاولة الانتقال من الزعامة إلى المؤسسة بقيت ـ باعتراف العونيين أنفسهم ـ إنتقالاً من نواة شعبية مرتبطة بشخص إلى حزب يسعى لمأسسة تجربة هذا الشخص.

الحرب الأهلية وما تلاها

عندما يقدّم التيار الوطني الحر نفسه بوصفه امتداداً للحالة التي نشأت مع بروز العماد ميشال عون أواخر الثمانينات وبدئه "مسيرة نضال وصحوة في وجه التدخلات الخارجية"، فإنه يبني سرديّته على أنه تصدّى للوصاية السورية على لبنان وقدّم تضحيات دفاعاً عن "حرية لبنان وسيادته واستقلاله". وهذه ليست مجرد ديباجة؛ إنها حجر الأساس في هوية الحزب: شرعية مستمدّة من "المقاومة السياسية"، ومن تجربة عسكرية- سياسية انتهت بنفي عون عام 1990 إلى فرنسا. وخلال مختلف المراحل، تطورت الحالة الشعبية إلى شبكات تنظيمية وأنصار في الداخل اللبناني كما في دول الانتشار، قبل أن تستعيد حضورها العلَني بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان.

لا بدّ من التوقف عند محطة 13 تشرين الأول أكتوبر 1990 التي بقيت ركيزة وجدانية في تاريخ التيار: لحظة سقوط تجربة ميشال عون العسكرية والسياسية بالقوة، وبدء سنوات المنفى والعمل السري. هذه الركيزة ستتحول لاحقاً إلى مادة تعبئة قوامها "نحن ضحايا الوصاية، ونحن حملة مشروع السيادة".

في 13 تشرين الأول 1990 شنّت القوات السورية هجوماً حاسماً على مناطق نفوذ عون ومقرّاته، فغادر القصر الجمهوري حيث كان يقيم، ولجأ إلى السفارة الفرنسية التي كان مقرّها في الحازمية، ومن هناك أعلن عملياً وقف القتال والاستسلام ودعا العسكريين لوقف المواجهة بحسب روايات متعددة. فكانت تلك لحظة إنهاء مرحلة سياسية كاملة قاد خلالها عون حكومة عسكرية ـ إنتقالية (1988 ـ 1990) في ظل فراغ رئاسي وانقسام الشرعية. وشكل الهجوم السوري الذي أسقط مواقع عون تثبيتاً لترتيبات سياسية وأمنية أعقبت إتفاق الطائف (1989) الذي من خلاله دخل لبنان عملياً في مرحلة وصاية سورية تحكّمت بمفاصل الدولة. علماً، أنه منذ لحظة اللجوء إلى السفارة، صار مسار ميشال عون مرتبطاً بمفاوضات وترتيبات دولية لإخراجه؛ صحف دولية وثّقت أن فرنسا منحته لجوءاً سياسياً وأن ترتيبات خروجه كانت قيد التفاوض قبل انتقاله الفعلي إلى باريس في آب أغسطس 1991.

إتفاق الطائف أنهى الحرب رسمياً، لكنه فتح سجالاً طويلاً حول توازنات السلطة وانتزاع صلاحيات الرئاسة المارونية وعدالة تمثيل الطوائف. فبنى التيار - بوصفه امتداداً لمسار عون - جزءاً من خطابه على نقد ما اعتبره اختلالات في تطبيق الاتفاق، وتغذّى شعبياً من فكرة "الدولة المخطوفة" وهي استعارة سياسية للدلالة على مصادرة القرار اللبناني وتشويه التمثيل وتعطيل الدولة، ما جعل التيار العوني في حالة صدام دائم مع بنية الحكم السائدة خلال التسعينات واوائل الألفين.

عودة عون من المنفى

جاءت عودة ميشال عون من باريس في أيار مايو 2005 كنتيجة لخروج الجيش السوري من لبنان وسقوط الوصاية وذلك على إثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وما تلاه من ضغطٍ دولي لإنهاء الوصاية السورية على لبنان، وانقسام شعبي حادّ بين تجمُّعَي 8 آذار (الذي يعتبر سوريا حليفاً استراتيجياً) و14 آذار (الذي يعتبر سوريا عدواً ويتهمها باغتيال رفيق الحريري)، إنتهى بخروج الجيش السوري من لبنان في نيسان ابريل 2005.

في تلك اللحظة، بدت عودة عون بالنسبة إلى مناصريه عودةَ الرجل الذي أُقصي بالقوة وعودةَ حامي السيادة التي طُمست طوال سنوات الوصاية. أما بالنسبة إلى خصومه، فكانت افتتاح مرحلة تنافس مسيحي ـ مسيحي حادّ على تمثيل الطائفة و مرحلة نزاع حول تعريف معنى السيادة ومَن يملك حق الدفاع عنها. وسرعان ما ترجم التيار عودة قائده إلى حضور انتخابي كاسح في أول انتخابات نيابية بعد انتهاء الوصاية السورية حيث وُصفت النتائج يومها بـ"التسونامي" لأنّها بدت كأنها اكتساحٌ مفاجئٌ أعاد توزيع القوة داخل البيئة المسيحية وأدخل التيار لاعباً ثقيلاً إلى البرلمان دفعة واحدة. كانت موجة التسونامي تعبيراً عن احتقان سنوات القمع السياسي والحنين إلى الحالة العونية، لكنها كانت أيضاً رسالة اعتراض على النظام السياسي الذي تشكّل تحت الوصاية، ورغبة في إعادة تموضع المسيحيين داخل الدولة عبر كتلة نيابية وازنة.

غير أنّ الانعطافة الأكثر إثارة للجدل لم تتأخر كثيراً. فبعد أشهر قليلة من تلك الانتخابات، وقّع التيار مذكرة تفاهم مع حزب الله في كنيسة مار مخايل في 6 شباط فبراير 2006 التي عُرفت بـ "تفاهم مار مخايل" في خطوة بررها التيار كخيار واقعي لبناء تفاهمات داخلية وحماية الاستقرار وتوسيع هامش التأثير في الدولة، بينما اعتبرها خصومه تنازلاً عن جوهر الشعار التاريخي "حرية سيادة استقلال" وانتقالاً من مناخ بناء الدولة بعد الانسحاب السوري إلى تموضعٍ جديد خاضع لتسويات إقليمية. وبذلك وضع التيار الوطني الحرّ نفسه أمام اختبارٍ صعب: كيف يجمع بين سردية تحرير القرار اللبناني وبين شراكة سياسية مع قوة مسلحة مدعومة من إيران خارج منطق الدولة التقليدي؟ ومن هنا تبدأ المرحلة التي ستصير لاحقاً عنواناً أساسياً لمسار التيار: الدخول التدريجي إلى قلب السلطة بكل ما تحمله من نفوذ وأعباء وتكاليف .

سنوات الحكم

مع صعود نفوذ التيار في الحكومات المتعاقبة بدءاً من العام 2008 وحتى مطلع العام 2025، ووصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016 أصبحت "العونية" في قلب الدولة لا على هامشها. غير أن سنوات الحكم حملت مفارقةً قاسية: حزبٌ دخل الحياة السياسية بعنوان الإصلاح والتغيير، صار ـ تدريجياً ـ جزءاً من ماكينة الحكم التي طالما اتهمها بسوء إدارة الدولة بعقلية الحصص والزبائنية.

وفي موازاة ذلك، لم تسلم المؤسسة الحزبية من الانقسامات والتباينات الحادة التي خرجت إلى العلن مع تسلم صهر الرئيس عون، جبران باسيل، رئاسة الحزب عام 2015 وتفاقمت لاحقاً بعد الانتخابات النيابية عام 2022 فأخذت موجة الانسحابات والاستقالات أشكالاً متقطعة ومتراكمة: بدأت كاعتراضات تنظيمية مبكّرة ثم تعمّقت مع استحقاقات السلطة والانتخابات والانهيار.

كان صعود باسيل إلى مواقع السلطة ـ في الحزب وفي الدولة ـ سبباً لتسريع الخلافات الحزبية الداخلية وخروجها إلى العلن، فجزء من الكوادر والناشطين تحدث مبكّراً عن تفرّده في القيادة ورفضه الحوار الداخلي. ثم لاحقاً، خصوصاً بعد انتخابات العام 2022 ظهرت على نحو أوسع توترات داخلية وصراعات بين تيارين داخل التيار!

مهما يكن من أمر، نجح التيار الوطني الحر بالانتقال إلى موقع القائد لا الشريك العابر في الدولة. غير أن الواقع منذ دخوله الحكم عام 2008 بدا أقرب إلى نقيض الشعارات والوعود العونية: دولةٌ أكثر عجزاً، إقتصادٌ أكثر ضعفاً، إدارةٌ أكثر شللاً، وملفاتٌ تتراكم بلا حلول نهائية.

الواقع أنّ التفاعل مع التيار الوطني الحر لم يكن سياسياً فقط، بل هويّاتياً وشخصانياً إلى حدّ بعيد. فـ"العونية" عُرِّفت لسنوات طويلة بوصفها انتماءً إلى زعامة وتجربة ورمز، أكثر ممّا هي انتماءٌ إلى عقيدة حزبية ثابتة أو منظومة مبادئ. أي أنّ الرابط الذي شدّ كثيرين إلى التيار لم يكن دائماً برنامجاً تفصيلياً أو فلسفة سياسية متماسكة، بل شخص ميشال عون وما مثّله خلال الحرب الأهلية وبعدها وهو جانب سنفصّله لاحقاً في هذا المقال.
ففي ملف الكهرباء مثلاً ـ وهو اختبار الدولة الأصعب ـ تحوّل النقاش إلى سجال دائم: وعودٌ متكررة بخفض العجز وزيادة الإنتاج، في مقابل واقعٍ لم يتبدّل جذرياً وانخفاض مستمر في ساعات التغذية بالكهرباء فبقي المواطن اللبناني يسدّد فاتورتين: واحدة للدولة وأخرى للمولدات الكهربائية الخاصة.

وفي ملف النفايات، تكرّرت حلول الترقيع بدل وضع سياسات عامة: تمديدٌ لعمل الشركات الخاصة العاملة في مجال رفع النفايات وفرزها، إنشاء مطامر قريبة من مناطق سكنية، ثم عودة أزمة تراكم النفايات في الطرقات كلما سقطت التسوية.

أما التعيينات والإدارة، فكانت مرآة النظام اللبناني وبدلاً من تنفيذ الوعود بقيام دولة مؤسسات تحقق عملياً تقاسمٌ للمواقع والمناصب وفق منطق الزبائنية والمحاصصة التي لطالما انتقدها التيار الوطني الحر.

وأما في السياسة، فكلما تعقّد تأليف حكومة أو تعطلت تسوية، بدا أن التيار يشارك في لعبة شروط وشروط مضادة، وفي اشتباك على "الحصة" أكثر مما هو اشتباك على برنامج إنقاذ. وهكذا انتقل التيار في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين من موقع الحزب الذي يواجه المنظومة إلى شريك فيها بل لاعب أساسي ممسك بمفاتيح السلطة.

ثم جاءت انتفاضة 17 تشرين الأول أكتوبر 2019 وما تلاها من انهيار مالي واقتصادي لتضع التيار الوطني الحرّ أمام محاكمة شعبية قاسية، فالشارع لم يعد يراه حزب إصلاح بل حزب سلطة، والجميع بالنسبة إلى المحتجين صار جزءاً من منظومة واحدة فرفع هؤلاء شعار "كلّن يعني كلّن" (جميعهم يعني جميعهم) فدفع التيار كلفةً سياسيةً مضاعفة لأنه لم يكن شريكاً هامشياً بل كان عنوان "العهد" ورأسه السياسي. فكان اسم صهر الرئيس عون، جبران باسيل، على كلّ لسانٍ في الشارع وفي أروقة الحكم بفعل حضوره المتقدّم في القرار الحكومي والبرلماني، والحزبي أيضاً.

صحيح أنّ الانهيار في أي اقتصادِ دولةٍ يكون حصيلةَ تراكمات طويلة، لكن في لبنان تحديداً شاركت منظومةٌ اقتصادية ـ مصرفية ـ سياسية ممتدّة لعقود بالتمهيد للانهيار ما وضع التيار الوطني الحرّ في الواجهة بصفته "الحزب الحاكم" أي الراعي لهذه المنظومة لنحو أحد عشر عاماً.

الواقع والتحديات

بهذه الصورة، لم تعد أزمة التيار الوطني الحرّ مجرّد تراجعٍ للشعبية أو خلافاتٍ داخلية بل أزمة تعريف: هل ما زال حزباً يحاول إصلاح الدولة، أم صار حزباً يتحدث لغتها ويتأقلم مع قواعدها؟ وبين السؤالين، يتشكل امتحان التيار الأساسي اليوم وهو إعادة رسم صورته ومعناه ودوره في لبنان. فميثاقه وخطابه يَعِدان بتجديد الحياة السياسية تحت عنوان التغيير والإصلاح، وبناء دولة الحق والمساواة والعدالة، والتمسك بالدستور، والسعي إلى دولة مدنية/علمانية تدريجياً، وتمكين الانتشار (المغتربون اللبنانيون المنتشرون في أنحاء العالم) لكنه لم يحقق اليسير منها حين كان في صلب السلطة، فماذا سيحقق الآن وهو خارجها؟

وإذا كان التيار الوطني الحرّ يحاول اليوم الاقتراب من خطاب المعارضة من داخل النظام، أي محاولة الجمع بين إرث المشاركة في الحكم وبين ضرورة التبرؤ من نتائج الانهيار فإن ذاكرة الخصوم السياسيين، والمناصرين له والمنسحبين منه، وسائر المواطنين، قد لا تسامح المؤسسة الحزبية والقائمين عليها.

وفي هذا السياق، يبدو أن الصراع الحزبي الداخلي ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل هو عامل سياسي مباشر. فخروج نواب وشخصيات من كنف التيار بعد خلافات مع القيادة (باسيل تحديداً) يعبّر عن أزمة بنيوية. وإدارة جبران باسيل للمرحلة الراهنة تُواجَه بنقد مزدوج: الأول من خصوم يعتبرونه استمراراً لمنطق المحاصصة، والثاني من داخل الحزب حيث يتنامى الشعور بفقدان "حلم البدايات وصدقها".

في الخلاصة، تبدّل حزب "التيار الوطني الحر" من حالةٍ شعبية تدعو إلى تغيير الواقع السياسي وإصلاحه إلى مشارك في السلطة يتماهى مع منطقها، فانصبّ عليه غضب المواطنين ـ بمن فيهم بعض المحازبين ـ  الذين تراكمت خيباتهم حتى انفجرت في احتجاجات عنيفة في الشارع، فهل يراجع تجربته وينجح في تجديد نفسه وإصلاحها؟ أم يواجه خطر الانقسام على نفسه كما انقسمت أحزاب لبنانية أخرى؟

*كاتبة وإعلامية لبنانية