وفق لعبة الاستنزاف.. كم تبقى لدى إيران من الصواريخ فعلاً؟

قال الخبير العسكري يوري ليامين إن الخطأ الجوهري في تقييم وضع صناعة الصواريخ الإيرانية يكمن في تجاهل حجم ما يُعرف بـ"الاستراتيجية تحت الأرض"- جيتي
نشرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية تقريرًا سلطت خلاله الضوء على قدرة إيران في الحفاظ على فاعلية صناعتها الصاروخية رغم الضربات والعقوبات، وذلك بفضل بنيتها التحتية العميقة واستراتيجيتها القائمة على الاستنزاف والتكيف.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته"عربي21" إن  التصريحات الصادرة عن واشنطن بشأن قرب نفاد الترسانة الصاروخية الإيرانية سابقة لأوانها؛ فعلى الرغم من الضربات، ما تزال أجزاء معتبرة من القدرات الإنتاجية الإيرانية تعمل من مواقع تحت الأرض وبعيدًا عن الرصد المباشر.

وتضيف الصحيفة أن طهران تحتفظ بهامش واسع للمناورة، يتيح لها الاختيار بين التصعيد السريع أو الانخراط في استراتيجية استنزاف طويلة الأمد. ومن هذا الخيار تحديدًا، ستتحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة واتجاهات التصعيد في الشرق الأوسط.

استراتيجية الحرب الإيرانية

ووفق الصحيفة؛ يرتبط مسار تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بدرجة حدة العمليات القتالية وبالقرارات العملياتية التي تتخذها القيادة الإيرانية، وفي هذا السياق، يحدد خبراء سيناريوهين يشكلان الإطار العام للاستراتيجية الإيرانية في المواجهة الجارية.

ونقلت الصحيفة عن الخبير العسكري دميتري كورنيف أن السيناريو الأول يتمثل في "المجازفة بكل شيء" ويقوم على التصعيد الحاد في وتيرة إطلاق الصواريخ، بحيث قد يتضاعف حجم الهجمات مرتين أو ثلاث مرات مقارنة بمستويات شهر آذار/ مارس.

وتقوم فكرة هذا التوجه على محاولة إرباك منظومات الدفاع الجوي لدى الخصم، مستغلةً احتمال نقص الذخائر المضادة للطائرات لدى الطرف الآخر، وتتمثل مزايا هذا التكتيك في ارتفاع احتمالية اختراق أنظمة الدفاع الجوي وإيقاع خسائر مؤثرة في صفوف الخصم.

غير أن له في المقابل جانباً سلبياً مهماً، يتمثل في الاستنزاف السريع والكبير للموارد الصاروخية، إذ قد يؤدي الضغط المستمر بهذا الشكل إلى استنفاد الترسانة خلال فترة زمنية قصيرة.

أما السيناريو الثاني فهو "الحرب الطويلة"، وهو النهج الذي يبدو أن طهران حاولت، وفق المؤشرات الإحصائية، الالتزام به خلال شهر نيسان/ أبريل.

ويقوم هذا الخيار على إدارة دقيقة للذخائر الصاروخية وترشيد استخدامها إلى أقصى حد، مع تمديد أمد العمليات العسكرية لتستمر من شهر واحد إلى ستة أشهر، بحسب ما أوضح كورنيف.

وتبدو هذه الاستراتيجية القائمة على "البقاء" شديدة الهشاشة، إذ تتطلب من إيران الصمود في مواجهة ضغط جوي مكثف ومتواصل.

ولا يُستبعد، في هذا السياق، أن تتجه طهران في نهاية المطاف إلى التخلي عن سياسة الترشيد لصالح الخيار الأول، القائم على إيقاع أقصى قدر ممكن من الخسائر "هنا والآن"، ما دامت قدراتها الصاروخية لا تزال تحتفظ بجاهزيتها القتالية.

التقييم الأمريكي

وتشير الصحيفة إلى اعتقاد واشنطن أن طهران لا تزال تحتفظ بنحو 50 بالمئة من مخزونها الصاروخي مقارنة بما قبل الحرب.

وقد أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، أن الجانب الإيراني يسعى للتوصل إلى اتفاق، في ظل تقلّص ترسانته إلى النصف، إلى جانب فقدانه جزءًا كبيرًا من قدراته البحرية والجوية.

وأضاف روبيو أن التحديات التي كانت تواجه إيران قبل التصعيد لم تختفِ، بل تفاقمت، مشيرًا إلى ارتفاع معدلات التضخم، واستمرار موجات الجفاف، وتدهور الاقتصاد نتيجة الضغوط والعقوبات المفروضة.

وقال: "لم يتبقَّ لديهم سوى نصف الذخائر، ولا مصانع، ولا قوة بحرية أو جوية. والبنية التحتية تضررت، وبالتالي أصبح موقف طهران أضعف بكثير"، بحسب تعبيره.

ووفقًا لمصادر مفتوحة، واجهت إيران بحلول نهاية نيسان/ أبريل نقصًا حادًا لا يقتصر على الذخائر فحسب، بل يمتد إلى منظومات الإطلاق أيضًا. وتشير تقديرات لدى دولة الاحتلال إلى تدمير ما يصل إلى 60 بالمئة من منصات الإطلاق، ما أوجد اختلالًا واضحًا في التوازن العملياتي.

وحتى مع احتفاظ إيران بنحو نصف مخزونها الصاروخي قبل الحرب، تراجعت قدرتها على توظيف هذا المخزون في ضربات مكثفة إلى ما يقارب 40 بالمئة من مستواها السابق.

وأوضح كورنِيف أن تحليل استهلاك الذخائر بين 28 شباط/ فبراير و28 نيسان/ أبريل يكشف عن تفاوت كبير في وتيرة الاستخدام.

فقد تصدرت الصواريخ قصيرة المدى من طراز "فاتح" و"ذوالفقار" و"قيام"؛  المشهد العملياتي، وشكلت العمود الفقري للهجمات  الموجهة إلى دول الخليج العرب، ما أدى إلى استنزاف يقدَّر بنحو 50 بالمئة من مخزونها.

أما الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، مثل "عماد" و"خرمشهر"، فقد استُخدمت بصورة أكثر انتقائية ودقة، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على جزء أكبر من احتياطاتها، التي ما تزال تتراوح بين 55 بالمئة و70 بالمئة.

وفي المقابل، بقيت الأنظمة الإستراتيجية وبرامج الفضاء خارج دائرة الاستخدام المكثف، ما أبقى عليها ضمن الاحتياطي المتاح لدى طهران.

المصانع السرية في إيران

ونقلت الصحيفة عن الخبير العسكري يوري ليامين أن الخطأ الجوهري في تقييم الوضع الراهن لصناعة الصواريخ الإيرانية يكمن في تجاهل حجم ما يُعرف بـ"الاستراتيجية تحت الأرض".

فخلافًا للمنشآت الصناعية التقليدية، بُنيت هذه البنية التحتية على مدى عقود، وتتوزع في أعماق الجبال، بعيدًا عن الرصد والاستهداف المباشر.

وأشار ليامين إلى أن صور الأقمار الصناعية، التي يعتمد عليها كثير من المحللين، لا تكشف سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد"، إذ تبقى القدرات الحقيقية مخفية تحت الأرض. فالمرافق الأساسية، بما في ذلك خطوط التجميع وأنظمة خلط الوقود الصلب، محمية بعمق داخل طبقات صخرية يصعب اختراقها.

وأضاف ليامين أن تجربة الاحتلال في سوريا تقدم دليلًا واضحًا على ذلك، حيث لم تنجح الضربات الجوية المتكررة لسنوات في تعطيل منشآت الإنتاج تحت الأرض بشكل حاسم.

فاستهداف مداخل الأنفاق لا يعني تدمير المنشأة بالكامل. كما أثبتت إيران  قدرتها على إزالة الأنقاض وإعادة تشغيل خطوط الإمداد إلى قواعدها السرية خلال ساعات قليلة، وبحسب ليامين تشكل تجارب الصراعات خلال سنتي 2024–2025 دليلًا واضحًا على قدرة هذه المنظومة على الصمود.

ففي حين توقعت أجهزة الاستخبارات أن تحتاج إيران إلى سنوات لإعادة بناء قدراتها في إنتاج الوقود الصلب عقب الضربات، أظهرت الوقائع أن طهران تمكنت من استئناف الإنتاج على نطاق واسع خلال أشهر قليلة فقط.

يقول ليامين: "لقد رأينا كيف أن الصناعة الإيرانية، بعد كل جولة تصعيد، لم تكتفِ بالتعافي، بل عادت إلى إنتاج مئات الصواريخ الباليستية شهريًا. وهذا يشير إلى أنها تمتلك، ليس فقط منشآت تحت الأرض سليمة، بل أيضًا احتياطيات من المعدات تتيح إصلاح الأجزاء المتضررة من المنشآت السطحية".

ووفق ليامين لا تشكل مسألة حصول إيران على المكوّنات في ظل الحصار البحري عائقًا حاسمًا، إذ تتيح لها المسارات البرية، والتعاون عبر بحر قزوين، فضلًا عن قنوات التوريد غير المباشرة عبر دول ثالثة، الحفاظ على استمرارية دورة الإنتاج.

فبينما يقيّد الحصار صادرات النفط، فإنه لا يمنع تدفق المكوّنات الصغيرة والحيوية اللازمة للصناعات الصاروخية، وفي هذا الإطار، يرى ليامين أن الصناعة الصاروخية الإيرانية ربما تعرضت لأضرار جسيمة، لكنها لم تصل إلى حد الشلل.

فالوضع الراهن لا يعكس "انهيارًا في القدرات"، بقدر ما يشير إلى تباطؤ مؤقت في وتيرة الإنتاج، وهو تباطؤ تمتلك طهران، استنادًا إلى خبرتها المتراكمة، القدرة على تجاوزه خلال فترة زمنية وجيزة نسبيًا.

وفي ختام التقرير؛ تنقل الصحيفة عن ليامين قوله إن التعويل على تقديرات تفيد بتراجع الإمكانات إلى النصف قد ينطوي على قدر من التقليل من شأن العمق البنيوي والتدرج الطبقي للبنية العسكرية – الصناعية الإيرانية، التي صُممت أساسًا لخوض حروب طويلة قائمة على الاستنزاف.