نشرت صحيفة "
وول ستريت جورنال" تقريراً قالت فيه إن
الإمارات العربية المتحدة زادت في الأيام الأخيرة من مضايقاتها لحاملي الجنسية
الإيرانية على أراضيها، حيث ألغت التأشيرات وعرقلت إقامة المقيمين الإيرانيين في الخارج في حملة قمع متصاعدة.
وجاءت الحملة الإماراتية احتجاجاً على هجمات طهران اليومية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وتقول عدة عائلات إيرانية في
دبي إن لديها أقارب عاشوا في الإمارات لعقود، تم إلغاء تأشيراتهم فجأة، أحياناً أثناء سفرهم، مما حال دون عودتهم.
وأعلنت الإمارات هذا الأسبوع حظراً أوسع على حاملي جوازات السفر الإيرانية من دخول البلاد أو المرور عبرها. وفي وقت سابق، أغلقت المستشفى الإيراني، وهو مؤسسة عريقة تكاد تضاهي الدولة في قدمها.
إلى جانب ذلك، أغلق نادٍ اجتماعي إيراني وعدة مدارس إيرانية، وهو ما زاد من صعوبة بقاء العائلات. وقد أثرت هذه الإجراءات على جالية قوامها نحو نصف مليون نسمة، لطالما شكّلت ركيزة أساسية لعلاقة مربحة للطرفين بين البلدين.
تُعد الإمارات العربية المتحدة أهم صلة لإيران بالاقتصاد العالمي، ولطالما مثلت مركزاً مالياً للشركات الإيرانية والأفراد الباحثين عن ملاذ من العقوبات الغربية، وفقاً لمحللين يتابعون أنشطة طهران ووزارة الخزانة الأمريكية.
وساهمت الأموال الإيرانية بدورها في دعم نمو دبي، العاصمة التجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي مطعم "الأستاذ سبيشال كباب"، وهو مطعم إيراني عريق في دبي، قال مالكه مجيد أنصاري إنه يتفهم تشديد الحكومة الإماراتية للقيود.
وقال: "إنهم يريدون الأمان، وأنا أتفهم ذلك". وأضاف أنه بينما كان العاملون يمرون مسرعين حاملين أطباق كباب لحم الضأن والدجاج المتبل بالزبادي، فإن العلاقات التاريخية بين البلدين قديمة ولن تتزعزع بسهولة بسبب استمرار الصراع.
وقال أنصاري، الذي افتتح والده المطعم قبل نحو نصف قرن، في عام 1978، بعد سبع سنوات فقط من تأسيس دولة الإمارات: "إنهم يحترموننا، ونحن نحترمهم".
وعلى الجانب الآخر من الشارع، في متجر "علي بن علي" للبقالة، كان صاحب المتجر أكثر قلقاً وهو يرتب صناديق التمور والمكسرات الإيرانية. وقال إن لديه عائلة في إيران، لكنه يعتبر دبي وطنه، ويخشى مغادرتها خشية ألا يتمكن من العودة.
ولطالما اتسمت العلاقات بين الإمارات وإيران بالتوتر، إلا أنها تصاعدت في ظل ضغوط الحرب وبدء إيران بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على الإمارات فور تعرضها لهجوم من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، مستهدفة مواقع رئيسية من بينها جزيرة النخلة الاصطناعية في دبي وفندق برج العرب الفاخر والمطار.
وبلغ إجمالي ما أطلقته إيران من طائرات مسيرة وصواريخ على الإمارات نحو 2500 صاروخ، وهو عدد يفوق بكثير ما أطلقته على الاحتلال الإسرائيلي.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الثلاثاء الماضي أن الإمارات تستعد لاحتمال التدخل العسكري مع إيران، وقد تتخذ إجراءات لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، ما سيجعلها أول دولة خليجية تدخل في حرب، فيما يقول مسؤول إماراتي إن موقف بلاده لا يزال دفاعياً.
كما ذكرت الصحيفة، فإن الإمارات تدرس اتخاذ إجراءات مالية أكثر صرامة، بما في ذلك تجميد الأصول الإيرانية في البلاد. وقال مصدر مطلع على سياسة الإمارات المتغيرة تجاه المقيمين الإيرانيين هذا الأسبوع إن جميع سبل الضغط على إيران قيد الدراسة.
وقال المسؤول إن السلطات ستعيد تقييم سياسات الإقامة لمجتمعات مثل الإيرانيين في ضوء الهجمات التي شنتها الحرب على الاقتصاد، وأعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أن الجالية الإيرانية تشكل جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي، ولها مكانة مرموقة فيه.
ولطالما تداخلت المجتمعات الفارسية والعربية على ضفتي مضيق هرمز لقرون، وكانت أجزاء من الساحل الإيراني الحالي خاضعة لسيطرة سلالة حاكمة في الإمارات العربية المتحدة خلال القرن التاسع عشر.
وتمت الهجرة الإيرانية إلى الإمارات العربية المتحدة على مراحل؛ فقد وصل التجار إلى دبي في القرن التاسع عشر، ثم هاجر المسلمون المتدينون في عشرينيات القرن العشرين، تاركين إيران مع قيام الشاه بعلمنة البلاد.
وفي وقت لاحق، تدفق الإيرانيون العلمانيون بأعداد كبيرة هرباً من الثورة الإسلامية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وحصل بعض المهاجرين الإيرانيين الأوائل على الجنسية الإماراتية خلال تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في أوائل سبعينيات القرن العشرين.
وأفادت ميرا الحسين، الباحثة المشاركة في مركز الوليد بن طلال بجامعة إدنبرة، أن أكثر من نصف الإماراتيين ينحدرون من أصول إيرانية جنوبية، وبينما لم يستوفِ مهاجرون آخرون شروط الحصول على الجنسية، استمروا في العيش في الإمارات.
وتقيم بعض العائلات في الإمارات منذ أجيال بتأشيرات تُجدد كل بضع سنوات، وتعتمد على العمل أو امتلاك العقارات. وقالت الحسين، وهي إماراتية من أصول إيرانية: "هناك الكثير من الجدل السياسي حول الأصل الفارسي، فالعائلات التي استقرت في الإمارات منذ زمن طويل تفتخر به.
أما آخرون، وبخاصة من قدموا لاحقاً، فقد غيروا أسماءهم خشية اتهامهم بازدواجية الولاء". وتبلغ هذه التوترات ذروتها الآن؛ فقد أُلغيت تصاريح إقامة العديد من الإيرانيين المقيمين في الإمارات والذين كانوا في الخارج أثناء الحرب، مما ترك الطلاب عالقين في الجامعات الأمريكية والمسافرين عالقين في إيران خلال زيارات عائلية.
وأفادت شركة طيران الإمارات، ومقرها دبي، في بيان لها الأربعاء الماضي، بمنع دخول المواطنين الإيرانيين إلى إيران أو عبورها، وفي وكالة سفر قرب مطعم "الأستاذ" للكباب، التي كانت تعلن عن رحلات جوية إلى إيران، قال صاحبها إن أعماله من وإلى إيران قد توقفت تماماً.
وأضاف أن الحكومة دأبت على رفض طلبات التأشيرة للإيرانيين منذ بداية الحرب. وكانت ساحة انتظار السيارات في مدرسة التوحيد الإيرانية للبنين في دبي مهجورة، وقد أُزيلت الكتابة من على المبنى، ولم يتبقَّ سوى أثر باهت لاسم المدرسة على الواجهة.
وترفرف أربعة أعلام إماراتية من السطح في نسيم الظهيرة، بينما تقف مجموعة صغيرة من نحو عشرين حافلة مدرسية متوقفة بجانب ساحة المدرسة.
وفي الجانب الآخر من المدينة، أُغلقت مداخل المستشفى الإيراني، بما في ذلك قسم الطوارئ. وقال حارس أمن وحيد كان يتجول في المكان إن السلطات أغلقت المستشفى قبل نحو أسبوع. وفي صباح اليوم التالي للإغلاق المفاجئ، قال إنه اضطر إلى منع الأطباء والممرضات الذين وصلوا دون علمهم بالأمر من الدخول.
ولم يُجِب أحدٌ على الاتصالات التي وُجِّهت إلى المستشفى والنادي الإيراني ومجلس رجال الأعمال الإيراني. أما الاتصالات بمدرسة سلمان الفارسي ومدرسة التوحيد الإيرانية، فقد تحولت مباشرةً إلى بريد صوتي يشير إلى انقطاع التيار الكهربائي.
وقال سيف ثابت، الذي انتقل إلى دبي قبل أكثر من عقدين من مدينة شيراز الإيرانية، إنه سيتخلى عن رحلة كان يخطط لها إلى إيران في وقت لاحق من هذا العام نظراً للوضع الراهن.
وقال إن جذوره راسخة الآن في المدينة. وأضاف مبتسماً أن بنكه اتصل به مؤخراً للاطمئنان عليه. وقال أحد المقيمين الإيرانيين إنه احتُجِز من قِبَل الشرطة بعد أن أوقفه ضابط وطلب منه هويته أثناء تجوله على الشاطئ، ثم أُطلِق سراحه بعد استجوابه.
وقال آخرون إنهم يخشون ترحيلهم إذا انتقدوا الإمارات، كما يخشون أن تستهدف الجمهورية الإسلامية عائلاتهم إذا نددوا بإيران.