نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالاً للصحفيين باتريشيا كوهين وبن كاسلمان قالا فيه إن تداعيات شهرين من
الحرب في
إيران أدت إلى إغلاق مصانع النسيج في الهند وبنغلاديش، وتوقف حركة الطيران في أيرلندا وبولندا وألمانيا، وفرض تقنين الطاقة في فيتنام وكوريا الجنوبية وتايلاند.
وأضافا أنه على ما يبدو، فإن الدولة الوحيدة التي نجت نسبياً من هذه الفوضى
الاقتصادية هي نفسها التي أشعلت فتيل الحرب، وهي الولايات المتحدة.
وبينما تلوح في الأفق بوادر ركود اقتصادي في دول آسيا وأوروبا، من المرجح أن تتفوق الولايات المتحدة على معظم الاقتصادات المتقدمة في العالم؛ فالنمو مستقر ومعدل البطالة منخفض، وقد صرح البنك الملكي الكندي الأسبوع الماضي: "لا يزال من الصعب التكهن بتراجع الاقتصاد الأمريكي".
وطلبت الإمارات العربية المتحدة، إحدى أغنى دول العالم، والتي تمتلك صناديق ثروة سيادية تتجاوز قيمتها تريليوني دولار، من الولايات المتحدة الأمريكية دعماً مالياً عاجلاً في أعقاب تضرر حقول الغاز جراء قصف صاروخي وتوقف الملاحة في
مضيق هرمز.
في غضون ثمانية أسابيع فقط - وهي مدة أقصر من مدة تخمير كعكة الفاكهة الإنجليزية التقليدية - تدهورت التوقعات الاقتصادية العالمية بشكل حاد.
وستكون الدول الفقيرة الأكثر تضرراً اقتصادياً، حيث يعجز المستهلكون عن تحمل ارتفاع أسعار الطاقة، وتعجز الحكومات عن تقديم مساعدات لتعويض التكاليف. ومع تشديد شروط التمويل، ترتفع تكلفة الاقتراض الذي تشتد الحاجة إليه لهذه الدول.
حيث إن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة حالياً يعني ارتفاع أسعار المواد الغذائية لاحقاً هذا العام. وفي أفريقيا، "يُشكل انعدام الأمن الغذائي خطراً جسيماً"، بحسب ما أفاد به صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي.
وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن ملايين الأشخاص معرضون لخطر الوقوع في براثن الفقر بسبب النزاع.
قال راغورام راجان، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمحافظ السابق لبنك الاحتياطي الهندي، إن العديد من الدول الآسيوية تعاني بالفعل من نقص حاد في الوقود، والذي سيزداد سوءاً مع استمرار الحرب.
وأضاف راجان: "سيبدأ النقص في التأثير على مناطق أوسع". وفي العديد من الدول، بدأت تظهر للتوّ التداعيات الحقيقية، ومع نفاد مخزونات الطاقة، توقفت بعض الشحنات. وقال راجان: "الوضع متوتر للغاية، والوضع يزداد سوءاً، وسنشهد الآن، على نحو متزايد، إغلاقاً للصناعات".
وقد خفضت مصانع الصلب في الهند وشركات صناعة السيارات في اليابان إنتاجها بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف من انخفاض الطلب. أما مصانع الألعاب في الصين، التي تعاني بالفعل من الرسوم الجمركية الأمريكية، فتواجه استياءً من آلاف العمال الغاضبين من فقدان وظائفهم.
في صباح أحد أيام الأسبوع الماضي، في مدينة فيروز آباد بشمال الهند، كان العمال يتسكعون في سوق عمل مفتوح. قال محمد وسيم، وهو عامل بناء: "بسبب الحرب، تضاءل العمل".
وكان محمد وسيم يساوم صاحب عمل محتمل أراد أن يدفع له 500 روبية (5.30 دولارات) مقابل عمل في مجال البناء، وهو مبلغ أقل بكثير مما يتقاضاه عادة.
أما آصف محمد، البالغ من العمر 25 عاماً، وهو عامل تحميل على الشاحنات، فقد قطع مسافة خمسة أميال سيراً على الأقدام من منزله إلى السوق. كان مستعداً لقبول الـ 500 روبية، لكن هذا المبلغ لن يكفيه. فكيلوغرام غاز الطهي، الذي كان سعره في السابق 80 روبية، أصبح الآن 200 روبية.
ملايين العمال الهنود الآخرين، الذين يعيشون ويعملون عادة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، والذين يرسلون مجتمعين مليارات الدولارات سنوياً كتحويلات مالية إلى عائلاتهم، عالقون في الخارج بلا عمل.
يؤثر نقص السلع الأخرى التي تُنقل عادة عبر مضيق هرمز، مثل الهيليوم والألومنيوم والنفثا - تُستخدم في إنتاج بنزين السيارات والصناعات الكيميائية مثل اللدائن - على إمدادات مجموعة واسعة من السلع الأخرى، بدءاً من الواقيات الذكرية وصولاً إلى الرقائق الإلكترونية.
وبالطبع، لم يكن الاقتصاد الأمريكي بمنأى عن هذه الصدمة؛ فقد ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من دولار واحد للغالون منذ بداية الحرب، وهو ما يُعدّ ضريبة على المستهلكين الأمريكيين أثّرت بشدة على الأسر ذات الدخل المنخفض.
وفي وول ستريت، خفّضت البنوك توقعاتها للنمو ورفعت توقعاتها للتضخم منذ بداية الحرب، وتخلّت فعلياً عن إمكانية خفض أسعار الفائدة قبل حلول الركود الاقتصادي. ومقارنة ببقية العالم، كان تأثير ذلك على الاقتصاد المحلي محدوداً.
فالإنفاق الاستهلاكي لا يزال قوياً، ومعدلات التسريح من العمل منخفضة، ولا يزال المحللون الاقتصاديون يتوقعون نمواً قوياً هذا العام.
ويقول الاقتصاديون إن الأمر سيتطلب ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط، ربما يصل إلى 150 دولاراً للبرميل، حتى يبدؤوا بالقلق جدياً بشأن احتمال حدوث ركود في الولايات المتحدة. لكن الوضع مختلف في أماكن أخرى، حيث يُثير المزيج المخيف من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم مخاوف من الركود التضخمي.
في جميع أنحاء العالم، يُؤدي النقص وارتفاع الأسعار إلى حلقة مفرغة من انخفاض النشاط الاقتصادي: فارتفاع الأسعار يُقلل الطلب على الوقود، وانخفاض الطلب بدوره يُقلص الإنتاج والتوظيف والإنفاق.
وقد ألغت شركة الطيران الألمانية لوفتهانزا 20 ألف
رحلة جوية مُجدولة لهذا الصيف. مع تضاعف أسعار وقود الطائرات، قامت جميع شركات
الطيران العشرين الكبرى في العالم بتقليص رحلاتها، وفقا لـ"فريتوس"، وهي
منصة إلكترونية للشحن.
وقد أدى انخفاض عدد الرحلات إلى تراجع حاد في قطاعي السياحة
وسفر الأعمال، مما قلل الإنفاق في الفنادق والمطاعم ومتاجر التجزئة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فتكمن ميزتها الأكبر
في أنها، على عكس معظم نظرائها في العالم، تنتج من النفط والغاز أكثر مما تستهلك.
وهذا لا يعني أنها بمنأى عن تقلبات أسواق الطاقة العالمية، ولكنه يُسهم في تخفيف
حدة تأثيرها.
كما يعتمد الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير على الخدمات،
ويعتمد بشكل محدود نسبيا على الصناعات التحويلية كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي
تضررت بشدة من ارتفاع أسعار النفط.
وقد دخلت الولايات المتحدة الحرب باقتصاد أقوى
من العديد من الدول الأخرى، مما منحها قدرة أكبر على الصمود في وجه التباطؤ
الاقتصادي.
يقول جيسون بوردوف، المدير المؤسس لمركز سياسات
الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا: "نحن لا نشعر بنفس المعاناة التي يشعر
بها بقية العالم".
وأضاف: "في ظل هذه الصدمة الكبيرة، بدأت تظهر
آثار النقص في السلع الأساسية في آسيا، وتتسرب تدريجيا إلى أوروبا. نحن آخر من
يشعر بآثارها".
سيزداد العبء على الاقتصاد الأمريكي إذا طالت الحرب.
فارتفاع أسعار الوقود سيزيد من تكلفة الشحن، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع
الاستهلاكية الأخرى.
قال بن هاريس، الخبير الاقتصادي في معهد بروكينغز
والذي شغل منصب كبير الاقتصاديين في وزارة الخزانة في عهد إدارة بايدن: "لا
نعلم إلى متى ستستمر هذه الصدمة، وأعتقد أنه إذا استمرت، فسنتحدث على الأرجح بشكل
مختلف تماما بعد ستة أشهر".
حتى لو انتهت الحرب غدا، يشكك معظم المسؤولين
التنفيذيين في قطاع الطاقة والمحللين السياسيين في عودة حركة الملاحة عبر مضيق
هرمز، وهو ممر ملاحي بالغ الأهمية للنفط والغاز، إلى ما كانت عليه سابقا. فقد
أظهرت الحرب مدى سهولة إيقاف حرية الملاحة.
بحسب شركة "هاي فريكونسي إيكونوميكس"
الاستشارية للأبحاث، فإن النقص الناجم عن توقف إنتاج النفط والغاز، بالإضافة إلى
الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الصواريخ، يعني أيضا أن أسعار النفط من
المرجح أن تبقى مرتفعة أو ترتفع خلال السنوات الأربع المقبلة.
يقول آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي:
"نحن أكثر قدرة على الصمود في وجه صدمات الطاقة، لكنني لا أعتقد أن هذا الوضع
سيستمر".
كانت العديد من الدول، بما فيها الحلفاء، تعيد تقييم
علاقاتها أصلا بسبب سياسات الرئيس ترامب التجارية العقابية وسلوكه المتقلب، بما في
ذلك مطالبته بضم غرينلاند.
ويضيف بوسن أن هيمنة الولايات المتحدة قد تراجعت الآن
بسبب قرار ترامب شن حرب على إيران، الأمر الذي ترتبت عليه عواقب اقتصادية وخيمة
على معظم دول العالم.
ويتابع بوسن: "في الوقت الراهن، تبدو الولايات
المتحدة أقل تأثرا بشكل مباشر، لكنني لا أعتبر ذلك مؤشرا دقيقا".