من التريث إلى التصعيد.. ما الذي قيّد تحرك الحوثيين إقليميا وداخليا؟

سلوك الحوثيين في هذه الحرب بدى متغيرا - الأناضول
أثار تصريح وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، في الأيام الماضية، بشأن جماعة "أنصار الله" الحوثيين، وشكل انخراطها في الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي بعد شهر من اندلاع الحرب، أسئلة حول سلوك الجماعة وما الضاغط المحلي والإقليمي الذي شكل تدرج الحوثيين في دخول الحرب بدلا من اندفاعهم نحوها.

وكان هيغسيث، قد صرح خلال مؤتمر صحفي قبل أيام، إنه بالنسبة للحوثيين حتى الآن، فقد بقوا خارج الصراع الحالي مع إيران، وهو ما نراه بالطبع قراراً جيداً منهم.

وأضاف أن ذلك يعكس حقيقة أنه قبل أكثر من عام، خلال عملية "رايدر القاسية"، كنا نخوض حملة مستمرة ومكثفة أظهرت القدرات الأمريكية، وهو ما جعلهم مترددين في القيام بأي شيء في مضيق باب المندب (ممر الملاحة الدولية جنوب البحر الأحمر)، ولو فعلوا سيكون خياراً سيئا.

ضغوط محلية وإقليمية


وفي السياق، يرى الصحفي والكاتب اليمني، أحمد الشلفي إن سلوك الحوثيين في هذه الحرب بدى متغيرا سواء للقريبين من مشهد اليمن أو الأبعد قليلا.

وقال الشلفي في حديث خاص لـ"عربي21" إن الحديث عن الدخول الحتمي للحوثيين في الحرب في لحظة تحددها إيران، بددته الوقائع "إذ اتسمت خطوات الجماعة بالتريث منذ اللحظة الأولى وحتى بعد شهر من اندلاع الحرب، دخل الحوثيون بمقاربة تصعيد تدريجي"، مضيفا أن الجماعة قدمت طرحا حذرا، وسط تأكيدها على مواصلة مراقبة التطورات قبل الانتقال إلى أي مستوى جديد من التصعيد.

ويمكن تفسير ذلك، وفق الصحفي اليمني بأنه "نتاج مزيج من الضغوط المحلية والإقليمية التي أعادت تشكيل طريقة تفكير الحوثيين وحدود حركتهم".

وقال إن التدرّج الذي ظهر في مواقف الحوثيين لم يكن ترددًا، بل تعبيرًا عن "قراءة مختلفة للبيئة المحيطة، حيث تتقاطع المخاطر مع الحسابات".

وأكد على أن أول هذه الضغوط يتصل "بالداخل اليمني" وتحديدًا بالتغيرات التي طرأت على المعسكر الحكومي.

فبعد سنوات من التشتت، بات هذا المعسكر – نسبيًا – أكثر قدرة على إعادة ترتيب صفوفه، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، على حد قوله

وتابع بأن هذا التحسن في معسكر الحكومة المعترف بها دوليا، حتى وإن لم يصل إلى حد الحسم، فإنه "يفرض على الحوثيين إعادة حساباتهم"؛ موضحا أن الانخراط الكامل في حرب إقليمية، في لحظة كهذه، قد يفتح أمام خصومهم فرصة لاستعادة زمام المبادرة داخليًا. وهو ما يجعل أي اندفاع خارجي غير محسوب قد يتحول سريعًا إلى ارتداد داخلي مكلف.

أما الشكل الثاني من الضغوط يرتبط "في غياب الغطاء المحلي"، وقال إنه في حالة غزة كان هناك موافقة أو غض طرف شعبي على الإسناد، وهو ما منح الحوثيين – وغيرهم – مساحة للتحرك.

أما في هذه الحرب، بحسب الصحفي والكاتب الشلفي فإن "الصورة مختلفة"؛ إذ لا يوجد توافق ولا رضا على الانخراط في معركة لصالح إيران، بل إن المزاج العام يبدو أكثر حذرًا، إن لم يكن رافضًا.

وهذا ما وضع ويضع الجماعة أمام معادلة معقدة، كما قال الشلفي، فكيف تنخرط دون أن تخسر جزءًا من بيئتها أو تفتح على نفسها جبهة رأي عام داخلي.

وأشار المتحدث ذاته إلى "كلفة المواجهة" الذي يبرز كواحد من عوامل الضغط التي حكمت سلوك وقرار الجماعة، مؤكدا على أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي طالت قدرات الحوثيين وقياداتها العسكرية كانت، في مراحل سابقة، كفيلة بإيصال رسالة واضحة أن "أي تصعيد واسع سيقابل بردّ ثقيل".

ومضى بالقول: "هذه الخبرة التراكمية جعلت الجماعة أكثر ميلًا إلى إدارة المخاطر بدل القفز نحوها".

ويعود ذلك إلى إدراك الجماعة أن الانتقال من "دور مزعج" إلى "طرف في حرب مفتوحة" يعني تعريض بنيتها العسكرية ومراكز ثقلها لضربات قد لا تستطيع امتصاصها بسهولة، وفق الشلفي

أما إقليميا، فأوضح الصحفي الشلفي أنه بعد سنوات من الحرب المباشرة مع السعودية، دخل الطرفان في مسار تهدئة معقّد، أتاح للحوثيين مساحة لإعادة ترتيب أوضاعهم، وللسعودية الخروج التدريجي من الاستنزاف.

وقال إن هذا المسار، الذي لا يزال قائمًا بشكل أو بآخر، يمثل بالنسبة للجماعة "مكسبًا استراتيجيًا" لا يمكن التفريط به بسهولة، لافتا إلى أن هناك معطيات تشير إلى "وجود تواصل مستمر ووجود الحوثيين في الرياض قبل فترة قصيرة"، ما يعزز فرضية أن الحفاظ على هذا الخط مفتوحًا يتقدم على أي اندفاع عسكري قد ينسفه.

ونوه إلى طبيعة التفاهمات مع الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية برعاية سلطنة عمان، كشكل من الضغوط التي حالت دون اندفاع للحوثيين في الحرب. إذ أن تلك التفاهمات منحت الحوثيين هامشًا من الاستقرار النسبي.

وأردف قائلا: هذه التفاهمات، أسهمت في رسم سقف الحركة، وجعلت الجماعة أكثر حذرًا في الانخراط في أي تصعيد قد يؤدي إلى فقدان هذا الهامش.

وبحسب الصحفي والكاتب الشلفي فإن سيناريوهات التصعيد – بما في ذلك استخدام أوراق كبرى مثل "باب المندب" تبقى مرتبطة بتطورات أكبر، ولن تكون خطوة أولى. وقد أعلن الحوثيون ذلك بعد شهر من الحرب على لسان المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع.

إجراء تكتيكي

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي إن دخول الحوثيين الحرب متأخرين، هو "إجراء تكتيكي منسق مع إيران".

وأضاف التميمي في حديثه لـ"عربي21" أن هدف ذلك من الجانب الإيراني هو "الردع" بواسطة التلويح بتصعيد ميداني جديد مرتبط بباب المندب وبالوضع الحرج لدول الخليج والسعودية، وبالاقتصاد العالمي عبر إعادة إحياء جبهة باب المندب.

أما الهدف الثاني من دخول الحوثيين في الحرب، فيكمن وفق الكاتب اليمني في "ربط القسم الذي يقع تحت سيطرة الحوثيين من اليمن بترتيبات ما بعد الحرب على إيران"، بما يسمح بتعزيز الوضع الجيوسياسي للحوثيين في اليمن وتحريرهم من التزاماتهم تجاه الداخل والإقليم في إطار ما يسمى بالأزمة اليمنية.

وقال التميمي إن ما يعزز ذلك، هو أن تدخل الحوثيين المتأخر جاء في إطار الالتزام باتفاق الهدنة مع الولايات المتحدة واكتفى بإرسال الصواريخ صوب فلسطين المحتلة مما أبقى هذا التدخل رمزياً إلى حد كبير، على حد قوله

والسبت، لوح نائب وزير خارجية حكومة الحوثي (غير معترف بها)، حسين العزي، بإغلاق مضيق باب المندب، متحديا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بفتحه حال قررت الجماعة ذلك.

وقال العزي عبر منصة "إكس": بقوة الله؛ إذا قررت صنعاء (الجماعة) إغلاق باب المندب فإن كل الإنس والجن سيكونون عاجزين تماما عن فتحه. ولهذا من الأفضل لترامب والعالم المتواطئ " الإنهاء الفوري لكل الممارسات والسياسات المعيقة للسلام وإظهار الاحترام المطلوب لحقوق شعبهم وأمتهم.