نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالاً للصحفي أوين جونز، قال فيه إن
توني بلير يزعم أن اليسار قد عقد "تحالفاً مع الإسلاميين".
وقال جونز، يذهب إلى أبعد من ذلك: "فهذه مجرد أحدث أشكال معاداة السامية. تتطلب الاتهامات الاستثنائية أدلة استثنائية. ومع ذلك، وعلى عكس حربه غير الشرعية على العراق، لم يكلف رئيس وزرائنا السابق نفسه عناء تجميع ملف ملفق ليدعم مزاعمه.
وقد نُشر هذا الهجوم الأخير من قبل موقع "فري برس"، وهو موقع مؤيد للاحتلال يهاجم التيار التقدمي، أسسته الصحفية باري فايس، المتهمة الآن بالرقابة المؤيدة لترامب في منصبها الجديد كرئيسة تحرير شبكة "سي بي إس نيوز". وجوهر اتهام بلير هو ما يسميه "معارضة
إسرائيل".
وقد أصبح هذا الادعاء مألوفاً بشكل متزايد. فمع تزايد شعبية حزب الخضر في إنكلترا وويلز، يُعاد تصوير معارضته للإبادة الجماعية الإسرائيلية على أنها طائفية.
لكن الواقع هو أنه حتى لو لم يكن هناك مسلم واحد في
بريطانيا، فسيظل اليسار يعارض تصرفات دولة الاحتلال بنفس القوة، وما يتجاهله بلير هو أن هذا الموقف يعكس الرأي العام السائد.
أظهر استطلاع رأي حديث أن 12 بالمئة فقط من البريطانيين يؤيدون العمليات الإسرائيلية في
غزة، بينما تؤيد أغلبية ساحقة حظر الأسلحة على دولة الاحتلال، وفرض عقوبات عليها، واعتقال زعيمها بنيامين نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
وأضاف الكاتب أن بلير مصرٌّ على أن "بعض أطياف اليسار تصور الجالية اليهودية على أنها مؤيدة لحكومة إسرائيل". والسؤال هنا: من هم تحديداً؟ إن أشد المدافعين عن إسرائيل حماسة هم الذين سعوا جاهدين لطمس هذا التمييز.
ويعرف بلير أحدهم جيداً: دونالد ترامب، الذي قال خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بأن اليهود الذين يصوتون للديمقراطيين "يكرهون إسرائيل" و"يكرهون دينهم". وبالنظر إلى أن 71 بالمئة من اليهود الأمريكيين صوتوا لكامالا هاريس، فهذا يعني الأغلبية الساحقة.
وأضاف: "لن تجدوا أي إدانة قوية لهذه المعاداة للسامية، بدلاً من ذلك، انضم بلير إلى "مجلس السلام" "الأورويلي" الذي أنشأه ترامب لغزة، وهو مشروع بشع ذو نزعة استعمارية جديدة، يهدف إلى تحويل أرضٍ مدمرة إلى ملعب للمقاولين العقاريين.
وفي موقع "فري برس"، يزعم بلير أيضاً أن "تهمة الإبادة الجماعية" تضعف بتوجيهها إلى إسرائيل، مدعياً أنها "إهانة موجهة تحديداً إلى الذاكرة اليهودية للهولوكوست".
ويتساءل الكاتب: "ماذا عن كبار الباحثين الإسرائيليين في مجال الإبادة الجماعية الذين توصلوا إلى هذا الاستنتاج تحديداً، مثل عمر بارتوف وعاموس غولدبرغ ودانيال بلاتمان وشموئيل ليدرمان وراز سيغال؟ هل هؤلاء الأكاديميون اليهود المرموقون يضعفون التهمة ويستهدفون معاناة اليهود من الهولوكوست؟".
وأردف: "ماذا عن أربعة من كل عشرة يهود أمريكيين يعتقدون أن الجيش الإسرائيلي ارتكب إبادة جماعية في غزة، وترتفع هذه النسبة إلى النصف بين من هم دون سن الخامسة والثلاثين؟ وماذا عن أليستر كامبل، المستشار الإعلامي السابق لبلير، الذي توصل متأخراً إلى النتيجة نفسها العام الماضي؟".
بل إن بلير ينتقد معارضي الحصار المستمر على غزة ما لم يذكروا مخاوف الاحتلال وللتوضيح فإن: تجويع المدنيين عمداً جريمة حرب، مهما كانت المبررات. أما المواد المحظورة بدعوى "الاستخدام المزدوج"، فتشمل زجاجات حليب الأطفال وحقن تطعيم الأطفال ومكونات حيوية لأنظمة المياه والصرف الصحي.
ولا يزال الادعاء الرئيسي قائماً دون دليل، وهو "أن اليسار قد تحالف مع الإسلام السياسي". حزب الخضر، الذي يُعد الآن القوة الرئيسية لليسار الإنجليزي، يقوده رجل يهودي مثلي الجنس، ويعارض هو وحزبه العدوان على غزة كما يعارض الإسلاموفوبيا.
كما أن أعضاءه يتبنون أكثر البرامج تقدماً اجتماعياً بين جميع الأحزاب الكبرى، بدءاً من حقوق مجتمع الميم وصولاً إلى المساواة بين الجنسين؛ هذه الأمور لا تتوافق إطلاقاً مع "الإسلام السياسي" كما يروج له بلير.
صحيح أن العديد من الناخبين المسلمين يتجهون إلى حزب الخضر، لكن دوافعهم ليست محددة ولا غامضة؛ فأزمة غلاء المعيشة وحالة هيئة الخدمات الصحية الوطنية، على سبيل المثال، تشكلان هاجساً كبيراً. وإذا كان شخص ما إسلامياً حقيقياً، كما يلمح بلير، فإن الالتفاف حول حزب علماني متطرف يقوده رجل يهودي مثلي الجنس سيكون خياراً غريباً.
ومن الأمثال الشائعة التي توجه ضد مؤيدي إسرائيل: "كل اتهام هو اعتراف". ولننظر إلى سجل بلير نفسه: تحالف طويل الأمد مع الحكام الأصوليين في السعودية، الذين يُعدّون من أكثر مُصدّري التطرّف الديني.
وبصفته رئيساً للوزراء، أيّد مبيعات الأسلحة للنظام السعودي وأغلق تحقيقاً في قضايا الفساد المتعلّقة بتلك الصفقات. ومنذ أن ترك بلير منصبه، تلقى معهده ملايين الدولارات من الحكومة السعودية، وهي علاقة تجارية استمرت حتى بعد اغتيالها للصحفي المعارض جمال خاشقجي.
واسترسل الكاتب قائلاً: "قد نتذكر أيضاً أن غزو بلير للعراق منح الإرهاب أكبر فرصة للتجنيد في التاريخ، كما قادت معارضة بلير لما يصفه بـ "الإسلام الراديكالي" إلى مواقف مظلمة".
وبصفته رئيساً للوزراء، صرّح بأنه "من المهم أن ندعم روسيا في عملها ضد الإرهاب" - في إشارة إلى هجوم بوتين على الشيشان، والذي كان من الواضح بالفعل أنه أدى إلى مقتل مدنيين أبرياء.
وفي عام 2018 - بعد سنوات من ضم بوتين لشبه جزيرة القرم - زعم بلير أنه "سيتعين علينا التحالف مع روسيا" في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، وهنا تعصّب بلا شك - لكن ليس بالاتجاه الذي يلمح إليه بلير.
ففي جميع أنحاء الغرب، يتعرّض اليسار لتشويه متزايد بسبب تلقيه دعماً من المواطنين المسلمين. ففي فرنسا، يُطلق على هذا المصطلح "الإسلاموفوبيا". ما يؤول إليه هذا في الواقع هو شيطنة المسلمين المشاركين في الحياة الديمقراطية.
يُصوَّر الناخبون
المسلمون الذين لديهم مخاوف يريدون معالجتها، والسياسيون الذين يستمعون إليهم، على أنهم مشؤومون وخطيرون وحصان طروادة للتطرف.
كما إن مساواة معارضة جرائم الاحتلال بمعاداة السامية، وتصويرها على أنها استرضاء للإسلاميين، هي محاولة يائسة أخيرة، وقد يدرك المدافعون عن الاحتلال أنهم فقدوا تأييد الرأي العام في الغرب، ويعلمون أن المطالبات الموجهة للحكومات بإنهاء تواطئها في جرائم إسرائيل ستصبح عصية على المقاومة.
وحاليًا لم يبقَ في جعبة المدافعين عن الاحتلال سوى الافتراءات الباطلة. هذه الاستراتيجية الخبيثة ستفشل، وهم يدركون ذلك في قرارة أنفسهم.