"ملايين على الشاشة".. هل انفصلت دراما رمضان عن الواقع؟

الأعمال المحلية تميل إلى تقديم الشخصيات المتطرفة في صورة نمطية أحادية - حساب تامر موسي
مع انطلاق موسم دراما رمضان هذا العام، عادت الأعمال ذات الطابع السياسي والأمني إلى واجهة الأعمال الدرامية كما هو الحال خلال السنوات الماضية إلا أن هذه المرة صاحبها موجة تفاعل وانتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، اعتبر أصحابها أن بعض المسلسلات بدت "منفصلة عن الواقع"، رغم ما يتداول عن ضخامة الميزانيات الإنتاجية.

أبرز الأعمال التي أثارت الجدل كان مسلسل "رأس الأفعى"، الذي ينال من شخصية القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان المسلمين المعتقل محمود عزت في إطار أمني درامي، إلى جانب مسلسل "صحاب الأرض" الذي يتطرق إلى حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة والتي اندلعت من السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 ودور النظام المصري دعم وإغاثة القطاع وإدخال المساعدات الإنسانية.

"رأس الأفعى" وصورة الخصم السياسي

منذ الحلقة الأولى، أثار "رأس الأفعى" جدلا واسعا حتى بين مؤيدين النظام المصري معارضي جماعة الإخوان المسلمين أنفسهم الذين رأوا أن صرف تلك الملايين سنويا على شيطنة الجماعة كان من الأولي أن تصرف على الشعب وفيما رأي معارضين أن العمل يقدم صورة أحادية للخصم السياسي، اعتمدت على تشويهه بشكل يخالف حتى القواعد السياسية.

وقالت إحدى المتفاعلات عبر مقطع مصور متداول "هل بجد الإخوان وحشين قوي لدرجة إننا محتاجين كل رمضان نعمل 25 أو 30 مسلسل عشان نظهر حقيقتهم؟"، متسائلة عن جدوى تكرار المعالجة ذاتها سنويا.

وانتقدت طريقة رسم الشخصيات، قائلة إن تقديمها باعتبارها "شرا مطلقا" يقلل من العمق الدرامي، مضيفًا أن "الناس في الواقع الصورة مختلفة كون أفراد الجماعة متواجدون بشكل طبيعي ويتعاملوا بشكل طبيعي لا بهذه الصورة مطالبة بمحاولة عمل حبكة درامية وإبرازا أن الاختلال فقط اختلاف فكري سياسي حتى يمكننا تصديق هذا العمل على أرض الواقع.



وتداول مستخدمون تعليقات ساخرة بشأن بعض التفاصيل الفنية، معتبرين أن بعض المشاهد بدت "مباشرة أو مبالغا فيها"، في إشارة إلى مشاهد تخطيط أو حوارات اعتبروها غير واقعية.

وفي سياق المقارنة بين المعالجة الدرامية المحلية ونماذج أجنبية، أشارت إلى مسلسل عرض قبل سنوات بعنوان "دعشيات"، مستوحى من وقائع حقيقية تدور حول مبنى في السويد يعتنق بعض سكانه الإسلام حديثا، قبل أن يتم استقطاب عدد منهم عبر خطاب متطرف أقنعهم بالسفر إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم داعش.



واعتبر "قوة العمل" تمثلت في تقديم شخصية الشاب المنضم للتنظيم بصورة إنسانية مركبة إذ ظهر كشخص عادي له مشاعر وعلاقات وأبعاد حياتية طبيعية، لكنه يحمل في الوقت ذاته أفكارا متشددة قادرة على إلحاق ضرر بالغ بالمجتمع، حيث ترى أن هذه المعالجة تظهر أن التطرف قد يصدر عن أشخاص يبدون اعتياديين في محيطهم الاجتماعي، وهو ما يضفي عمقا دراميا أكبر على السرد.


أضافت أن الأعمال المحلية تميل إلى تقديم الشخصيات المتطرفة في صورة نمطية أحادية، تركز على ملامح حادة وخطاب مباشر، مع إبراز سمات "الشر المطلق" دون إظهار أبعاد إنسانية أو اجتماعية معقدة، واعتبر أن هذا الأسلوب قد يخلق فجوة بين ما يشاهده الجمهور على الشاشة وبين الواقع الذي يراه في حياته اليومية.



صوره عكسية للشخصيات الأمنية

والجدل لا يقتصر على صورة التيارات الإسلامية فقط، بل يمتد إلى طريقة تصوير بعض الشخصيات الأمنية في الدراما، حيث تقدم غالبا بصورة مثالية خالية من الأخطاء، بما يظهر تباين بين الصورة الدرامية والتجارب الشخصية لبعض المواطنين هو ما يدفع شريحة من الجمهور إلى التشكيك في واقعية بعض الأعمال.



"صحاب الأرض" وحرب غزة


الجدل لم يتوقف عند "رأس الأفعى"، إذ أثار مسلسل "صحاب الأرض" نقاشًا واسعًا بعد تناوله حرب غزة وإبراز دور النظام المصري في إدخال المساعدات عبر معبر رفح، إلا أن بعض المتفاعلين اعتبروا أن العمل قدم "رواية رسمية" للأحداث، فيما رأى آخرون أن الواقع أكثر قسوة مما ظهر دراميًا.

وقال أحد المتابعين على منصة الفيسبوك أن "الحقيقة أبشع من المسلسل بكثير"، في إشارة إلى مشاهد الحرب والمعاناة الإنسانية.


مكاسب باهته


وقال أحد المتابعين "في مسلسل صحاب الأرض، أثار مشهد "الكلاكس" الذي يؤديه عصام السقا انتقادات واسعة، إذ اعتبره بعض المتابعين من "المكاسب الباهتة" للعمل.

وأضاف إن المشهد يهدف إلى توفير تنفيس عاطفي للمشاهد، إذ يمنحه شعورًا بالصرخة الجماعية تجاه الأحداث، لكنه لا يعكس الواقع أو يحرك الوعي السياسي، وأن الدراما الرمضانية الحالية تميل إلى تقديم تجربة عاطفية مؤقتة أكثر من كونها أداة تحليلية أو نقدية، ما يحول الأعمال إلى مسكن آلام للمشاهدين بدلًا من كونها محفزًا للتفكير النقدي وفهم جذور الصراعات.


في المقابل، تؤكد بيانات رسمية صادرة عن وزارة الخارجية المصرية أن القاهرة لعبت دورا محوريا في إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وأنها نسقت مع أطراف دولية لتسهيل مرور الشاحنات، وهو ما دعمته بيانات صادرة عن الأمم المتحدة بشأن أعداد المساعدات التي دخلت عبر الأراضي المصرية خلال فترات مختلفة من التصعيد.

وتشير تقارير أممية إلى أن إدخال المساعدات كان يواجه تعقيدات لوجستية وأمنية متعددة، فيما تؤكد القاهرة أنها لم تغلق المعبر من جانبها، بل كانت المشكلة في الجانب الآخر من الحدود أو في إجراءات التفتيش المرتبطة بالظروف الأمنية.

الميزانيات والإنتاج الضخم

وتعد الدراما الرمضانية في مصر من أكبر مواسم الإنتاج في المنطقة، وتشير تقارير إعلامية متخصصة إلى أن حجم الإنفاق على المسلسلات يصل إلى مليارات الجنيهات سنويا، في ظل تنافس محموم بين شركات الإنتاج والمنصات الرقمية.

وترددت أنباء أن ميزانيات إنتاج مسلسلات رمضان 2026 في مصر شهدت ارتفاعًا قياسيًا، حيث تقدر بنحو 3.5 إلى 4 مليارات جنيه مصري لإنتاج حوالي 40 عملاً فنيًا. تتراوح تكلفة المسلسل الواحد بين 60 و90 مليون جنيه للأعمال الكبيرة، بينما تتراوح أجور النجوم الكبار بين 30 و50 مليون جنيه

هذا الحجم من الإنتاج يرفع سقف توقعات الجمهور، الذين يرون أن "المشاهد حين يعلم أن العمل كلف ملايين، يتوقع مستوى عالٍ من الحبكة والواقعية".