تقرير عبري: السعودية لن تطبّع مع "إسرائيل" وفق صفقة.. ما علاقة الإمارات؟

واشنطن أسقطت مطلب الاعتراف السعودي بدولة الاحتلال كشرط مسبق للاتفاق النووي - الأناضول
استعرضت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية أسباب إحجام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، حيث رأت أن الظروف الإقليمية الطارئة والاعتبارات الداخلية في الرياض والتحولات في ميزان القوى تجعل مسار التطبيع في المرحلة الراهنة بعيدًا عن الواقع.

وأشارت جيروزاليم بوست في افتتاحيتها إلى ما عدته كذبة صدقها الإسرائيليون، حيث ظنوا أن تطبيع السعودية علاقاتها مع "تل أبيب" بعد عودة الرهائن الإسرائيليين والوصول إلى وقف إطلاق النار سيكون بمثابة المكافأة في نهاية أطول نفق وأكثره رعبًا.


وأضافت، إن "تطبيع العلاقات السعودية–الإسرائيلية، تلك الجائزة الدبلوماسية الهائلة التي لوّحت أمامنا لعقدٍ تقريبًا كجزرة معلّقة على عصا، لم يؤجل فحسب، بل بات اليوم موضع شك بعد أن أُغلق الملف هيكليًا وسياسيًا، وربما على مستوى جيلٍ كامل".


وأوضحت أن الظروف التي جعلت التطبيع يبدو حتميًا في السابق لم تختفِ فحسب، بل استُبدلت بأخرى معاكسة وقوية ومتجذّرة إلى حدّ أن المحللين لم يعودوا يناقشون متى قد تحدث الصفقة، بل ما إذا كان الإطار الذي يمكن أن ينتج صفقة كهذه ما يزال موجودًا أصلًا.

لماذا آلت الأمور إلى رفض بعد قبول؟

شككت الصحيفة العبرية بالأسباب المطروحة التي تروج على أنها هي التي دفعت السعودية للتخلي عن اتفاقيات أبراهام، ومنها "غزة، أو حاجة ولي العهد محمد بن سلمان لغطاء سياسي، أو أن الضغط الأمريكي لم يكن كافيًا".

وقالت: "لربما هذه التفسيرات صحيحة إلى حدّ ما، لكنها غير كافية. فالحقيقة أعمق كثيرًا، ومقلقة إلى حدّ بعيد لأولئك الذين ظنوا أن التحول العسكري الذي أحدثته إسرائيل في الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023، سينتهي بمكافأة لطالما أرادتها (تل أبيب) وهي القبول".

تشير الصحيفة إلى أن ما كان يُعرف بـ"الصفقة الكبرى" استند إلى معادلة واضحة وهي "تطبيع سعودي مع إسرائيل، مقابل حزمة أمريكية ضخمة تشمل معاهدة دفاع مشترك، وصفقات تسليح متقدمة، وتعاوناً في مجال الطاقة النووية المدنية، وكانت إسرائيل، وفق هذا التصور، تمثل المفتاح الذي يفتح للرياض أبواب واشنطن الاستراتيجية.

لكن المعادلة اليوم تغيّرت جذرياً، بحسب تقرير "جيروزاليم بوست"، فالسعودية حصلت على معظم الجائزة من دون أن تدفع الثمن، ففي أواخر عام 2025، وخلال زيارة ولي العهد السعودي بن سلمان إلى واشنطن، أنهت إدارة الرئيس ترامب اتفاقاً ثنائياً واسع النطاق مع السعودية، دون ربطه بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ليس انتكاسة.. بل ضربة معلم

ووفق ما أوردته الصحيفة، أكد بيان للبيت الأبيض تصنيف السعودية "حليفاً رئيسياً من خارج الناتو"، والمضي قدماً في بيع مقاتلات الشبح من طراز "F-35".

إضافة إلى توقيع إعلان مشترك بشأن استكمال المفاوضات حول التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية وهو الملف الذي كان يُعد سابقاً ورقة ضغط إسرائيلية.

وتنقل الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين كبار قولهم إن واشنطن أسقطت مطلب الاعتراف السعودي بدولة الاحتلال كشرط مسبق للاتفاق النووي، ما يعني وفق التحليل أن الرياض حصلت على الجزء الأكبر من المكاسب الاستراتيجية دون تقديم تنازل سياسي لـ"تل أبيب".

من منظور الرياض، لا يُعدّ هذا التغيير انتكاسة، بل ضربة معلم، فقد أمّن محمد بن سلمان الوصول إلى منصّات عسكرية أمريكية متقدمة، ونقل تكنولوجيا نووية، من دون تقديم أي تنازل للاحتلال. لقد تبخّرت القيمة الهامشية للتطبيع. فالمملكة حصلت بالفعل على ما جاءت من أجله.

ابن سلمان يرفض بصمات أبو ظبي

ترى الصحيفة أن هناك ثمة عقبة أخرى، كثيرًا ما يُستهان بها ولا تحظى باهتمام كافٍ، وهو البعد الرمزي والسياسي لاتفاقيات أبراهام، فالإمارات كانت الدولة الخليجية التي بادرت إلى التطبيع عام 2020، وبنت شبكة علاقات تجارية وتكنولوجية واسعة مع الاحتلال.

وتنقل الصحيفة عن الكاتب اللبناني نديم قطيش، المدير العام السابق لـ"سكاي نيوز عربية"، تعليقًا مطوّلًا عن ما يسمّيه "الشرق الأوسطين"، مجادلًا بأن الإمارات تمتلك الآن تقدُّمًا تكنولوجيًا واقتصاديًا لا يقلّ عن عقدٍ كامل على السعودية، تحديدًا بفضل تعاونها المبكر مع إسرائيل.

وبحسب هذا الطرح، فإن انضمام الرياض إلى إطار يحمل بصمة أبوظبي قد لا يكون خيارًا مريحًا لقيادة سعودية ترى نفسها في موقع الزعامة الإقليمية، ما يعني أن أي تطبيع مستقبلي سيتطلب صيغة سعودية خاصة، ربما تستند إلى مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.

ضغوط اقتصادية داخلية تغير كفة القرار

ترى الصحيفة العبرية أن العامل الاقتصادي لعب دورًا مهمًا في حسابات ولي العهد السعودي، خاصة وأن المشروع الإصلاحي الطموح "رؤية 2030"، والذي يهدف إلى تحويل المملكة إلى قوة اقتصادية عالمية ما بعد النفط، يواجه تحديات مالية واضحة.

فوزارة المالية السعودية توقعت عجزًا في ميزانية 2025 يبلغ نحو 101 مليار ريال (قرابة 27 مليار دولار). كما تشير تقديرات معهد دول الخليج العربية في واشنطن إلى أن استمرار أسعار النفط عند مستوى 65 دولارًا للبرميل قد يرفع العجز إلى 56 مليار دولار، أي نحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتلفت الصحيفة إلى أن مشاريع عملاقة، مثل "ذا لاين" ضمن مشروع نيوم، جرى تقليصها بشكل كبير من خطة استيعاب 1.5 مليون نسمة إلى نحو 300 ألف فقط، ما ترافق مع تقليص إنفاق وإلغاء عقود.

كما اضطر صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولاً تقارب 925 مليار دولار، إلى خفض إنفاقه بنسبة 20% وشطب خسائر مشاريع بقيمة 8 مليارات دولار في نهاية 2024. ولم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة 32 مليار دولار في 2024، رغم هدف رسمي بلغ 100 مليار دولار، وهو ما أدى إلى إقالة وزير الاستثمار.

وبالتالي، فإن قيادة تواجه مثل هذا النوع من الانكماش الاقتصادي، رغم تعهدها لشعبها بمستقبل زاهر وتحويلي، لا تستطيع تحمّل الكلفة السياسية لخطوة خارجية غير شعبية. والتطبيع مع إسرائيل هو حاليًا الخيار الأكثر سُمّية سياسيًا المتاح للسعودية.

رأي عام مناهض.. استبيان الرأي العام السعودي لا يكذب

تطرق تقرير الصحيفة للمزاج العام في السعودية، حيث قارن بين نتائج استطلاع لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أجراه في آب/أغسطس 2023، والذي أظهر أن 43% من السعوديين يؤيدون علاقات اقتصادية مع دولة الاحتلال حتى دون علاقات رسمية.

لكن حرب غزة دمّرت ذلك، فبحلول تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر 2023، أظهرت استطلاعات المتابعة للمعهد نفسه أن الدعم لأي تواصل تجاري غير رسمي مع الإسرائيليين انهار إلى 17% فقط.

والأكثر لفتًا أن 96% من السعوديين الذين شملهم الاستطلاع وافقوا على أن الدول العربية يجب أن تقطع جميع أشكال الاتصال الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي وغيرها مع الاحتلال فورًا.

ويوثّق "الباروميتر العربي" الصورة الإقليمية الأوسع عبر 15 دولة عربية في عامي 2024 و2025، مؤكّدًا أن هذا التراجع ليس ظاهرة سعودية حصرية.

ففي المغرب، الذي طبّع علاقاته مع الاحتلال عام 2020، انخفض دعم التطبيع من 31% في 2022 إلى 13% بعد الحرب. ووجد "مؤشر الرأي العربي" لعام 2025 أن 87% من المواطنين في العالم العربي يعارضون تمامًا الاعتراف بـ"إسرائيل".

تمثّل هذه الأرقام بالنسبة لمحمد بن سلمان عتبة سياسية لا يستطيع تجاوزها من دون إثارة اضطرابات داخلية واسعة ومنسّقة تُعرّض استقرار النظام للخطر، وهذا بالضبط ما قاله لصنّاع القرار الأميركيين.

وبحسب تقارير متعددة المصادر، فقد استند صراحةً إلى عداء الرأي العام السعودي في رفضه الضغوط للانضمام إلى اتفاقات أبراهام، مُصرًّا على أن التطبيع يتطلب مسارًا ملموسًا ولا رجعة فيه نحو قيام دولة فلسطينية.

من حليف ضد إيران إلى منافسة على الزعامة

وفق تحليل "جيروزاليم بوست"، فإن أحد التحولات الجوهرية في منطقة الشرق الأوسط يتمثل في تغيّر ميزان القوى؛ فدولة الاحتلال، التي كانت تُعدّ شريكاً طبيعياً للسعودية في مواجهة النفوذ الإيراني، باتت اليوم مع تراجع دور طهران تُنظَر إليها كمنافس محتمل على قيادة المنطقة، لا كحليف استراتيجي.

وتشير الصحيفة إلى توقيع السعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك في أيلول/سبتمبر الماضي، مع مباحثات متقدمة لانضمام تركيا إلى الإطار نفسه، في خطوة وُصفت بأنها تعكس رغبة سعودية في بناء استقلال استراتيجي.


كما تتفاوض الرياض على شراء ما يصل إلى 100 مقاتلة شبح من طراز "KAAN" التركية، في صفقة يعتبرها مسؤولون أمريكيون مثيرة للقلق، لأنها تقلل من اعتماد السعودية على كل من واشنطن وتل أبيب.

وتصف الصحيفة هذه التطورات بأنها مؤشرات على تشكل ما يشبه "ناتو إسلامي" ناشئ، ليس لمواجهة أعداء إسرائيل، بل لموازنة تفوقها الإقليمي.

وتخلص الصحيفة إلى أن الاعتقاد بقرب توقيع صفقة سعودية–إسرائيلية كان مفهوماً في سياق ما بعد حرب غزة، لكنه في ضوء معطيات 2026 يبدو أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع السياسي.