بين إصرار الرئيس ترامب على مسار الدبلوماسية مقابل رغبة "
إسرائيلية" اتجاه التصعيد ضد
إيران، ذكر تقارير عبرية أن هناك فجوة بين واشنطن وتل أبيب ليست بشأن استمرار المفاوضات فحسب، بل حول حدودها ومضمونها، حيث يرى الاحتلال أن أي اتفاق يقتصر على النووي ويترك الصواريخ خارج نطاقه، سيُنتج واقعًا يُهدد أمن "إسرائيل".
وأكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في تحليل نشرته تساحي هنغبي، رئيس مجلس الأمن القومي السابق لدى دولة الاحتلال والمستشار فيه، أن "الحزم وحده هو من سيؤدي إلى إسقاط النظام في إيران، مشيرة إلى وجود قناعة سائدة لدى نتنياهو بأن مواجهة عسكرية مع طهران قد تكون حتمية، وأن المحادثات الأمريكية-الإيرانية الجارية قد تُؤجل العملية العسكرية فقط، لا تمنعها.
وأضاف هنغبي أن "المرة الأخيرة التي نجحت فيها الضربات الجوية في إخضاع نظام (استبدادي) كانت سنة 1999، وجرى هذا حين واجهت دول الغرب حملة التطهير العرقي الوحشية التي نفذتها يوغوسلافيا ضد الأقلية الألبانية في كوسوفو، التي كانت آنذاك إقليماً تابعاً لصربيا ضمن يوغوسلافيا".
واعتبر أنه "بعد فشل الجهود الدبلوماسية في وقف المجازر وعمليات التهجير، نفذت قوات حلف الناتو بقيادة أمريكا، حملة عسكرية واسعة النطاق سُمّيت بالقوة المشتركة".
ولفت إلى أن العملية لم تتضمن مناورة برية أو نشاطاً ميدانياً، بل اعتمدت على ضربات جوية كانت تهدف إلى ضمان التدمير المكثف للبنية التحتية الاستراتيجية للدولة والجيش، ولم يكن لدى الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوزوفيتش ردّ فعال على الهجوم، حيث استسلم لشروط الناتو وسحب قواته من كوسوفو.
وبعد نحو عام ونصف، وتحت ضغط احتجاجات شعبية حاشدة، اضطر إلى التنحي عن منصبه، وأنهى حياته في زنزانة في سجن لاهاي خلال محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
دعوة لاستنساخ تجربة يوغوسلافيا
وأضاف هنغبي أنه بعد 27 عاماً، يتساءل قادة سياسيون وعسكريون كبار حول العالم، عمّا إذا كان يمكن التوصل إلى نتيجة مماثلة ضد النظام في إيران كما حدث مع نظام ميلوزوفيتش.
مشيرًا إلى أن عملية الناتو في كوسوفو خطوة لم تكن منفردة، بل استمرت 77 يومًا متواصلًا من القصف الجوي وإطلاق صواريخ "كروز" من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، كما وشارك في الحملة أكثر من ألف طائرة.
وعلى الرغم من أن القوات الأمريكية نفذت الجزء الأكبر من الهجمات، فإن دولًا عديدة شاركت فيها، منها بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وإسبانيا، وغيرها.
لكن يبدو - والكلام لهنغبي- أن هذا ليس هو الوضع في الحالة الإيرانية، فالرئيس ترامب لا يسعى لتشكيل ائتلاف دولي واسع لمواجهة الجيش الإيراني، كما لا ينوي الانخراط في حرب طويلة، بل وفقاً لوسائل إعلام أميركية، فقد طلب من المؤسسة العسكرية إعداد خطة لعملية "سريعة وحاسمة".
ووفق التحليل، ففي ظل الأوضاع الحالية، التي تختلف عن نهج الولايات المتحدة إزاء حرب البلقان، يطرح سؤال مفاده: "هل يمكن لعملية عسكرية مركزة وقصيرة نسبياً، من دون استخدام قوات برية، أن تفرض على النظام الإيراني الاستجابة لمطالب رُفضت منذ عقود، أو أن تمهد الطريق لتجدد الاحتجاجات الشعبية التي قد تؤدي لاحقاً إلى تغيير النظام؟".
وتابع هنغبي في تحليله: "لا أعلم ما إذا كانت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" قد أعدت خطة واقعية تتماشى مع رغبة ترامب، رغم أن حشد القوات نحو ساحة العمليات لربما يوحي بوجود تخطيط دقيق، لكن هذا مجرد استنتاج".
وأضاف أن "مسألة استعداد الرئيس ترامب لتحمُّل تكلفة حملة كهذه، تبقى غير معروفة. فلا توجد حرب بلا ثمن، وغالباً ما يكون الثمن مؤلماً وأحياناً غير متوقَّع. خاصة وأن الحديث هنا عن مواجهة مع إيران، وهي قوة إقليمية كبيرة ذات قيادة أيديولوجية متشددة، ويبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، ولديها قدرة على الصمود".
ومما تقدم، فإن هناك اعتبارات كثيرة على الرئيس الأمريكي أن يوازن بينها، ومنها "التأثيرات السياسية الداخلية، والتداعيات الدولية، والانعكاسات في الاقتصاد العالمي في حال استهدفت إيران حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتأثير ذلك في العلاقات مع حلفاء واشنطن في الخليج، وإمكانية استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة".
واعتبر هنغبي محرضاً، أن "الهدف العملياتي هو التدمير الشامل لمراكز الثقل الحرجة للنظام الإيراني، وعددها سبعة وهي "القيادة السياسية - القيادة العسكرية - كبار مسؤولي الأجهزة السرية - البنية التحتية المدنية التي تخدم أيضاً الحرس الثوري (كالجسور والمصانع وغيرها)".
إضافة إلى "سلاح الجو الإيراني - البنية التحتية البحرية - قواعد ومقار الحرس الثوري - منظومات الصواريخ الباليستية - منشآت البرنامج النووي التي بدأت إيران في إعادة تأهيلها"، ويقول هنغبي إن "هذه الأهداف ليست سرية، والجميع يعرفها، لكن إيران لا تملك القدرة على حمايتها لفترة طويلة من ضربات مدمرة".
وقال أيضًا: "إيران عملت بعد الأشهر الأخيرة على إعادة تأهيل قدراتها في مجال الدفاع الجوي، إلا أن سلاح الجو الأمريكي يملك خبرة واسعة، ومن المرجح أن يتمكن خلال أيام قليلة من فتح ممرات جوية آمنة لطائراته الهجومية".
وبالتالي "سيكون أي هدف تحدده الاستخبارات الأمريكية عرضة لضربات دقيقة،" ولفت إلى أنه يمكن الفرار من القواعد، لكن لا يمكن إنقاذها من التدمير، ويمكن مغادرة السفن، لكن البحرية الإيرانية لا تستطيع منع إغراق أسطولها بالكامل".
دعوة لضرب "أسطول الظل" وسلاح الجو
تطرق هنغبي إلى ما سماه بـ"أسطول الظل" الإيراني، داعياً إلى أن يكون أيضاً هدفاً، مبرراً بالقول إن إيران تستخدم عدداً كبيراً من السفن التي تبدو مدنية، لكنها مجهَّزة بأنظمة عسكرية متطورة، بما في ذلك رادارات وأنظمة جمع معلومات وأسلحة ومنصات لإطلاق مروحيات وطائرات مسيَّرة".
وأضاف: "قد يأمر سلاح الجو الإيراني طياريه بمغادرة الطائرات، إلا أن إيران تفتقر لملاجئ عميقة تحت الأرض بما يكفي لحماية سلاحها من التدمير. وتملك إيران مئات الطائرات الحربية وطائرات النقل والاستطلاع والمروحيات، لكن على الرغم من أن كفاءتها لم تُختبر عملياً منذ الحرب الإيرانية–العراقية".
وختم هنغبي محذراً من أن إيران أثبتت امتلاكها لقدرات تكنولوجية متقدمة في مجالات عديدة، ولا يوجد سبب للاعتقاد أنها أهملت صيانة سلاحها الجوي وتطويره. وبالتالي ينبغي عدم التقليل من أهمية هذا السلاح، وضرورة "استهداف جميع الطائرات بلا استثناء".