حسابات القوة والصفقة.. كيف يرسم الاحتلال خريطة أولويات السياسة الأمريكية؟

غزة تحتل المرتبة الثانية كساحة للإدارة والتنظيم - جيتي
فيما تتصاعد التهديدات الأمريكية ضد إيران، تعتبر المحافل الاسرائيلية أن الأخيرة ما زالت تُعدّ التحدي الاستراتيجي الأكبر، رغم أن هناك أيضاً غزة ولبنان وساحات توتر أخرى يجب أخذها في الاعتبار، مما يدفع الاحتلال لترقب ما الذي سيفعله الرئيس دونالد ترامب في قادم الأيام.

بهيج منصور، السفير الإسرائيلي "الدرزي" المتقاعد لدى أفريقيا وأمريكا الوسطى، وضابط احتياط رفيع المستوى، وخريج كلية الأمن القومي، ذكر أن "السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تتجه حالياً نحو ترتيب أولويات واضح: إيران أولاً، ثم غزة، بينما يتم تهميش سوريا ولبنان، وفي ظل هذا الترتيب، يبرز سؤال محوري في تل أبيب ومفاده مدى ترجيح أن يُجبرها ترامب على اتخاذ خطوات في غزة كجزء من حزمة إقليمية أوسع، والإجابة هي نعم، ولكن ضمن حدود واضحة ودائماً كجزء من اتفاق".

وأضاف في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "القراءة الإسرائيلية للتطورات الإقليمية مفادها أن إيران هي الساحة الحاسمة، التي تُعدّ التحدي الاستراتيجي الأكبر لواشنطن، ففي الأسابيع الأخيرة، أكملت الولايات المتحدة تعزيزاً كاملاً وفعالاً لقواتها: حاملة طائرات، وست سفن مزودة بصواريخ توماهوك، وغواصات هجومية، وطائرات تزويد بالوقود بعيدة المدى، وقواعد عسكرية نشطة في قطر والبحرين واليونان، فضلاً عن نشر قاذفات ثقيلة من طراز B-2 وB-52، قادرة على حمل أسلحة خارقة للتحصينات".

وأشار أن "هذه القوة تُعادل من حيث نطاقها وقدراتها، القوات الجوية الإسرائيلية، بل وتتفوق عليها، وهدفها توجيه رسالة واضحة لإيران، ومفادها أن الخيار العسكري جاهز، ويمكن تفعيله في أي وقت، لأنه في الوقت نفسه، يجري الحفاظ على قناة دبلوماسية بقيادة ستيف ويتكوف، لإنجاز اتفاق يشمل وقف تخصيب اليورانيوم، ونقل المواد المخصبة لدولة متفق عليها، ومعالجة برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف تقديم الدعم لوكلائها في المنطقة".

وأكد أن "هذه محاولة لتحقيق نتيجة دون حرب، ولكن في ظل تهديد حقيقي، كما يسود اعتقاد في واشنطن بأن تحركاً عسكرياً قصيراً ومركزاً وعالي الكثافة قد يُضعف النظام الإيراني، ويُشجع على الاحتجاجات الداخلية، ومع ذلك، يدرك الأمريكيون خطر الانهيار غير المنضبط، والفراغ في السلطة، ومن هنا يأتي الحذر، رغم تراكم السلطة، لكن نقطة الحسم تكمن في أن ترامب هو من يقرر، وفوق كل الاستعدادات والسيناريوهات".

وأوضح أنه "على عكس الرؤساء السابقين، فهو يُركّز القرار في يديه، لاسيما فيما يتعلق بإيران، ولن يُحدد البنتاغون ولا وزارة الخارجية ولا الحلفاء ما إذا كان سيتم استخدام القوة وكيف؛ فالقرار يعتمد على اعتبارات ترامب، التي تجمع بين المصلحة الأمريكية والاعتبارات السياسية ونظرته الشخصية إلى "الصفقة"، ولذلك يجري إعداد النظام بأكمله، لكن لحظة التفعيل، أو التجنب، بيده".

وأضاف أن "بالتزامن مع التركيز الأمريكي على إيران، تحتل غزة المرتبة الثانية، ليس كساحة لصنع القرار العسكري، بل كساحة للإدارة والتنظيم، حيث يرى ترامب أنها مشكلة يجب إزالتها من طاولة المفاوضات لتحويل الانتباه إلى إيران، وبالتالي قد يمارس ضغطًا على تل أبيب أيضًا، يتركز احتمال الإكراه على ثلاثة مجالات: توسيع المساعدات الإنسانية وفتح المعابر؛ بدء إعادة إعمار مدنية محدودة عبر آلية تكنوقراطية دولية؛ وإعادة السكان إلى غزة بشكل تدريجي ومنضبط، تحت إشراف أمريكي وفحوصات أمنية".

وأشار أن "ترامب لن يفرض خطوة تعيد حماس كقوة عسكرية، ولن تضر بالتفوق الأمني الإسرائيلي، ولن يتصرف دون تعويض، وأي ضغط سيأتي كجزء من صفقة يقابلها دعم في الساحة الإيرانية، أو حرية العمل ضد حزب الله، أو أي مكسب سياسي آخر، وتعزز الاجتماعات بين ويتكوف وكوشنر نتنياهو هذا التقييم".

وأكد أن "الترتيب الأمريكي لأولوياتها الإقليمية يجعل سوريا ولبنان ساحتين هامشيتين مع احتمال التصعيد، لأن الإرهاق الاستراتيجي الأمريكي واضح في سوريا، بعد أن تخلت واشنطن فعلياً عن قضية الأقليات، بما في ذلك الأكراد، كجزء من التفاهمات مع تركيا والسعودية، أما دولة الاحتلال فلا تتخلى عن الدروز في جنوب سوريا، وتطالب بالحفاظ على سلطة ذاتية، وفتح ممر إنساني".

وختم بالقول إن "الولايات المتحدة تدعم الحراك الجاري في لبنان، لكنها لا تقوده، مما يجعله ساحة ثانوية طالما لم يندلع صراع واسع النطاق، فيما تسمح لدولة الاحتلال بحرية العمل العسكري فيه، ويتقبل المجتمع الدولي ذلك، رغم أن هجوما أمريكيا على إيران قد يُحوِّل لبنان إلى بؤرة توتر إذا انجرّ حزب الله لردّ فعل كجزء من الاستراتيجية الإيرانية".

تشير هذه القراءة الاسرائيلية إلى الأولويات الأمريكية في الإقليم تبدو واضحة، حيث تعتبر إيران هي العامل الحاسم، وغزة هي آلية التعامل، والباقي إدارة للمخاطر، وقد يُجبر ترامب دولة الاحتلال على اتخاذ خطوات مدنية في غزة، لكن ليس خطوة من شأنها تقويض أمنها، خاصة مع إيران، المسألة ليست مسألة قدرة، بل مسألة إرادة. وهذه الإرادة في يد ترامب.