تتواصل النقاشات الاسرائيلية
حول تضارب مصالحها مع مساعي الولايات المتحدة الإقليمية العديدة، وسط اتهامات إسرائيلية
عن عدم الفهم الأمريكي لواقع الشرق الأوسط، بما فيه من جوانب دينية وجغرافية وديموغرافية
متعددة.
وذكر حاييم غولوفنيتسيتس،
المستشرق والمعلق على شؤون الشرق الأوسط، أنه "لن يجرؤ إسرائيلي واحد على المساس
بسياسة الرئيس دونالد ترامب العديدة، ومساهمته الكبيرة في توفير أمن
الاحتلال، وتشمل
إطلاق سراح الرهائن، وقصف المنشآت النووية في
إيران، وتقديم الدعم الكامل لعدوانه في
سوريا ولبنان وغزة، ومع ذلك، يبقى الواقع على جميع الجبهات في المنطقة دون حل".
وأضاف في مقال نشرته
صحيفة يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "هذا يثير
مخاوف إسرائيلية
جدية من أن سعي الولايات المتحدة لعرض إنجازاتها بأي ثمن، بجانب نظامها المعقد من التحالفات
الإقليمية، والالتزامات المتناقضة التي قطعتها على نفسها لأطراف مختلفة، سيؤدي حتماً
للإضرار بدولة الاحتلال، لذا، تبدو المواجهة المباشرة بين الصديقين ترامب وبنيامين
نتنياهو أمراً لا مفر منه، بل وربما ضرورياً".
وأشار أن "الوضع
في الساحة الإيرانية، تبدو الولايات المتحدة رأس الحربة في العمل ضدها، لسنوات طويلة،
لاسيما في برنامجها النووي، وقد كسر ترامب، بصفته رئيسًا للولايات المتحدة في ولايته
الأولى، القواعد عندما انسحب من جانب واحد من الاتفاق النووي، وبلغت ذروة ذلك بقصف
منشآته النووية في فوردو وناتانز في 25 يونيو".
وأوضح أن "الأيام
الأخيرة شهدت كيف أن العالم حبس أنفاسه، بالتزامن مع اندلاع احتجاجات إيرانية غير مألوفة
ومختلفة، تضمنت استخدامًا واسع النطاق للأسلحة النارية من قبل المتظاهرين، على خلفية
أزمة اقتصادية كارثية، وأزمة مياه وكهرباء، وغضب شعبي عارم إزاء تحويل مليارات الدولارات
من الموارد إلى حلفائها في المنطقة".
وأكد أن "ترامب،
الذي ينعم بنشوة نجاحه في فنزويلا، هدد إيران، ووعد المتظاهرين بأن المساعدة قادمة،
ولا شك أن الوقت كان مناسبًا لاتخاذ إجراءات سريعة وفعالة في الأيام الأولى للاحتجاجات،
لكنه لم يحدث، مع أن هجمات كبيرة من قبل الشرطة والحرس الثوري وقوات الباسيج كان بمكن
أن تُحدث التغيير المنشود، وتُعطي المتظاهرين دفعة قوية، وعندما لم يحدث ذلك، نجحت
السلطات الإيرانية في قمع الاحتجاجات بقبضة حديدية، لدرجة ظهور خامنئي علنًا في مناسبة
حاشدة، مُظهِرًا ثقة كبيرة بالنفس وغير مُبالٍ بالاغتيال".
وأضاف أن "ترامب
تراجع عن خططه العدوانية ضد إيران، مما يُرجَّح أن الضغوط التي مارسها عليه حلفاؤه
من الدول العربية والإسلامية، مدفوعة بمصالح مُختلفة عن نظيرتها الإسرائيلية من حيث
النفط واستقرار أنظمتها، أي نتيجة خضوعه لأموال الخليج الكبيرة، وعلاقاته الوثيقة مع
تركيا وقطر، وحتى لو واصلت الولايات المتحدة تحركاتها في إيران في الأيام القادمة،
فقد تم تفريق المتظاهرين في الوقت الأكثر حساسية، وبالتالي فإن أي هجوم أمريكي على
إيران بات الآن بلا أي هدف عملي سوى استعادة صورة ترامب كقائد جدير بالثقة".
وأشار أن "الوضع
في سوريا يتمثل في الأشهر الأخيرة في انتهاج الولايات المتحدة سياسة غير معلنة، لكنها
بالغة الأهمية، فبعد أن رأت أن جهود نزع سلاح حزب الله في
لبنان أصبحت معقدة ومستعصية،
رغم بذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لمساعدة ودعم الحكومة والرئيس جوزيف عون، وبدأت
بالتخفيف من جهودها، وحوّلت اهتمامها بشكل رئيسي نحو سوريا، وهنا يُظهر ترامب ترحيبًا
حارًا بأحمد الشرع، ويدعوه لواشنطن، وقد أُلغي "قانون قيصر"، ورُفعت العقوبات
عن سوريا".
وأوضح أنه "بينما
تتجاهل الولايات المتحدة عمدًا التوغل التركي المستمر في سوريا، وتحويلها محمية تركية،
نشهد اليوم نتائج هذه السياسة، ولم يُحرز الاتفاق المُوقّع بين الأكراد، حلفاء الولايات
المتحدة، والنظام السوري أي تقدم، ولذلك بدأ النظام عملاً عسكرياً ضد قوات سوريا الديمقراطية
بتشجيع فعّال من أنقرة، التي أرسلت قوات خاصة للمنطقة في الأيام الأخيرة، ونجح في دفعها
شرقاً، وتجريدها من أصولها الاقتصادية والإقليمية، وسيطرتها على السجون التي يُحتجز
فيها سجناء داعش".
وأكد أن "التخلي
الأمريكي عن الأكراد، والتحالف الطويل الأمد معهم، بلغ ذروته مع تصريح توم باراك بأن
الوضع الجديد يُغيّر مبررات التحالف الأمريكي معهم، وبالتالي فإن عنوان السياسة الأمريكية
هو "مرحباً بأردوغان في سوريا، وهذه المرة من البوابة الرئيسية، وبتشجيع من ترامب".
وأضاف أن "الوضع
في
غزة بدا واضحاً لمن يُتابعون عن كثب الديناميكيات العربية الفلسطينية الداخلية أن
التوجه الناشئ لخطط "اليوم التالي" في غزة يختلف تماماً عن الفهم الإسرائيلي
له، وعلى مدى أشهر، دأب كبار المسؤولين الحكوميين في مصر وقطر وتركيا، والمتحدثين باسم
الفصائل الفلسطينية، على التأكيد عبر جميع المنابر أن غزة ستُدار حصراً من قبل الفلسطينيين،
وأن مسألة نزع سلاح حماس ليست مطروحة على جدول الأعمال".
وأشار أن "تعيين
لجنة التكنوقراط برئاسة مسؤول في السلطة الفلسطينية، وشخصيات مرتبطة بها، بجانب تعيينات
التركي أكان فيدان، والمصري حسن رشاد، وممثل قطري، لا يتوافق مع الالتزام بنزع سلاح
حماس، ليس هذا فحسب، بل إن أردوغان تلقى دعوة شخصية من ترامب للانضمام لمجلس السلام،
وفي ظل هذه الظروف، لن تُنزع سلاح حماس أبداً، وسيتم إغلاق أنفاقها حتماً رغم الجهود
التسويقية الأمريكية المكثفة".
تكشف هذه القراءة الإسرائيلية
المتشائمة أن الولايات المتحدة ستُصرف قريبًا "الشيكات" التي وزعتها على
مختلف الجبهات، وسيتعين على دولة الاحتلال قريبًا أن تُحدد، أمام الإدارة الأكثر تعاطفًا
معها في واشنطن، الخطوط الحمراء التي لن تتنازل عنها، أو أنها ستدخل في مواجهة غير
محمودة العواقب معها.