دخلت قوات الجيش السوري صباح اليوم الأربعاء إلى "
مخيم الهول" في ريف الحسكة الشرقي، بعد تطويقه منذ مساء الثلاثاء، عقب انسحاب حراسات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من محيطه.
وجاء دخول الجيش السوري إلى "مخيم الهول"، عقب أنباء عن فرار عشرات العائلات منه، بعد انسحاب حراسات "قسد".
وقالت وزارة الداخلية السورية، إن "قسد أقدمت على إطلاق سراح عدد من سجناء تنظيم "
داعش" وعائلاتهم من السجون، واليوم انسحب عناصرها المكلفون بحراسة مخيم الهول شرقي الحسكة دون أي تنسيق مع الحكومة السورية، أو التحالف الدولي في خطوة تهدف لممارسة الضغط على الحكومة بملف مكافحة الإرهاب".
من مخيم لجوء إلى "سجن مفتوح"
تأسس مخيم الهول مطلع التسعينيات لإيواء لاجئين عراقيين فرّوا من حرب الخليج، ثم أُعيد فتحه بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
لكن التحوّل الجذري في طبيعته جاء أواخر 2018 وبداية 2019، مع نقل عائلات مقاتلي
تنظيم الدولة إليه، عقب معركة الباغوز التي أنهت الوجود الجغرافي للتنظيم في شرق سوريا.
بعد سقوط الباغوز في آذار/مارس 2019، تدفقت عشرات آلاف النساء والأطفال إلى المخيم، ليخرج عملياً من تعريف “مخيم نازحين” إلى واقع “الاحتجاز الجماعي المفتوح” أو "معسكر اعتقال"، محاطاً بالأسلاك الشائكة ونقاط الحراسة، مع قيود صارمة على الحركة وغياب أي أفق قانوني واضح للمحتجزين.
أرقام صادمة
في ذروته، ضم مخيم الهول أكثر من 74 ألف شخص ضمن مساحة محدودة، قبل أن تنخفض الأعداد تدريجياً لتستقر مطلع 2026 عند 24 ألفا، مع تقديرات أمريكية رسمية باقتصار العدد على نحو 11-12 ألفاً.
ويعتبر "مخيم الهول" أكبر معسكر اعتقال جماعي للنساء والأطفال في القرن الـ21.
الغالبية الساحقة من هؤلاء نساء وأطفال، وأكثر من نصفهم دون سن الثامنة عشرة، كثيرون منهم وُلدوا داخل المخيم ولم يعرفوا عالماً خارجه.
ولا يقتصر الهول على السوريين والعراقيين، بل يضم رعايا من أكثر من 60 دولة، تتركز غالبيتهم في قسم منفصل شديد الحراسة يُعرف بـ”الملحق”، حيث تقيم نساء يُعدّن من أشد أنصار التنظيم، إلى جانب آلاف الأطفال، في عزلة شبه كاملة عن العالم.
علما أن مخيم آخر يسمى "روج" يضم بضعة آلاف من عوائل تنظيم الدولة الأجانب، ويقع في ريف مدينة المالكية بالحسكة.
ومنذ نحو 7 سنوات، تعنت دول أوروبية في تسلّم رعاياها من مخيم "الهول"، كما وافق العراق على استلام الآلاف من مواطنيه على دفعات.
ويعاني العائدون من "مخيم الهول" من وصمهم بالتطرف والإرهاب، حتى بعد خروجهم من "جحيم مخيم الهول".
معاناة يومية
عانى قاطنو المخيم من ظروف إنسانية قاسية، وعاشوا حياة بدائية: اكتظاظ شديد، خدمات طبية محدودة، نقص في المياه النظيفة، وحرائق متكررة بسبب وسائل التدفئة البدائية. في الشتاء تتحول الخيام إلى مستنقعات، وفي الصيف إلى أفران مفتوحة، بينما يبقى الأفق السياسي مسدوداً.
ورغم المناشدات المتكررة، رفضت معظم الدول استعادة مواطنيها، خاصة البالغين، وتتعامل مع الأطفال باعتبارهم “خطراً محتملاً” لا ضحايا بحاجة إلى إنقاذ.
هذا الرفض حوّل المخيم إلى منفى دائم، بلا محاكمات وبلا حلول، في "انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني"، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.
أطفال بلا مدارس.. وبلا طفولة
التعليم يكاد يكون غائباً عن الهول. فالقليل من الأطفال يستطيعون القراءة أو الكتابة، ومع إغلاق المراكز التعليمية منذ جائحة كورونا، بات “التعليم” في كثير من الحالات مقتصراً على ما تلقنه الأمهات داخل الخيام.
وبسبب حالة الفراغ والحرمان، تربى نسبة كبيرة من أطفال المخيم على مبادئ تنظيم الدولة، حيث نشأت فرق لـ"الحسبة"، وأظهرت مشاهد الأطفال وهم يرددون شعارات التنظيم، ويهددون المراسلين والصحفيين الأجانب بالقتل.
وفوق هذا، مارست "قسد" ممثلة بوحدات "الأسايش" سياسة "انتزاع الأطفال" من أمهاتهم عند بلوغ سن 12 أو 14 عاماً، لنقلهم إلى مراكز احتجاز أو "إعادة تأهيل" بذريعة منعهم من التطرف أو التزاوج داخل المخيم.
ووصفت "منظمة العفو الدولية" ومقررو الأمم المتحدة هذه الإجراءات بأنها "جريمة حرب" وانتهاك صارخ للقانون الدولي، حيث يُؤخذ الأطفال في عمليات عنيفة وتعسفية دون أي مسوغ قانوني أو قضائي.
ليس الهول وحده
الهول ليس المعسكر الوحيد ضمن منظومة الاحتجاز التي أدارتها “قسد”. فإلى جانبه، هناك مخيم روج، ومراكز احتجاز أخرى، إضافة إلى سجون ضخمة مثل سجن غويران (الصناعة) في الحسكة، الذي شهد هجوماً واسعاً عام 2022، كاد أن يتحول إلى أكبر عملية تحرير جماعي لمقاتلي التنظيم منذ هزيمتهم.
هذه الشبكة المتكاملة من المخيمات والسجون جعلت شمال شرق سوريا أكبر تجمع للمعتقلين المرتبطين بتنظيم الدولة في العالم.