كاتب إسرائيلي يسرد شخصية علي لاريجاني: فيلسوف النظام الإيراني وقائد قبضته الصلبة

أدار لاريجاني هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لمدة 11 عام- جيتي
أدار لاريجاني هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لمدة 11 عام- جيتي
شارك الخبر
نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقالاً للصحفي جدعون ليف تناول فيه شخصية المسؤول الإيراني علي لاريجاني، ومسيرته داخل النظام الإيراني، مستعرضاً صعوده من صفوف الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولا إلى موقعه الحالي كلاعب محوري في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.

ووصف الكاتب لاريجاني بأنه "سياسي بلا رحمة وفيلسوف لامع"، معتبرا أنه الرجل الذي يحدد مسار الأمور في إيران، وهو مفكر ألّف ثلاثة كتب عن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. وقال إنه غاص في كتاباته ليجد شخصية مراوغة ومتعددة الوجوه.

واستعاد الكاتب أحداث حزيران/ يونيو 2009 عندما اندلعت اضطرابات في جامعة طهران احتجاجا على التلاعب بنتائج الانتخابات، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصا.

وكان لاريجاني يشغل حينها منصب رئيس البرلمان الإيراني، حيث أدان فورا العنف ضد الطلاب، وزار بعض الأماكن التي أُصيب فيها المحتجون، متسائلا كيف يمكن مهاجمة شبان في مساكنهم في منتصف الليل، مؤكدا ضرورة احترام القانون، ومشيرا إلى وجوب تحمل وزير الداخلية المسؤولية عن تلك الأحداث.

وأشار الكاتب إلى أنه بعد 17 عاما، ومع اندلاع الاضطرابات في كانون الثاني/ يناير الماضي التي هددت النظام الإيراني أكثر من أي حدث آخر، تجاوز المرشد الأعلى علي خامنئي صلاحيات الرئيس وتوجه إلى لاريجاني، موضحا أن الأخير لم يطرح هذه المرة أي أسئلة.

واعتبر الكاتب أن لاريجاني يُعد العقل المدبر وراء نجاح القمع الذي واجه الاحتجاجات، والذي نُفذ بكفاءة شديدة، إذ تشير تقديرات مختلفة إلى مقتل ما بين 7,000 و36,500 مواطن، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات شخصية عليه، بينما اتهم لاريجاني المتظاهرين أنفسهم بالعمل كـ"إرهابيين بتوجيه من دولة الاحتلال".

وأوضح الكاتب أنه بعد اغتيال خامنئي يُنظر إلى لاريجاني بأنه الرجل الأقوى في إيران، إذ يمسك بالسلطة العليا في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية.

وأشار إلى أنه لم ينتخب خليفة للمرشد الأعلى، ليس فقط لأنه ليس ابنه، بل أيضا لأنه ليس رجل دين، وهو شرط أساسي لتولي المنصب، إلا أنه يبقى الشخصية المتوقع أن ترافق الزعيم الجديد في كل تفاصيل المرحلة المعقدة المقبلة.

اظهار أخبار متعلقة


وعن المسيرة الطويلة للاريجاني داخل مؤسسات النظام الإيراني، شغل خلال أربعة عقود مناصب مفصلية في مراكز القوة المختلفة، حيث كان ضابطا كبيرا في الحرس الثوري الإيراني، ووزيرا للثقافة، ومسؤولا عن الدعاية، ورئيسا للبرلمان، ومرشحا للرئاسة، ورئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ما يجعله جزءا أصيلا من بنية النظام الإيراني.

ولفت الكاتب إلى أن صورة لاريجاني لا تقتصر على كونه مجرد مسؤول متشدد في منظومة الحكم، إذ ظل طوال عقود عمله السياسي محتفظا بحبه الأكبر، وهو الفلسفة.

وأوضح أن السياسي الذي يوصف بالبرود هو في الوقت نفسه فيلسوف ومحاضر في الفلسفة بجامعة طهران، وخبير في تصور كانط للرياضيات والعلم، وقد ألف ما لا يقل عن ستة كتب فلسفية إضافة إلى العديد من المقالات.

وأشار الكاتب إلى أنه أمضى الأسبوع الأخير من الحرب غارقاً في كتابات لاريجاني، بقدر ما سمحت الظروف في ظل تعطل شبكة الإنترنت في إيران وحجب حتى المواقع الأكاديمية، ليكتشف مفكرا لامعا يجمع بشكل غير مألوف بين حياة الفكر وحياة الفعل.

وذكر الكاتب أن لاريجاني يسعى في كتاباته إلى الدفاع عن الفرضيات الأساسية لرؤيته الدينية المتشددة بالاستناد إلى قواعد الفلسفة الغربية، مقدما حججا قد تبدو في بعض الأحيان مثيرة للتفكير.

واعتبر أن قراءة أعمال لاريجاني تجربة مربكة؛ إذ تظهر من جهة شخصية براغماتية لا تتردد في توجيه نقد حاد للحكومة وتسعى إلى مجتمع حديث ومتطور وتكتب عن حرية التعبير والديمقراطية، بينما تكشف من جهة أخرى عن شخصية مسلم "أصولي" كما يعرف نفسه، ويدعو إلى قيادة دينية أيديولوجية.

ويؤمن لاريجاني أن الحرب الحقيقية ليست على الممتلكات المادية، بل على الروح، وهو يشخص أمراض العالم الغربي ويضع أمامه مرآة، هذه المرآة تكون أحيانا محفّزة فكريا، وأحيانا أخرى تثير نفورا عميقا.

ولد لاريجاني، البالغ من العمر 67 عاما، في عائلة وصفت سابقا بأنها المعادل الإيراني لعائلة عائلة كينيدي.

كان والد علي لاريجاني رجل دين شيعي بارز، كما ينتمي إلى عائلة لعبت أدوارا مؤثرة داخل مؤسسات النظام الإيراني، فشقيقه الأكبر الدكتور محمد جواد لاريجاني كان مستشارا مقربا للمرشد الإيراني علي خامنئي في شؤون السياسة الخارجية، ويعد جواد فيزيائيا درس الرياضيات في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وأسّس في إيران مركزا للفيزياء النظرية، وكان أول من حصل على إذن لإدخال الإنترنت إلى البلاد.

أما شقيقه الثاني صادق لاريجاني، ترأس السلطة القضائية في إيران لمدة عقد كامل، ويشغل منذ عام 2018 منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام.

في حين شغل شقيقه الأصغر محمد باقر لاريجاني منصب نائب وزير الصحة سابقاً، ويشغل حالياً منصب رئيس جامعة طهران للعلوم الطبية.

أما علي لاريجاني نفسه فتزوج من فريدة، ابنة مرتضى مطهري، التلميذ الأقرب لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني وأحد أبرز منظري الثورة الإسلامية.

وقال البروفيسور مهرزاد بروجردي، الباحث في شؤون إيران في جامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا، للمجلة الملحقة بصحيفة "هآرتس": "يمكنك رؤية بصمة العائلة في النظام القانوني والسياسة والعلوم".

وأضاف أن ما يشبه "آل كينيدي في إيران" هم مجموعة من المثقفين، موضحا أن حتى رجل الدين صادق لاريجاني درس الفلسفة الغربية وكتب كتبا عن فلسفة اللغة وفلسفة الأخلاق والفلسفة التحليلية، كما ترجم أعمال الفيلسوفين كارل بوبر وجيفري وورنوك.

ودرس علي لاريجاني للحصول على درجة البكالوريوس في الرياضيات وعلوم الحاسوب في جامعة شريف للتكنولوجيا، التي تعد أفضل مؤسسة في هذا المجال في إيران. ثم غيّر مساره الأكاديمي لاحقاً وواصل دراسة الماجستير والدكتوراه في الفلسفة، حيث كتب أطروحته حول فلسفة الرياضيات لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. و

نشر لاحقاً ثلاثة كتب عن كانط، إضافة إلى كتب أخرى في الفلسفة السياسية والحكم، فضلاً عن العديد من المقالات الأكاديمية المنشورة في مجلات باللغة الفارسية.

يمكن فهم اختيار لاريجاني لكانط في ضوء السياق الفكري الذي نشأ فيه عقب ثورة عام 1979، التي شهدت للمرة الأولى في العصر الحديث قيام نظام ثيوقراطي يقوم على قوانين دينية.

وحاول مؤيدو الثورة تقديم الإسلام كأيديولوجيا كاملة قادرة على تقديم بديل فلسفي للعالم الحديث، ولعب المثقفون دوراً مركزياً في صياغة رؤية الجمهورية الإسلامية للعالم. وكانت الفكرة المطروحة آنذاك أن الحضارة الغربية وصلت إلى نهايتها وتواجه أزمات مثل الاغتراب والوحدة، وأن الحل يكمن في التخلي عن الفردانية الغربية والإنسانية المتشككة واقتلاع جذور الحداثة التي اعتُبرت "متعفنة".
ويقول بروجردي إن إيران ليست مجرد دولة كاريكاتورية لرجال الدين، بل تشهد نقاشات فكرية عميقة، إذ يحاول كثير من الإيرانيين فهم موقع التقاليد وما الذي يمكن تعلمه من الغرب، مشيراً إلى أن خريجي الجامعات هناك مطالبون بقراءة نصوص أساسية في الفلسفة الغربية.

ويضيف أن الفكرة السائدة في إيران تقوم على ضرورة فهم الفلسفة الغربية لفهم الفلسفة الإسلامية وتطويرها، لافتاً إلى أن روح الله الخميني نفسه درس أفلاطون وأرسطو، وأن تصوره للقيادة الدينية يمثل نوعاً من التنويع على فكرة "الملك الفيلسوف" لدى أفلاطون.

ومع ذلك فإن اختيار لاريجاني التخصص في فلسفة كانط تحديداً ليس أمراً بديهياً، إذ إن الفلسفة النقدية لكانط تعد أحد أبرز تعبيرات عصر التنوير وترتبط بالعلمانية وتعارض الأصولية بوضوح، وهو ما يجعلها جزءاً من الحركة الفكرية التي قامت الثورة الإسلامية ضدها.

اظهار أخبار متعلقة



ومع ذلك اختار لاريجاني مواجهتها والسعي إلى استمداد نوع من الشرعية الفكرية منها.

وتقول الدكتورة عفراء ريختر من قسم الفلسفة في جامعة تل أبيب إن تدريب لاريجاني الأساسي كان تدريباً رياضياً، وإن هناك علاقة بين الرياضيات والأخلاق واللاهوت لدى كانط، وهي علاقة تناولها عدد محدود من الباحثين. وتشير إلى أن كانط تناول في أحد نصوصه المبكرة سؤالاً حول إمكانية وجود يقين في اللاهوت كما في الرياضيات، وأجاب بالإيجاب.

وتضيف ريختر أن لاريجاني يربط بين أكثر أجزاء فلسفة كانط تجريداً وبين الاحتياجات العملية للدولة، بحيث يسمح من جهة باستمرار العالم الإسلامي الأيديولوجي، ومن جهة أخرى يحد من مركزية الفكر الديني، وتوضح أن من الأمثلة المثيرة في عمله مقالاً يتناول طبيعة البرهان الرياضي، وما الذي يجعل سلسلة من الادعاءات برهاناً، والعلاقة بين الحدس والبرهان الرياضي في فلسفة كانط.

وتقول إن لاريجاني يحاول في هذا المقال إظهار أن الفرق بين الحجة الفلسفية والبرهان الرياضي لا يكمن في الحجة نفسها بل في الفرضيات أو المسلمات التي ينطلق منها الباحث.

ومن هنا ينتقل إلى نقاش إحدى القضايا المركزية في فلسفة العلم المعروفة باسم "مشكلة التمييز"، التي تتعلق بالتمييز بين النظريات العلمية وغير العلمية، ومنها التفسيرات الدينية التي يرى بعض الفلاسفة أنها ينبغي أن تخضع للنقد العلمي.

وقد كان الحل الشائع لهذه المشكلة يقوم على اعتبار القضايا القائمة على الملاحظة التجريبية وحدها قضايا علمية، بينما تعد القضايا الميتافيزيقية التي تتناول طبيعة الواقع ووجود الله والعلاقة بين الجسد والنفس عديمة المعنى بطبيعتها. لكن الفيلسوف كارل بوبر اقترح معياراً آخر يتمثل في قابلية النظرية للاختبار والتفنيد.

غير أن لاريجاني جادل ضد مبدأ القابلية للتفنيد الذي طرحه بوبر، معتبراً أن عدم قابلية بعض النظريات للتفنيد لا يعني أنها عديمة المعنى.

وقال في إحدى محاضراته إن سؤال بوبر لم يكن عن سبب وجود المعنى أو ما هو الصحيح، بل عن رسم الحدود بين الأنظمة النظرية للعلوم التجريبية والأنظمة الأخرى.
وبحسب لاريجاني فإن الميتافيزيقا، مثل العلم، تمثل تعبيراً منهجياً عن سعي الإنسان إلى الحقيقة، لكنها تتعامل ببساطة مع حقائق في مجالات مختلفة.

وترى ريختر أن تركيزه على مشكلة التمييز وعلى منهج كانط يخدم محاولته التوفيق بين المؤسسات الدينية والجامعات الحرة، بما يسمح بإنقاذ التعليم العالي من قبضة المؤسسات الدينية المركزية في إيران.

وتضيف أن لاريجاني يستخدم تصور كانط المنهجي بطريقة بحثية غير تقليدية وغير دوغمائية، إذ يوظف الجوانب الأكثر تجريداً في فلسفة كانط لأغراض بلاغية وسياسية تتجاوز ما قصده رجال الدين.

وبحسب تصوراته، ستتولى المدارس الدينية دراسة الدين، بينما تواصل الجامعات عملها الأكاديمي، مع نوع من التواضع المتبادل بين المقاربات المختلفة باعتباره السبيل الوحيد لازدهارها جميعاً.

ويتساءل لاريجاني في أحد نصوصه عن سبب السعي إلى إقامة مجتمع ديني رغم أن هذا المشروع لم يتحقق بنجاح في التاريخ.

ويجيب بأن الفرق بين المجتمع الديني والحضارة الغربية يكمن في أن المجتمع الديني موجه نحو البحث عن الحقيقة ويعمل بعقلانية، بينما الحضارة الغربية موجهة نحو البحث عن المتعة وتحركها العاطفة.
وفي أحد خطاباته تناول لاريجاني التوتر بين الدين والعلم، معتبرا أن التوفيق بينهما لا يتحقق عبر إيجاد موضوعات مشتركة، بل عبر الاعتراف بأن للحقيقة وجوهاً متعددة تتكشف عبر مجالات مختلفة من البحث.

وقال إن كل مجال يكشف جزءاً من الحقيقة، وإن كثيراً من الخلافات تنشأ عندما تنتقل نتائج مجال معين إلى مجالات أخرى دون اتباع منهجيتها الخاصة.

ورغم أن العلم والدين قد ينتميان إلى مجالين مختلفين من البحث، فإنهما يتصادمان أحياناً، وعندما يحدث هذا التصادم فإن اختيار لاريجاني يكون واضحا.

خدم علي لاريجاني في الحرس الثوري الإيراني خلال ثمانينيات القرن الماضي أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ووصل على مر السنين إلى رتبة عميد التي تعادل رتبة لواء.

كما عمل في مركز الأبحاث التابع للحرس الثوري، حيث حاول تطوير بنية نظرية لعقيدة "ولاية الفقيه" التي تشكل العمود الفقري للبنية السياسية في إيران.

ومن هناك بدأ صعوده السريع داخل النظام، ففي عام 1992 عُيّن وزيراً للثقافة خلفاً للإصلاحي محمد خاتمي، وبقي في هذا المنصب لمدة عامين شدد خلالهما الرقابة في مختلف مجالات الثقافة داخل البلاد، وخلال تلك الفترة جرت محاولات لمحو أو تغيير مقاطع من الأعمال الأدبية الكلاسيكية في إيران بدعوى أنها تثير المعارضة أو أنها غير لائقة.

وأدى نجاحه في هذا المنصب إلى تعيينه مديراً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عام 1994، وهي المؤسسة التي تحتكر البث الإذاعي والتلفزيوني في البلاد.

وعلى مدى أحد عشر عاما، سيطر لاريجاني على آلة الدعاية الإيرانية ووسعها بشكل كبير، إذ أنشأ ست محطات إذاعية وخمس قنوات تلفزيونية، في حين كان عدد القنوات لا يتجاوز قناتين فقط قبل توليه المنصب، كما عمل في الوقت نفسه على تقليص بث البرامج الأجنبية وتشديد قبضة النظام على البث الإعلامي.

ويمكن تلمس أنماط تفكير علي لاريجاني في الطريقة التي أدار بها ذراع الدعاية الإيرانية. فقد رأى أن الإعلام والفن يقومان على بنية فلسفية تصوغها افتراضاتهما الميتافيزيقية.

وقال في هذا السياق: "إذا فحصنا وجهة النظر الغربية منذ القرن التاسع عشر، سنجد منظورا يتركز بالكامل على الإنسان. كل شيء في العالم يجب أن يُنظَّم بحيث يستطيع البشر العيش بسعادة، وكل قيد يُفرض على الإنسان موجود فقط لمنع الضرر. هذا هو نوع التفكير الذي ينعكس أيضا في التلفزيون والسينما".

اظهار أخبار متعلقة


وسعى لاريجاني إلى بناء الإعلام الإيراني على المبادئ الفكرية للجمهورية الإسلامية. وبحسب رؤيته، فإن القيمة الوحيدة للفن هي أن يكون أداة في البحث عن الحقيقة. وقال: "الإنسان موجود لكي يكتشف الحقيقة. يستخدم الفن العاطفة والإحساس، لكن ليس بشكل اعتباطي. يجب أن يكون اتجاه الفن نحو السمو".

وشدد لاريجاني على ما اعتبره عمق الأعمال الإيرانية، وقال: "لا أقصد التعميم فهناك أعمال عميقة أيضا في الغرب لكن عادة ليس إلى هذا الحد، في هوليوود لا يمكن اعتبار سوى جزء صغير من الأفلام عميقا. الأعمال الإيرانية مختلفة بسبب توجهها الروحي والفكري".

وفهم لاريجاني قوة الثقافة والإعلام في تغيير وعي الجماهير، وقال: "للتحول الثقافي منهجيته الخاصة. يجب أن تتغير المعتقدات، وعلى البشر أن يغيروا سلوكهم بإرادتهم، لا يمكن فرض التغيير الثقافي عبر ضغط اجتماعي قاس، الصرامة المفرطة تؤدي إلى رد فعل قوي. إذا كانت لدينا مشكلات اجتماعية وثقافية، فإن حلها يوجد في الوسائل الثقافية".

وبحسب المجلة الإلكترونية "طهران بيورو"، فقد رسخت هيئة الإذاعة والتلفزيون، تحت إدارة لاريجاني، سيطرة المتشددين على مؤسسات الدولة المهمة.

وعلى سبيل المثال، بادر إلى برنامج تلفزيوني حمل اسم "الهوية" ("هويات") شُن فيه هجوم حاد على مثقفين تقدميين ومنتقدي الجمهورية الإسلامية، وكثيرا ما كان البرنامج أساسا لمحاكمة معارضي المؤسسة الحاكمة وسجنهم، كما أسس لاريجاني صحيفة يومية هاجمت الإصلاحيين.

وقبل زمن طويل من عصر الذكاء الاصطناعي، تخصص لاريجاني في الأخبار الزائفة، ففي عام 1997 وافق على إنتاج فيلم ظهرت فيه، ظاهريا، مجموعة من مؤيدي محمد خاتمي الإصلاحي، الذي كان يترشح للرئاسة آنذاك، وهم يرقصون ويغنون في يوم ذكرى مقتل الإمام الحسين، الشخصية المقدسة الأبرز في إيران. وكانت تلك الصور مزيفة.

وكان لاريجاني، الذي سيطر على آلة الدعاية الإيرانية وتخصص في الأخبار الزائفة قبل 30 عاما، يدرك قوة الثقافة في تغيير وعي الجماهير.

وقال: "يجب على البشر أن يغيروا سلوكهم بإرادتهم"، ومن بين ما بادر إليه أيضا برنامج تلفزيوني وصحيفة يومية هوجم فيهما مثقفون تقدميون.

وبعد أكثر من عقد على رأس ذراع الدعاية، واصل لاريجاني شغل مناصب مستشار شخصي لعلي خامنئي، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهي مناصب استمر فيها حتى عام 2007.

ويتولى المجلس مسؤولية تحديد سياسات الدفاع والأمن القومي، وكذلك الاتصالات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

وهكذا أصبح لاريجاني المسؤول الرئيسي عن المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، ولعب دورا محوريا في صياغة موقف إيران من الاتفاق النووي لعام 2015. وقد أظهر نهجا براغماتيا يدعم الدبلوماسية لتقليل العقوبات، لكن من دون التخلي عن أمن إيران.

وفي عام 2005 ترشح لاريجاني للرئاسة، لكنه خسر أمام محمود أحمدي نجاد، وكجزء من حملته الانتخابية، انتقد القيادة الإصلاحية بقيادة خاتمي، مدعيا أنها أهملت الاقتصاد، وقال: "75% من مطالب الشعب الإيراني اقتصادية. فقط 5% ثقافية أو سياسية".

والتقى جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا السابق، في تلك الفترة بكل من لاريجاني وأحمدي نجاد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

واستذكر لاريجاني بوصفه شخصية أكثر تعقيدا من الرئيس الإيراني آنذاك. فبينما كان أحمدي نجاد يرتدي ملابس "من أوائل الثمانينيات"، حضر لاريجاني "مرتديا قميص بولو من Ralph Lauren مكويا بعناية"، كما كتب سترو في مذكراته.

وفي كتاب نشره في العام نفسه بعنوان "عهد مع الشعب"، طرح لاريجاني تصورا لـ"إيران جديدة — إيران تسعى إلى إعلان نهاية عصر التخلف وتحقيق نهضة علمية وتكنولوجية إلى جانب زيادة الثروة الوطنية. ولذلك فهي تختار في هذه المرحلة الاقتصاد كأولوية عليا".

ويعرض هذا الكتاب خطة تحول نحو "دولة حديثة"، ويركز على قضايا مثل التقدم العلمي والتكنولوجي، والإصلاح الديني، ومكافحة الفساد الاقتصادي داخل أجهزة الدولة، ومعالجة هجرة العقول، وكذلك "الحفاظ على الهوية الوطنية الإيرانية في عملية العولمة".

ويرافق التوتر بين هذين الجانبين رؤية لاريجاني طوال حياته، فمن جهة، هو براغماتي يعترف بأهمية العلم والتكنولوجيا والاقتصاد ويسعى إلى مجتمع حديث، ومن جهة أخرى، هو أصولي.

وفي أحد كتبه، عرض لاريجاني برنامجا لتحويل إيران إلى "دولة حديثة"، يشمل التقدم العلمي والتكنولوجي، والإصلاح الديني، ومكافحة الفساد الاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ومعالجة هجرة العقول.

وفي كتاب صدر عام 2024 بعنوان "العقل والتدبير في الحكم"، وجه نقدا صريحا إلى البنية السياسية في الدولة.

ويمكن ملاحظة هذا التوتر أيضا داخل عائلته المباشرة، فإحدى بناته طبيبة وباحثة في السرطان في الولايات المتحدة، نشرت نحو 60 مقالا في مجلات علمية، وقد فُصلت أخيرا من منصبها في جامعة إيموري في الولايات المتحدة بسبب دور والدها في إيران.

ويبدو، بناء على ذلك، أن لاريجاني ربى ابنته على الاستقلال والنجاح الشخصي. لكن زوجته فريدة تحدثت، في مقابلة نادرة، عن آرائه بشأن مكانة المرأة. وبحسب قولها، فإنه رغم اعتقاده بوجود نساء يمكن أن يشغلن مناصب رئيسية أفضل من الرجال، إلا أنه يرى أن مسؤولياتهن في إدارة المنزل وتربية الأطفال تجعل من الأفضل ألا تكون لهن أدوار خارج المنزل.

وفي حديث له عن الحرية الإنسانية، قال لاريجاني ببساطة إن جميع البشر، بحكم كونهم بشرا، لهم الحق في الحرية. وقال: "طبيعة الإنسان تقتضي أن يكون حرا لكي يفكر. لذلك فإن حرية الفكر حق".

لكن هنا يأتي "لكن" كبير، يشرعن عمليا نوعا من شرطة الفكر، فحجته تقول إنه كما أن النظام المنطقي يجب أن يكون أساس التعلم، ولذلك ينبغي رفض كل فكرة لا تمتلك ترابطا منطقيا وعدم نشرها في المجتمع، كذلك الأمر في الأخلاق.

وقال: "كل ما يمكن أن يرفع المجتمع روحيا يجب أن يتمتع بالحرية في مجاله وأن يحتوي تنوعا في الأذواق والميول، أما كل ما يؤدي إلى الانحدار الاجتماعي فيجب اعتباره خارج حدود الحرية الروحية". ومن يقرر ما الذي يؤدي إلى السمو وما الذي يؤدي إلى الانحدار؟ لاريجاني بالطبع.

وقال أمورا مشابهة عن الديمقراطية: "قد لا تكون الديمقراطية دائما النظام المثالي، لكنها النظام الأكثر قبولا. إنها مسار منهجي — نهج عملي لتوجيه المجتمع نحو النجاح.

يكون المجتمع أكثر نجاحا عندما تحظى حكومته بقبول واسع من مواطنيه. لكن كما أن حرية الفكر الروحي تحتاج إلى إطار، كذلك تحتاج الديمقراطية إلى إطار. ما معنى هذا الإطار؟ إنه إطار يقود إلى هدف، والهدف هو رفاه الأمة".

وهنا ينتقل الطرح إلى مناطق ميتافيزيقية ستكون شديدة الصعوبة على الإنسان الليبرالي.

ففي الفكر الميتافيزيقي الليبرالي، لا يملك المجتمع كمالا وجوديا خاصا به، بل هو مجرد مجموعة أفراد يرتبط بعضهم ببعض بعقد اجتماعي.

أما وجهة نظر لاريجاني فتختلف. إذ يقول: "للمجتمع هوية وجودية منفصلة عن الفرد. أي إن تشابك أرواح الأفراد داخل أمة يخلق روحا جماعية مستقلة. وإذا اعترفنا بهذه الهوية المستقلة فعلينا الاعتراف أيضا بحقوقها، ووفق الفكر الإسلامي فإن لهذه الروح الجماعية اتجاها فهي تسعى إلى الازدهار والخلاص".

وإذا كان الأمر كذلك، فيجب تصميم أطر توجه الديمقراطية نحو هدفها وفقا لمبادئ الإسلام، وبكلمات أخرى: "التشريع في الدولة يكتسب معنى عندما يكون متوافقا مع المبادئ ومع الغاية".

وشغل لاريجاني منصب رئيس البرلمان الإيراني ثلاث مرات متتالية بين عامي 2008 و2020، ما رسخ مكانته كشخصية مركزية أيضا في المجال التشريعي.

وخلال فترة ولايته، عمل على تمرير الاتفاق النووي في البرلمان، لكنه شدد أيضا القمع ضد الجهات التي حاولت تقويض النظام. وقد أكسبه الجمع بين النهجين صورة المحافظ البراغماتي.

وجعلته قدرته على اللعب في الساحتين شخصية توفيقية في إيران، قادرة على بناء توافق حتى في الظروف الصعبة، ومع ذلك، أثار أيضا انتقادات من الأوساط المتشددة في النظام.

وعندما حاول الترشح للرئاسة مرتين إضافيتين، في 2021 و2024، رُفض ترشيحه بسبب نمط حياة اعتُبر غير متدين بما يكفي.

ويقول البروفيسور ليئور شترنفيلد، الباحث في شؤون إيران في جامعة ولاية بنسلفانيا: "ليس لديه عقيدة سياسية يمكن بسهولة تصنيفها في هذا الجانب أو ذاك. آراؤه في بعض القضايا تميل أكثر نحو الوسط السياسي مقارنة بخامنئي مثلا".

وحتى وإن لم يتمكن من انتخابه رئيسا، فقد واصلت قوته السياسية التزايد، ففي عام 2021 عُين لاريجاني مسؤولا عن المفاوضات مع الصين لتوقيع اتفاق تعاون استراتيجي لمدة 25 عاما بقيمة مليارات الدولارات. وعلى مر السنين زار موسكو مرات عديدة بصفته مبعوثا لخامنئي، والتقى هناك بفلاديمير بوتين، محافظا على العلاقات الوثيقة بين الدولتين. كما كان مبعوث خامنئي إلى دمشق وبيروت.

ومنذ عام 2020 يشغل أيضا منصبا في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة قوية تشرف على البرلمان وتمتلك صلاحية رفض القوانين والمرشحين للانتخابات، وقد شغل منصبا فيه أيضا بين 1997 و2008.

وفي خطاب عن الحرية الإنسانية، قال: "طبيعة الإنسان تقتضي أن يكون حرا لكي يفكر، لذلك فإن حرية الفكر حق"، لكن هنا يأتي "لكن" كبير، فبحسب رأيه: "كل ما يرفع المجتمع روحيا يجب أن يتمتع بالحرية، أما كل ما يؤدي إلى الانحدار الاجتماعي فيتجاوز حدود الحرية".

وفي الوقت نفسه، يواصل لاريجاني توجيه انتقادات حادة للحكم من داخل المؤسسة نفسها. ففي عام 2024 نشر كتابا بعنوان "العقل والتدبير في الحكم"، أكد فيه أهمية التفكير المنطقي في اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية، وقدم نقدا صريحا للبنية السياسية، بل وكتب عن الحاجة إلى تفسير جديد لدستور الجمهورية الإسلامية.

ومن بين اقتراحاته إنشاء مجلس يعالج العيوب البنيوية في الدولة، ومنها، بحسب قوله، تراجع رأس المال الاجتماعي، وضعف القدرة الإدارية، وتصدع التماسك الوطني، ونقص الابتكار. ونهجه براغماتي للغاية وموجه نحو الحلول.

لكن الحل الأبسط للمشكلات يرفضه لاريجاني، ففي مقال نشره في حزيران/ يونيو 2024، سأل: لماذا، رغم وجود نموذج ناجح لإدارة المجتمع يتمثل في الحضارة الغربية، ينبغي السعي إلى تحقيق مجتمع ديني، وهو أمر يعترف بأنه لم يتحقق بنجاح في التاريخ؟ ووفق قوله: "الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أصل الاختلاف بين وجهتي النظر: المجتمع الديني والحضارة الغربية.

ووفق هذا التصور، المجتمع الديني موجه نحو البحث عن الحقيقة ويعمل بعقلانية، بينما الحضارة الغربية موجهة نحو البحث عن المتعة وتحركها العاطفة".

وفي العام الماضي، ومع تصاعد التوتر مجددا حول البرنامج النووي مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، استُدعي لاريجاني مرة أخرى إلى منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي.

وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، كان هو المسؤول عن الرد الإيراني على الهجوم الإسرائيلي والأمريكي في حزيران/ يونيو الماضي، بما في ذلك إطلاق مئات الصواريخ الباليستية على "إسرائيل".

ومع وفاة علي خامنئي في بداية الحرب، وضع لاريجاني نفسه كشخصية محورية داخل النظام. وهو المسؤول عن تنسيق الردود المعقدة، العسكرية والسياسية، على التهديد الذي يواجه مؤسسات الحكم المختلفة، بما في ذلك إطلاق النار على الدول العربية المجاورة.

كما أن خلفيته رئيسا لهيئة البث تخدمه الآن أيضا فهو يكتب على منصة"إكس" ويستهدف مباشرة قلب الخلاف داخل الجمهور الأمريكي، فقد كتب في أحد منشوراته: "ترامب استسلم لحيل نتنياهو المهرجية وجرّ الجمهور الأمريكي إلى حرب غير عادلة مع إيران"، وكتب في منشور آخر أن "ترامب خان فكرة 'أمريكا أولا' لصالح 'إسرائيل أولا'".

وفي ظهوره العلني، يعرض لاريجاني موقفا متشددا، ويعد بأن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ستدفعان ثمنا باهظا و"ستندمان على خطواتهما"، بل إنه هدد الرئيس الأمريكي صراحة هذا الأسبوع، فكتب: "الشعب الإيراني لا يخاف من تهديداتك، احذر وإلا ستكون أنت من يُقضى عليه".

وفي مؤلفه "الدولة"، وصف أفلاطون الدولة المثالية بأنها مجتمع مثالي لا يمكن أن تكون فيه "نهاية لمصائب الدول" إلا داخله، وقد سماها "كاليبوليس".

وما يميز كاليبوليس عن سائر الدول أمر واحد، هو أن قائد الدولة فيلسوف، أي إن "السلطة السياسية والفلسفة ستجتمعان في مكان واحد".

واستعرض الكاتب نماذج تاريخية قليلة للملك الفيلسوف، مشيرا إلى الإسكندر الأكبر الذي تتلمذ على أرسطو، وماركوس أوريليوس صاحب "التأملات"، ثم فريدريك العظيم، وتوماش ماساريك أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا، قبل أن يخلص إلى أن الفلاسفة خرجوا في الغالب من دوائر الحكم، باستثناء حالات نادرة.

ورأى ليف أن الحرب الحالية أظهرت علي لاريجاني بوصفه واحدا من اللاعبين المركزيين في إيران، فهو فيلسوف يمتلك نفوذا سياسيا واسعا، لكنه لا يبدو، معنيا بإنهاء "مصائب الدول".

وأضاف أن لاريجاني يبدو من جهة مفكرا يبحث بعقلانية عن حياة أفضل، لكنه يقترب في ممارسته من صورة "الأمير" عند نيكولو مكيافيلي، حيث تصبح المحافظة على القوة والسلطة القيمة العليا.

وأشار ليف إلى أن باروخ سبينوزا عارض فكرة النظام السياسي القائم على حكمة فرد واحد، معتبرا أن الدولة يجب أن تقوم على مؤسسات وقوانين تضبط القوة وتضمن قدرا من الحرية والاستقرار، لا على عبقرية الحاكم.

كما استحضر رأي كارل بوبر الذي رأى أن السؤال السياسي الأهم ليس من يحكم، بل كيف تُبنى مؤسسات تمنع الحكام السيئين أو غير الأكفاء من إلحاق ضرر كبير.

وأضاف الكاتب أن هذا النموذج المؤسسي يوجد بصورة متينة نسبيا في دولة الاحتلال، ويمكن ملاحظة أثره في الاقتصاد وفي ميزان القوى العسكري الحالي مقارنة بإيران، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن مفكرين دينيين وأيديولوجيين يسعون دائما إلى تفكيك مثل هذا البناء بدافع اقتناعهم المطلق بصواب أفكارهم.

وأشار إلى أن نقد لاريجاني لبعض مسلمات الفكر الغربي ودعوته إلى تجاوز الحداثة يستحقان النظر، لكن أفعاله تجاوزت، في رأيه، ما يمكن تبريره فلسفيا.

ورأى الكاتب أن لاريجاني ليس بطلا تراجيديا، بل رجل تخلى عن الخير من أجل الإيمان، قبل أن يختم باستعارة دينية قائلا إن إبراهيم كان مستعدا لذبح ابنه، لكنه "لم يُنزل السكين".
التعليقات (0)