عقدت شبكة الوعي العربي
ندوة فكرية وسياسية
عبر منصة زوم، مساء أمس الأربعاء، بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لانتصار
الثورة
التونسية وانطلاق موجة ثورات الربيع العربي. وخُصصت الندوة لتقييم ما آلت إليه
الثورة التونسية، ليس بوصفها حدثًا وطنيًا فحسب، بل باعتبارها شرارةً لمسار عربي
واسع شمل عددًا من الدول، وما رافقه من تحولات وانتكاسات وأسئلة مفتوحة حول
المستقبل.
وشارك في الندوة، إلى جانب الدكتور رفيق عبد
السلام وزير الخارجية التونسي الأسبق الذي أدار النقاش، كل من الدكتور عزام
التميمي الكاتب والباحث الفلسطيني، والدكتور أسامة أورشيد الكاتب والباحث
الفلسطيني، والدكتور الأمين البوعزيزي من تونس، حيث قدم المتحدثون قراءات تحليلية
معمقة لتجربة الربيع العربي، وسياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، ودروسها
السياسية والفكرية بعد مرور خمسة عشر عامًا على انطلاقها.
وأكد وزير الخارجية التونسي الأسبق الدكتور
رفيق عبد السلام أن السردية الشائعة القائلة بانتهاء ثورات الربيع العربي وإغلاق
أبواب التغيير لا تعكس حقيقة الواقع العربي، مشددًا على أن المنطقة ما تزال تعيش
ارتدادات تلك الثورات، في ظل حروب أهلية، وأزمات بنيوية، وصراع مفتوح بين قوى
التغيير وقوى الثورة المضادة.
هل كانت ثورة أم انتفاضة عابرة؟
واستهل عبد السلام الندوة بطرح الإشكالية
المركزية التي لا تزال تلاحق الربيع العربي: "هل ما جرى في يناير/كانون الثاني 2011
كان مجرد انتفاضة عابرة، أم ثورة حقيقية عبّرت عن توقٍ عميق للتغيير؟"
وأشار إلى أن توصيف هذه الأحداث لا يزال محل
خلاف، بين من يراها ثورات حقيقية أُجهضت، ومن يعتبرها حركات عابرة، أو ثورات تم "السطو
عليها"، لافتًا إلى أن الثورات المضادة لعبت دورًا حاسمًا في إرباك المشهد
العربي عبر المال السياسي والإعلام الموجَّه.
أورشيد: ما حدث كان زلزالًا تاريخيًا
من جانبه، شدد الدكتور أسامة أورشيد على
ضرورة قراءة الربيع العربي في سياقه التاريخي، معتبرًا أن ما جرى قبل 15 عامًا كان
"صدعًا زلزاليًا" لم يكن أحد يتوقعه، إذ سقطت أنظمة وُصفت لعقود بأنها
عصية على التغيير.
وقال أورشيد إن فشل الانتقال الديمقراطي لا
يعني فشل الثورة ذاتها، موضحًا أن الارتدادات لا تزال قائمة، وأن العودة إلى أنظمة
أكثر قمعًا مما سبق تؤكد عمق الأزمة البنيوية في النظام العربي، محذرًا من أن
الأنظمة مستعدة "لحرق البلدان من أجل البقاء".
التميمي: الحكم على الثورات يحتاج معرفة
التاريخ
بدوره، دعا الدكتور عزام التميمي إلى التريث
في إصدار الأحكام على ثورات الربيع العربي، معتبرًا أن الثورات بطبيعتها تأتي على
موجات، وأن كثيرًا من المعطيات الحاسمة لا تزال مخفية، إما مع من قضوا، أو من هم
في السجون والمنافي.
وانتقد التميمي ما وصفه بـ "جلد الذات"
داخل المجتمعات العربية، ولا سيما داخل التيارات الإسلامية، محملًا مسؤولية
الإجهاض للتحالف بين قوى محلية وإقليمية، والكيان الإسرائيلي، وبعض القوى الغربية
التي شعرت بأن هذه الثورات تهدد مصالحها.
وأكد أن الحركات الإسلامية التي وصلت إلى
السلطة عبر صناديق الاقتراع لم تُمنح فرصة حقيقية للحكم، وأن الانقلابات جاءت حين
بدا أن هذه التجارب قد تفرز نموذجًا مختلفًا.
البوعزيزي: المشكلة في نموذج الدولة لا في
الثورة
أما الدكتور الأمين البوعزيزي، فقدم قراءة
بنيوية ناقدة، معتبرًا أن جوهر الأزمة يكمن في نموذج الدولة الوطنية القطرية
الموروثة عن الاستعمار، والتي تحولت إلى “استعمار داخلي” أشد قسوة من الاحتلال
الأجنبي.
وقال إن الثورات العربية كانت ثورات مواطنية
ما بعد هوياتية، ثارت ضد دولة مركزية قهرية، لا ضد أنظمة بعينها فقط، محذرًا من أن
تجاهل إصلاح نموذج الدولة جعل قوى الثورة تتحول ـ دون قصد ـ إلى "حراس"
على بنية الدولة القديمة.
وأضاف أن الغرب انقلب على الربيع العربي حين
أدرك أن الديمقراطية قد تأتي بقوى ترفض التطبيع وتدعم المقاومة، مشيرًا إلى أن
الفيتو على الثورات كان في جوهره أمريكيًا ـ إسرائيليًا.
هل انتهت الثورات أم تنتظر موجة جديدة؟
واختُتمت الندوة بنقاش مفتوح حول مستقبل
التغيير في العالم العربي، حيث أجمع المشاركون على أن ما حدث عام 2011 لم يكن
نهاية المطاف، بل موجة أولى، وأن المنطقة تقف اليوم على أعتاب تحولات كبرى، في ظل
تصدع النظام الدولي، وصعود قوى جديدة، وتراجع الهيمنة الغربية التقليدية.
وأكد عبد السلام أن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل ستعود الثورات؟ بل: هل تمتلك القوى الحية في الأمة مشروعًا ناضجًا للتغيير،
يستفيد من دروس الماضي، ويواجه تحالف الاستبداد الداخلي مع الهيمنة الخارجية؟
يذكر أ، شبكة الوعي العربي هي منصة معرفية
مستقلة تُعنى بتحليل القضايا الاستراتيجية التي تؤثر في العالم العربي، عبر رصد
التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتقديم قراءات تحليلية تستند
إلى مقاربات بحثية وفكرية متعددة. وتركز الشبكة على متابعة التحولات الإقليمية
والدولية وانعكاساتها على المنطقة العربية، بما يسهم في تعميق الفهم العام
للسياقات الراهنة ومساراتها المحتملة.
وتعمل الشبكة على توفير فضاء للحوار الفكري
بين الباحثين والمفكرين وصنّاع الرأي، مع اهتمام خاص بقضايا الإصلاح السياسي،
والتحول الديمقراطي، والهوية العربية، ومركزية القضية الفلسطينية، إضافة إلى
استشراف التحديات المستقبلية وبناء وعي استراتيجي يساعد على قراءة المتغيرات
والتعامل معها بقدر أكبر من الإدراك والموضوعية.