غرينلاند في زمن التفكّك الغربي.. الجغرافيا التي تُعيد تعريف القوة

أمّا عن إمكانية مسألة ضم أمريكا للجزيرة بالقوّة، فلا نعتقد أنّه يمثل خيار اعملياّ لإدارة الرئيس ترامب، بل يظلّ مستحيلاً من الناحية القانونية والاستراتيجية والسياسية.. الأناضول
غرينلاند.. من هامش الخرائط إلى قلب الصّراع الدولي

لم تعد غرينلاند، الجزيرة القطبية الشاسعة التي كانت لعقود طويلة تُختزل في صورتها المُتوارثة باعتبارها فضاءً جليديّا نائيا على أطراف العالم، مجرّد هامش جغرافي أو ملحق إداري للتّاج الدنماركي. ففي العقد الأخير، ومع تسارع ذوبان الجليد القطبي واحتدام التنافس بين القوى الكبرى، تحوّلت هذه الجزيرة إلى عقدة استراتيجية في قلب إعادة تشكيل النظام الدولي.

غرينلاند اليوم ليست مجرّد قطعة أرض، بل باتت منصّة متقدّمة على خطوط الصراع بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، بالإضافة على كونها نقطة تماس حسّاسة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من جهة، وكتلة القوى الصّاعدة من جهة أخرى.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التحول لا يرتبط فقط بموقع جزيرة غرينلاند الفريد، والذي يضعها بين أميركا الشمالية وأوروبا والمّمرات القطبية الجديدة، بل أيضا بما تختزنه من ثروات معدنية نادرة، وبما تمثله عسكريّا من بوابة سيطرة على المجال الجوي والبحري في القطب الشمالي. ومع انكشاف الجليد في السنوات الأخيرة، انكشفت أيضا هشاشة الترتيبات القديمة التي كانت تحكم هذه المنطقة، وبدأ سباق جديد لملء هذا الفراغ الجيوسياسي.

الموقع الذي يعيد تعريف الجغرافيا السياسية

تقع غرينلاند على خط التماس بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمّد الشمالي، وتشكّل عمليا الجسر الطبيعي بين القارتين الأميركية والأوروبية. وقد جعلها هذا الموقع ، منذ الحرب الباردة، جزءا لا يتجزأ من منظومة الدفاع الأميركية، عبر قاعدة "ثولي" الجوية التي تعدّ إحدى أهم نقاط الإنذار المبكّر للصواريخ الباليستية العابرة للقارات. لكن في السّياق الراهن، لم يعد دور غرينلاند محصورا في الرصد العسكري، بل امتدّ ليشمل التحكّم في طرق الملاحة الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد، والتي يمكن أن تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بشكل كبير.

غرينلاند اليوم ليست مجرّد قطعة أرض، بل باتت منصّة متقدّمة على خطوط الصراع بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، بالإضافة على كونها نقطة تماس حسّاسة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من جهة، وكتلة القوى الصّاعدة من جهة أخرى.
من شأن هذه الطرق، مثل الممر البحري الشمالي عبر السواحل الروسية، أو الممرات العابرة للقطب، أن تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، وتمنح من يسيطر عليها نفوذا اقتصاديا واستراتيجيا هائلا. وهنا تصبح غرينلاند، بحكم موقعها، عقدة مراقبة وتحكّم في هذه الشبكة الجديدة من الشرايين البحرية، وهو ما يفسّر تصاعد الاهتمام الأميركي بها، ليس فقط لأنّها أرض دنماركية ذات حكم ذاتي، بل لما تمثّله من أصل استراتيجي يجب ألاّ يقع في دائرة نفوذ خصم جيوسياسي.

غرينلاند.. خطّ دفاع أمامي في نظام ما بعد الهيمنة

لا يمكن فصل التعامل الأميركي مع غرينلاند عن التحوّل البنيوي في الاستراتيجية الأميركية منذ نهاية "لحظة القطب الواحد". فواشنطن لم تعد ترى العالم بوصفه فضاءً مفتوحا للهيمنة الاقتصادية والعسكرية السّلسة، بل كسلسلة مسارح متداخلة ينبغي تثبيت السيطرة عليها لمنع تآكل المكانة الأميركية. والقطب الشمالي، وغرينلاند في قلبه، أصبح واحدا من هذه المسارح.

في العقيدة الاستراتيجية الجديدة للبنتاغون، التي تبلورت بعد 2018 مع اعتبار الصين "منافسا نظيرا" وروسيا "خصما استراتيجيا"، لم تعد غرينلاند مجرد موقع رصد، بل أصبحت جزءا من بنية الردع المتكاملة ضد الحرب الصاروخية والفضائية. وعليه باتت قاعدة ثولي، التي كانت تُستخدم أساسا للإنذار المبكر، جزءا من شبكة أوسع مرتبطة بالدفاع الصاروخي وبمراقبة المدار الفضائي، ما يجعل أي وجود أجنبي اقتصادي أو تقني في الجزيرة تهديدا أمنيا مباشرا من وجهة النّظر الأميركية.

لكن الأهم من البعد العسكري هو أنّ واشنطن صارت تنظر إلى غرينلاند أيضا من زاوية "أمن الموارد النادرة". ففي ظل سباق الذكاء الاصطناعي والتسليح عالي التقنية، أصبحت المعادن الأرضية النادرة، واليورانيوم، والكوبالت، عناصر قوة استراتيجية لا تقلّ عن حاملات الطائرات. وغرينلاند، بما تختزنه من هذه المواد، تدخل في الحساب الأميركي باعتبارها احتياطيا غربيا محتملا يقع خارج قبضة الصين.

من هنا، فإنّ السياسة الأميركية تجاه غرينلاند ليست سياسة احتواء فحسب، بل يمكن وصفها بسياسة "إقفال مجال" لمنع الصين من التمدّد داخل الفضاء الجيوسياسي الأطلسي. وهذا، في تقديرنا، ما يفسّر لماذا تضغط واشنطن على كوبنهاغن وعلى حكومة الحكم الذاتي في نُوك لرفض أي استثمارات صينية في الموانئ أو المطارات أو المناجم الحساسة، حتى عندما تكون مغرية اقتصاديا.

غرينلاند في قلب الجغرافيا الاقتصادية للحرب الباردة الجديدة

بالنسبة للصين، فإنّ غرينلاند ليست مجرّد موقع بعيد، بل حلقة محتملة في إعادة تشكيل جغرافيا التجارة والطاقة والنفوذ. إذ تدرك بيجين أنّ النظام البحري الحالي ـ القائم على مضائق مثل ملقا وقناة السويس وباب المندب ـ هو نظام يمكن للولايات المتحدة وحلفائها تعطيله في أي مواجهة كبرى. لذلك، تبحث الصين عن مسارات بديلة، وفي هذا الإطار فإنّ الممرات القطبية تمثل أحد أهم تلك البدائل.

وإذا أصبحت طرق الشحن عبر القطب الشمالي صالحة للاستخدام التجاري الواسع خلال العقدين المقبلين، فإن غرينلاند ستتحول إلى عقدة لوجستية استراتيجية بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. والصين، التي تفكر دائما بمنطق سلاسل القيمة طويلة الأمد، ترى في الاستثمار المبكر في البنية التحتية والمناجم هناك وسيلة لترسيخ موطئ قدم في هذا الفضاء قبل أن يُغلق غربيا.

لكنّ البعد الأعمق هو أن بيجين تتعامل مع غرينلاند كجزء من معركة أوسع لكسر الاحتكار الغربي لمصادر المواد الاستراتيجية. فالهيمنة الصينية الحالية على معالجة المعادن النادرة تجعلها هدفا لضغوط أميركية وأوروبية، ولذلك فهي تبحث عن مواقع جديدة للإنتاج والاستخراج يمكن أن تخفف من هذه الضغوط وتمنحها هامش مناورة تفاوضي أكثر صلابة.

هنا يتحوّل الاستثمار في غرينلاند إلى رهان سياسي طويل الأمد؛ فإذا نجحت الصين في ترسيخ وجود اقتصادي هناك، فإنها ستخلق فجوة داخل الفضاء الأطلسي نفسه، أي داخل المجال الذي تعتبره واشنطن وبروكسل تاريخيا "حديقة خلفية" استراتيجية.

غرينلاند بين محورين.. من جزيرة إلى ساحة اختبار للنظام الدولي

بالربط ما سبق أعلاه، فإنّ الصراع على غرينلاند لم يعد مجرّد تنافس على جزيرة أو موارد، بل هو آخذ في التحول إلى ساحة اختبار لماهية النظام الدّولي الذي يتكوّن تحت أقدام القوى الكبرى. فواشنطن وبيجين لا تتصارعان هنا فقط على موقع جغرافي، بل على نموذجين متناقضين لتنظيم العالم.

من جهة، لدينا النّموذج الأميركي، الذي يستند تاريخيا إلى تكتلات أمنية مغلقة تقودها قوة مركزية، يرى أن السّيطرة على العقد الجغرافية الحساسة ـ من مضائق وممرّات وقواعد متقدمة ـ هي الضمانة الأخيرة لبقاء الهيمنة. ومن جهة أخرى لدينا النموذج الصيني، الذي يقوم على تشبيك الفضاءات عبر الاقتصاد والبنية التحتية والاستثمار طويل الأمد، بحيث يصبح النّفوذ نتيجة التغلغل في سلاسل القيمة وليس نتيجة الاحتلال العسكري المباشر.

إنّ السياسة الأميركية تجاه غرينلاند ليست سياسة احتواء فحسب، بل يمكن وصفها بسياسة "إقفال مجال" لمنع الصين من التمدّد داخل الفضاء الجيوسياسي الأطلسي. وهذا، في تقديرنا، ما يفسّر لماذا تضغط واشنطن على كوبنهاغن وعلى حكومة الحكم الذاتي في نُوك لرفض أي استثمارات صينية في الموانئ أو المطارات أو المناجم الحساسة، حتى عندما تكون مغرية اقتصاديا.
غرينلاند تقع تماما على خطّ الصدع بين هذين النموذجين. فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض سيطرة حصرية عليها، سواء أكان ذلك عبر الترتيبات الأمنية أم عبر إقصاء الصين اقتصاديا، فإنها ستعيد بذلك إنتاج منطق "الفضاءات المغلقة" الذي ميّز الحرب الباردة، حيث كانت الجغرافيا تُقسَّم بين كتل لا يُسمح للآخرين باختراقها. أما في حال تمكنت الصين من ترسيخ وجود اقتصادي مستدام في الجزيرة، حتى وإن كان تحت مظلة السيادة الدنماركية، فإنها ستستطيع تكريس نموذج الفضاءات المفتوحة المتداخلة، حيث لا تستطيع أي قوة أن تحتكر منطقة كاملة مهما بلغ تفوقها العسكري.

حدود الأطماع وسقف القانون الدولي

غير أنّ هذه المعركة لا تجري في فراغ قانوني. فغرينلاند ليست أرضا بلا سيادة، بل إقليما يتمتع بحكم ذاتي موسّع داخل المملكة الدنماركية، الخاضعة بدورها للقانون الدولي ولمنظومة الأمم المتحدة. وأي محاولة أميركية لضمّ الجزيرة بالقوة أو فرض وصاية مباشرة عليها لن يكون مآلها الاصطدام بالرفض الأوروبي فقط، بل ستسطدم أيضا بجدار قانوني عالمي يقوم على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو أحد أعمدة النظام الدولي منذ 1945.

كما أنه، على الصعيد العسكري واللوجستي، فإنّ غرينلاند جزيرة ضخمة ومساحتها تفوق مليونين من الكيلومترات المربعة، وتقع في مناخ قطبي قاسي يجعل أي عملية برية أو بحرية للسيطرة عليها وإخضاعها مكلفة للغاية. ولا شكّ انّ إدخال قوات أميركية كبيرة لنقل السيطرة على الجزيرة سيستنزف الموارد، ويعرض الجنود والمعدات لمخاطر مناخية ولوجستية ضخمة، دون ضمان استقرار طويل الأمد.

إنّ مثل هذا الفعل، في حال أقدمت عليها واشنطن رغم مخاطره الكبيرة، فإنه سيضعها في موقع الدولة المنتهِكة للقانون الدولي، ويقوّض شرعيتها الأخلاقية والسياسية في مواجهة روسيا والصين، اللتين تتهمهما أصلا بمراجعة النظام القائم بالقوة.

بل إن مجرد التلويح بالضمّ يخلق سابقة خطيرة يمكن أن ترتدّ على الولايات المتحدة نفسها. فإذا بات من المقبول لقوة كبرى أن تعيد رسم الخرائط بالقوة عندما تملي مصالحها ذلك، فإن واشنطن تفقد الأرضية القانونية التي تستند إليها في رفض تحرّكات روسية في أوكرانيا أو صينية في بحر الصين الجنوبي. وهكذا، يمكن لقضية غريلاند أن تتحوّل من فرصة جيوسياسية إلى فخّ معياري قد يقوّض أحد أهم مصادر القوة الأميركية المتمثّل في قدرتها على تقديم نفسها بوصفها حامية "النظام الدولي القائم على القواعد".


من هنا، فإنّ الصراع على غرينلاند يختزل التوتّر المركزي في المرحلة التاريخية الراهنة؛ حيث يتّجه العالم  نحو صراع قوى عظمى، لكنه، في الوقت نفسه، ما يزال مقيّدا بقواعد قانونية وشرعية لم تُدفن بعد. والجزيرة الجليدية، بصمتها البعيد، تجد نفسها فجأة في قلب هذا التناقض، حيث تتقاطع الجغرافيا الصّلبة مع القانون الدولي، وتُختبر حدود ما يمكن للقوة أن تفرضه في عالم لم يعد مستعدا لقبول الإمبراطوريات الطاغية.

روسيا والقطب الشمالي كجبهة متقدمة

بالنسبة لروسيا، فإنّ القطب الشمالي لا يعدّ فضاءً جديدا بل عمقا استراتيجيا تاريخيا. فمنذ الحقبة السوفياتية، كان يُنظر إلى الشمال الروسي باعتباره الحزام الذي يحمي القلب الصناعي والعسكري للدولة من الضربات القادمة عبر الأطلسي. أما اليوم، ومع تآكل التوازنات القديمة وصعود المواجهة مع الناتو، فقد عاد هذا المنطق بقوة أكبر. فموسكو لا ترى في القطب الشمالي ساحة اقتصادية واعدة وحسب، بل تجد أنّه يمثّل أحد أعمدة بقائها كقوة نووية كبرى.

إذ أنّ الطول الاستثنائي للساحل الروسي على المحيط المتجمّد الشمالي، واحتضان هذه المنطقة لقواعد الغواصات النووية الاستراتيجية، يجعلها جوهر الرّدع الروسي. فالغواصات التي تنطلق من بحري "بارنتس" و"كارا" تشكّل العمود الفقري للقدرة النووية على توجيه الضربة الثانية، أي القدرة على الردّ بعد أيّ هجوم نووي. من هنا، فإنّ الكرملين  ينظر إلى أيّ اختراق عسكري أو تقني غربي في الفضاء القطبي باعتباره تهديدا وجوديا ولا يمكن اختزاله إلى مجرّد تحرّك تكتيكي.

ضمن هذا الإطار، تكتسب غرينلاند أهمية غير مباشرة لكنها حاسمة. فالوجود الأميركي في قاعدة "ثولي"، وشبكات الرادار والإنذار المبكر المرتبطة بها، تمنح واشنطن قدرة متزايدة على تتبّع مسارات الصواريخ الروسية العابرة للقطب، وعلى مراقبة حركة الغواصات والطيران الاستراتيجي. ومع تطور الصواريخ الفرط صوتية الروسية، التي تعتمد مسارات منخفضة وعابرة للشمال، فإنّ أيّ ترقية للقدرات الأميركية في غرينلاند تصبح بمثابة محاولة لتقويض ميزان الرّدع نفسه.

لهذا السبب، لا تكيّف موسكو أيّ تعزيز أميركي أو أطلسي في الجزيرة على اعتبار أنّه مسألة سيادية دنماركية، بل تقيّمه عل أساس أنّه جزء من استراتيجية تطويق طويلة الأمد. ومن هنا أيضا يمكن فهم اندفاعها إلى عسكرة سواحلها القطبية، وإعادة فتح قواعد جوية وبحرية مهجورة منذ انهيار الاتحاد السّوفييتي، وتوسيع أسطول كاسحات الجليد العسكرية والمدنية على نحو يضمن لها حرية الحركة في مياه باتت تتحوّل تدريجيا إلى ممرات دولية متنازع عليها.

الأهم من ذلك هو أنّ روسيا تخشى من سيناريو يصبح فيه القطب الشمالي فضاءً خاضعا لقواعد غربية تُفرض عبر الناتو، وهو ما سيحدّ من قدرتها على استخدام طريق بحر الشمال كمسار سيادي لنقل الطاقة والسلع. فبالنسبة لموسكو، لا يعتبر هذا الطريق مجرد ممرّ تجاري فسب، بل رافعة اقتصادية وجيوسياسية تسمح لها بتقليل اعتمادها على الممرّات الخاضعة للرقابة الغربية.

من هذه الزاوية، تصبح غرينلاند عقدة في شبكة تطويق أوسع؛ حيث ستتحوّل إلى قاعدة متقدمة تكمّل الوجود الأطلسي في النّرويج وآيسلندا وبريطانيا، وتغلق عمليا الفضاء بين أميركا الشمالية وأوروبا في وجه أي مناورة روسية. وهذا ما يجعلها في الحسابات الروسية جزءا من جبهة واحدة تمتدّ من بحر البلطيق إلى القطب الشمالي، حيث لا تُفصل المسائل الإقليمية عن توازن الردع النووي والاستراتيجي.

هكذا، حتّى من دون أن تُضطر روسيا إلى تحريك سفينة واحدة نحو سواحل غرينلاند، تبقى الجزيرة حاضرة في صلب عقيدتها الأمنية. فالجزيرة الجليدية ليست هدفا بحدّ ذاتها، بل عقدة حساسة في ميزان قوى ترى فيه موسكو أنّ أيّ خلل قد يفتح الباب أمام اختراق استراتيجي يهدّد قدرتها على الرّدع والبقاء. وفي عالم يعود فيه شبح المواجهة بين القوى الكبرى، يصبح الجليد نفسه جزءا من معادلة الحرب والسلام.

الاتّحاد الأوروبي والناتو.. بين السيادة والاصطفاف

في قلب هذا المشهد، على الجانب الأوروبي، تبدو القارّة العجوز وكأنّها تواجه نسخة مصغّرة من أزمتها الاستراتيجية الكبرى. فغرينلاند، رغم بعدها الجغرافي عن القارة، إلاّ أنها جزء من الفضاء السيادي الأوروبي، قانونيا وسياسيا، عبر التّاج الدنماركي، وهو ما يجعل أي نقاش حول وضعها المستقبلي نقاشا حول معنى السيادة الأوروبية ذاتها. فإذا كانت واشنطن قادرة على فرض ترتيبات أمنية أو اقتصادية، أو حتى سياسية، خاصة بغرينلاند من دون توافق أوروبي كامل، فهذا يعني عمليا أن المجال الأوروبي الأطلسي لم يعد مجالا ذا سيادة مستقلّة، بل بات منطقة نفوذ تخضع لتوازن القوة داخل الحلف الغربي نفسه.

أوروبا، وعلى الرّغم من خطابها المتكرّر عن "الاستقلال الاستراتيجي"، ما تزال تفتقر إلى الأدوات التي تمكّنها من الدفاع عن هذه السيادة في الفضاء القطبي. فلا الاتحاد الأوروبي يمتلك بنية دفاعية قادرة على حماية غرينلاند، ولا الدنمارك تستطيع وحدها تحمّل كلفة تأمين جزيرة بحجم قارة صغيرة في بيئة تتسارع فيها عسكرة القطب الشمالي.
المعضلة هنا هي أنّ أوروبا، وعلى الرّغم من خطابها المتكرّر عن "الاستقلال الاستراتيجي"، ما تزال تفتقر إلى الأدوات التي تمكّنها من الدفاع عن هذه السيادة في الفضاء القطبي. فلا الاتحاد الأوروبي يمتلك بنية دفاعية قادرة على حماية غرينلاند، ولا الدنمارك تستطيع وحدها تحمّل كلفة تأمين جزيرة بحجم قارة صغيرة في بيئة تتسارع فيها عسكرة القطب الشمالي. وهكذا تتحوّل السيادة الأوروبية إلى مفهوم قانوني أكثر منه قدرة فعلية، بينما تظلّ الحماية الأميركية هي الضّمانة الوحيدة الواقعية.

في هذا السياق، لا شكّ أنّ هذا الخلل البنيوي يمنح واشنطن نفوذا سياسيا يتجاوز بكثير وزنها الرّسمي داخل الاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة تستطيع، عبر ورقة الأمن، التأثير في قرارات كوبنهاغن ونُوك بشأن الاستثمارات الصينية، أو بشأن إدارة الموارد، أو حتى بشأن شكل الحكم الذاتي لغرينلاند. وبذلك تتحوّل الجزيرة إلى أداة ضغط غير مباشرة داخل البيت الأوروبي، تعمّق الانقسام بين دول ترى في واشنطن حاميا لا بديل عنه، ودول أخرى تسعى إلى هامش من الاستقلال الاستراتيجي لكنها تفتقر إلى القوة اللازمة لفرضه.

أما حلف الناتو، فيبدو في هذا الملفّ أكثر انكشافا. فالقطب الشمالي أصبح أحد أهم مسارح المواجهة مع روسيا، التي كثّفت وجودها العسكري على طول سواحلها الشمالية، وأعادت إحياء قواعد سوفييتية قديمة، وطوّرت قدرات بحرية وصاروخية مخصصة للعمل في البيئة القطبية. من هذه الزاوية، فإنّ تعزيز الوجود الأطلسي في غرينلاند يبدو مصلحة جماعية للحلف. لكن المشكلة تكمن في أنّ الطريقة التي تُدار بها هذه العسكرة قد تفرغ الناتو من جوهره السياسي.

فإذا أصبحت غرينلاند عمليا منطقة نفوذ أميركية تُدار بقرارات ثنائية بين واشنطن وكوبنهاغن، أو حتى بين واشنطن وحكومة الحكم الذاتي في غرينلاند، فإن الحلف يتحول من إطار تعاوني إلى مظلة شرعنة لهيمنة طرف واحد. وهذا يخلق سابقة خطيرة؛ فاليوم غرينلاند، وغدا قد تكون مناطق أخرى في أوروبا الشرقية أو في البحر الأسود أو حتى في المتوسط.

من هنا، لا يعود السؤال في الناتو تقنيا حول عدد القواعد أو الرادارات، بل وجوديّا حول طبيعة التحالف نفسه؛ هل هو شراكة بين دول ذات سيادة متساوية، أم منظومة أمنية تقودها واشنطن وتُكيّف بقية الأعضاء وفق أولوياتها الجيوسياسية؟ وهنا تحديدا نجد أنّ غرينلاند، بصغرها السكاني وضخامتها الجغرافية، تكشف هذا التناقض بأوضح صورة.

هكذا إذن تصبح الجزيرة أكثر من مجرّد موقع استراتيجي في مواجهة روسيا والصين؛ وتتحوّل إلى مرآة للأزمة الأطلسية ذاتها، حيث يتصادم خطاب الشراكة الغربية مع واقع اختلال القوة داخلها. وإذا لم تنجح أوروبا في بلورة موقف موحد وفاعل تجاه غرينلاند، فإنها لا تخاطر فقط بموقعها في القطب الشمالي، بل بمستقبل فكرة "أوروبا كفاعل استراتيجي" في عالم يتجه سريعا نحو منطق الكتل الصّلبة ومناطق النّفوذ.

بين حق تقرير المصير وصراع الإمبراطوريات

وسط هذه التفاعلات الكبرى، يجد سكان غرينلاند أنفسهم في وضع شديد التعقيد. فالحكم الذاتي الذي حصلوا عليه، وطموحهم إلى الاستقلال الكامل عن الدنمارك، يتقاطع مع شهية القوى الكبرى للجزيرة. فالموارد التي يمكن أن تمنحهم استقلالا اقتصاديا قد تتحول، في الوقت نفسه، إلى بوابة لاختراقات خارجية تجعل استقلالهم شكليا.

هنا تكمن المفارقة؛ إذ كلما ازدادت أهمية غرينلاند الجيوسياسية، إلاّ وتقلص هامش المناورة أمام أهلها. فالصراع الدائر ليس حول مستقبلهم فقط، بل حول إعادة توزيع القوة في النظام الدولي، حيث تُستعاد الجغرافيا بوصفها ساحة الصراع الأولى بعد عقود من هيمنة العولمة.
في هذا السياق، تصبح غرينلاند مرآة لعالم يتّجه نحو التكتلات والصدامات الكبرى، حيث تتحوّل الجزر، التي كانت تعتبر نائية وبعيدة عن المراكز، إلى مفاتيح للسيطرة على الممرات والموارد، وحيث يُعاد تعريف السيادة ليس فقط بحدود الدول، بل بقدرتها على الصّمود في وجه تنافس الإمبراطوريات الجديدة.

أي مستقبل لغرينلاند في ميزان القوى الراهن؟

في ضوء هذا التشابك، يمكن تصوّر أربعة مسارات رئيسية، دون أن تكون الوحيدة ولا المكتملة بذاتها، لمستقبل غرينلاند خلال العقد المقبل.

السّيناريو الأول هو "التحصين الغربي"، حيث يُفترض أن تنجح الولايات المتحدة، بدعم من الناتو والاتحاد الأوروبي، في تحويل غرينلاند إلى فضاء مغلق استراتيجيا أمام الصين وروسيا. في هذا المسار، ستتكثّف الاستثمارات الغربية في مجالات التّعدين والبنية التحتية، مقابل شروط أمنية صارمة، ما يضمن للغرب السيطرة على الموارد والموقع، لكنه يقلّص هامش استقلال القرار الغرينلاندي.

السّيناريو الثاني هو "التوازن الحذر"، حيث تحاول حكومة الحكم الذاتي في نُوك اللعب على التناقضات بين القوى الكبرى، فتنفتح اقتصاديا على الصين مع الحفاظ على المظلة الأمنية الغربية. هذا السيناريو يمنح غرينلاند موارد للاستقلال، لكنّه يحمل مخاطر عالية، لأنّ أي انزلاق في ميزان القوى قد يدفع واشنطن إلى استخدام أدوات ضغط قاسية لإعادة ضبط المسار.

أما السيناريو الثالث، فهو "التدويل القطبي"، حيث تتحول غرينلاند إلى ساحة تنافس مفتوح يشبه ما كانت عليه مناطق النفوذ في القرن التاسع عشر، مع تزايد الحضور الصيني والروسي مقابل عسكرة غربية متصاعدة. هذا المسار هو الأكثر خطورة، لأنه يحوّل الجزيرة إلى نقطة احتكاك مباشر في أي أزمة كبرى بين القوى العظمى.

أمّا عن إمكانية مسألة ضم أمريكا للجزيرة بالقوّة، فلا نعتقد أنّه يمثل خيار اعملياّ لإدارة الرئيس ترامب، بل يظلّ مستحيلاً من الناحية القانونية والاستراتيجية والسياسية. فكل السيناريوهات الواقعية تفترض أنّ واشنطن ستواصل سعيها للتأثير على غرينلاند بالطرق الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية غير المباشرة، مع الحفاظ على غطاء سيادة دنماركي وقبول من حكومة الحكم الذّاتي. أمّا أي محاولة للضغط أو الاستيلاء المباشر ستكون كارثية على صعيد الشرعية الدّولية وعلى التّحالفات الغربية نفسها، وربما تفتح الباب لتصعيد عالمي في القطب الشمالي.