الغرب يستحضر قصة سلمان رشدي لمواجهة إيران.. الثقافة كسلاح ضد الاستبداد

يستعرض الفيلم أيضًا محطات من حياة رشدي المبكرة، منذ نشأته في عائلة مسلمة علمانية في الهند، وصولًا إلى الجدل العالمي الذي أثاره نشر روايته “آيات شيطانية” عام 1988.. جيتي
التوتر بين الغرب وإيران يتصاعد منذ عقود، مع تصاعد العقوبات الأمريكية والانتقادات الدولية المتكررة لسلوك طهران تجاه حقوق الإنسان والحريات الفكرية. تجربة الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي تمثل حلقة رمزية في هذا الصراع، حيث يظهر العنف السياسي المستمد من أيديولوجيات متطرفة بوصفه امتدادًا للسياسات الاستبدادية التي يسعى المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، للضغط ضدها.

محاولة اغتيال رشدي عام 2022 لم تكن حادثًا عابرًا، بل انعكاسًا للتصعيد الأيديولوجي والسياسي بين إيران والقوى الغربية، وتجسيدًا مباشرًا للتهديدات المستمرة للكتّاب الذين تتجاوز كتاباتهم حدود الدولة إلى ساحات الحرية العالمية. ويعرض مهرجان "صندانس" السينمائي فيلمًا وثائقيًا جديدًا عن رشدي يوثّق صراع الثقافة ضد العنف، ويقدّم شهادة حية على أن الكلمة والفن يظلان خط الدفاع الأخير في مواجهة الطغيان، مهما امتدت أيادي التطرف أو استغلت الفتاوى الدينية والسياسية لتحقيق أغراضها.

وقد عاد الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة من بوابة السينما، حيث شهد مهرجان "صندانس" السينمائي عرض فيلم وثائقي جديد يوثّق رحلة تعافيه الجسدية والروحية بعد محاولة اغتياله عام 2022، في هجوم كاد يودي بحياته.

الفيلم، الذي يحمل عنوان "Knife: The Attempted Murder of Salman Rushdie" (السكين: محاولة اغتيال سلمان رشدي)، من إخراج أليكس غيبني، ويستند إلى مذكرات رشدي التي صدرت بالعنوان نفسه. وقد حظي العمل باستقبال حافل، تُوّج بتصفيق حار من الجمهور في عرضه الأول بولاية يوتا الأمريكية.

ويستهل الفيلم بإعادة تمثيل دقيقة وصادمة للهجوم الذي تعرّض له رشدي في 12 آب/ أغسطس 2022، أثناء استعداده لإلقاء محاضرة حول حماية الكتّاب من العنف في مؤسسة "تشوتاكوا" بنيويورك، حين اندفع رجل ملثم إلى المنصة وطعنه 15 مرة في الوجه والرقبة والجذع. وأسفر الهجوم عن فقدان رشدي عينه اليمنى، وإصابات خطيرة كادت تودي بحياته.

ويضم الوثائقي لقطات غير مسبوقة صوّرتها زوجته، الشاعرة والكاتبة رايتشل إليزا غريفيثس، توثّق لحظات العلاج والتعافي داخل المستشفى، في مشاهد قاسية تُظهر حجم الأذى الجسدي الذي لحق بالكاتب البالغ من العمر 78 عامًا. ويقول رشدي في الفيلم إن أول فكرة واضحة راودته بعد استعادة وعيه كانت: "يجب أن نوثّق ما حدث".

"بالنسبة للأنظمة الاستبدادية، الثقافة هي العدو. الجهلاء والطغاة لا يحبونها، ولذلك يتحركون ضدها، كما نرى كل يوم".
وخلال ندوة أعقبت العرض، شدد رشدي على أن الفيلم يتجاوز قصته الشخصية، معتبرًا أن ما جرى له مثال على “عنف يُطلقه عديمو الضمير، مستغلين الجهل، لمهاجمة الثقافة”.

وأضاف: "بالنسبة للأنظمة الاستبدادية، الثقافة هي العدو. الجهلاء والطغاة لا يحبونها، ولذلك يتحركون ضدها، كما نرى كل يوم".

ويستعرض الفيلم أيضًا محطات من حياة رشدي المبكرة، منذ نشأته في عائلة مسلمة علمانية في الهند، وصولًا إلى الجدل العالمي الذي أثاره نشر روايته “آيات شيطانية” عام 1988، وما تبعه من فتوى إيرانية دعت إلى قتله، واضطرته إلى العيش سنوات طويلة متخفيًا تحت حماية الشرطة البريطانية.

ويربط المخرج أليكس غيبني بين تلك الأحداث وما يشهده العالم اليوم من تصاعد للعنف السياسي والشعبوي، معتبرًا أن تجربة رشدي تمثل تحذيرًا من خطورة الخطاب التحريضي حين يصدر عن قادة غير مسؤولين.

ورغم قسوة التجربة، يظهر رشدي في الفيلم محتفظًا بروحه الساخرة ومواقفه المبدئية. ويعلّق بسخرية على تصريح لمهاجمه قال فيه إنه تفاجأ بنجاته: "شكرًا، هذا يثبت النية".

ويختتم الوثائقي بالعودة إلى مشاهد الهجوم الحقيقية، كما التقطتها كاميرات القاعة، مبرزًا لحظة تدخّل عدد من الحضور الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذه. ويعلّق رشدي على ذلك قائلًا: "في تلك اللحظة رأيت أسوأ ما في الطبيعة البشرية، وأفضل ما فيها في آن واحد".

ووفق تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية نشر اليوم الثلاثاء من المقرر عرض الفيلم لاحقًا تجاريًا بعد انتهاء مشاركته في مهرجان "صندانس".

من هو سلمان رشدي؟

سلمان رشدي كاتب وروائي بريطاني من أصل هندي، وُلد عام 1947 في مدينة بومباي (مومباي حاليًا)، ويُعد أحد أبرز الأصوات الأدبية العالمية في النصف الثاني من القرن العشرين. اشتهر بأعماله الروائية التي تمزج بين الواقعية السحرية والتاريخ والسياسة، وتتناول قضايا الهوية والدين والاستعمار وحرية التعبير.

حاز رشدي شهرة عالمية بعد فوزه بجائزة "بوكر" البريطانية عام 1981 عن روايته “أطفال منتصف الليل”، التي اعتُبرت من أهم الروايات الإنجليزية الحديثة. غير أن نشره رواية “آيات شيطانية” عام 1988 أثار جدلًا واسعًا في العالم الإسلامي، أعقبه صدور فتوى من إيران دعت إلى قتله، ما أدخله في عزلة أمنية قسرية استمرت سنوات طويلة.
حاز رشدي شهرة عالمية بعد فوزه بجائزة "بوكر" البريطانية عام 1981 عن روايته “أطفال منتصف الليل”، التي اعتُبرت من أهم الروايات الإنجليزية الحديثة. غير أن نشره رواية “آيات شيطانية” عام 1988 أثار جدلًا واسعًا في العالم الإسلامي، أعقبه صدور فتوى من إيران دعت إلى قتله، ما أدخله في عزلة أمنية قسرية استمرت سنوات طويلة.

وتحوّل رشدي منذ ذلك الحين إلى رمز عالمي للجدل حول حرية التعبير وحدود الإبداع الأدبي، كما أصبح هدفًا متكررًا للتهديدات، وصولًا إلى محاولة اغتياله في الولايات المتحدة عام 2022. وعلى الرغم من ذلك، واصل الكتابة والدفاع عن حرية الفكر، معتبرًا الثقافة والأدب خط الدفاع الأول في مواجهة الاستبداد والتطرف.

يُعد مهرجان صندانس السينمائي أحد أبرز المهرجانات السينمائية المستقلة في العالم، ويقام سنويًا في ولاية يوتا الأمريكية، وتحديدًا في مدينة بارك سيتي. تأسس المهرجان عام 1978 بدعم من الممثل والمخرج الأمريكي روبرت ريدفورد، ويهدف إلى دعم السينما المستقلة وتسليط الضوء على الأصوات الجديدة والتجارب الجريئة خارج إطار هوليوود التجارية.

ويشكّل "صندانس" منصة انطلاق للعديد من الأفلام الوثائقية والروائية التي تناقش قضايا سياسية وثقافية وإنسانية معاصرة، وغالبًا ما تحظى أعماله باهتمام نقدي وإعلامي واسع على المستوى العالمي.