صحافة دولية

مدينة صومالية تتحول إلى مركز عمليات سري للإمارات في حرب السودان

مطار بوصاصو يشهد بصورة متكررة هبوط طائرات شحن عسكرية ثقيلة - وام
كشف تحقيق استقصائي موسع تحول مدينة بوصاصو في إقليم بونتلاند شمال شرقي الصومال إلى مركز عمليات لوجستي وعسكري سري يستخدم لدعم قوات الدعم السريع في حرب السودان.

أكد موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في تحقيق استقصائي موسع، أن المدينة الواقعة في إقليم بونتلاند شمال شرقي الصومال، تحولت خلال العامين الماضيين إلى محور لوجستي وعسكري سري تستخدمه دولة الإمارات لدعم قوات الدعم السريع في حربها الدائرة في السودان، عبر شبكة معقدة من الرحلات الجوية، وشحنات غير معلنة، ووجود مرتزقة أجانب.

وأشار الموقع إلى أن مطار بوصاصو يشهد بصورة متكررة هبوط طائرات شحن عسكرية ثقيلة من طراز IL-76، قادمة – وفق بيانات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية – من الإمارات العربية المتحدة، حيث يتم تفريغ حمولات لوجستية ضخمة في أوقات يقل فيها النشاط داخل المطار، قبل نقلها سريعاً إلى طائرات أخرى متجهة نحو السودان عبر دول مجاورة.

ونقل التقرير عن مسؤول رفيع في قوة شرطة بونتلاند البحرية، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن هذه الرحلات باتت "شبه يومية"، وأن المواد التي يتم تفريغها "لا يعلن عن طبيعتها، وتُعامل بإجراءات أمنية مشددة"، مشيراً إلى أنها تُنقل مباشرة إلى قوات الدعم السريع.

وأوضح ميدل إيست آي أن هذا الدعم تزامن مع تصعيد ميداني خطير في السودان، حيث تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم، أعقبته – بحسب منظمات حقوقية ومقاطع مصورة – مجازر وإعدامات جماعية بحق مدنيين داخل الأحياء والمستشفيات.


شحنات خطرة بلا بيانات
وكشف التقرير، نقلاً عن مسؤول إداري بارز في ميناء بوصاصو، أن الإمارات مررت خلال العامين الماضيين أكثر من 500 ألف حاوية موسومة بعبارة "مواد خطرة"، دون أي توثيق رسمي لمحتوياتها أو وجهتها النهائية، على خلاف القواعد المعمول بها في الشحن التجاري الدولي.

وأكد المصدر أن هذه الحاويات لا تُخزن داخل الصومال، ولا تظهر لها أي آثار بعد تفريغها، ما يعزز فرضية أن بوصاصو تُستخدم كنقطة عبور سرية فقط ضمن عملية عسكرية خارجية.

وأشار الموقع إلى أن عمليات التفريغ في الميناء تخضع لإجراءات أمنية غير مسبوقة، حيث يتم تطويق الميناء بالكامل ومنع التصوير، ولا يسمح بالدخول إلا للعاملين المناوبين بعد تحذيرهم من توثيق أي مشاهد.

مرتزقة كولومبيون وقواعد محصنة
وأكد ميدل إيست آي وجود مرتزقة كولومبيين يتمركزون في معسكر خاص قرب مطار بوصاصو، مشيراً إلى أن هؤلاء يصلون عبر رحلات تجارية دولية ثم ينتقلون لاحقاً إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.

ونشر الموقع صوراً حصرية تُظهر عشرات الكولومبيين وهم ينزلون من الطائرات حاملين حقائب عسكرية، قبل توجههم مباشرة إلى المعسكر، الذي يضم – بحسب مصادر محلية – مستشفى ميدانياً يُستخدم لعلاج مقاتلين مصابين يتم نقلهم من السودان.

ونقل التقرير عن مسؤول أمني صومالي قوله إن إحدى الطائرات التي هبطت في بوصاصو كانت تقل جرحى، "وكان باب الطائرة ملطخاً بالدماء بشكل واضح"، في مشهد وصفه بأنه "غير مسبوق" داخل المطار.

شبكة قواعد إقليمية
وأشار الموقع إلى أن بوصاصو ليست موقعاً معزولاً، بل جزء من شبكة قواعد عسكرية بنتها أو وسعتها الإمارات على امتداد خليج عدن والبحر الأحمر، تشمل جزر ميون وعبد الكوري وسَمْحة، إضافة إلى ميناء بربرة في أرض الصومال وميناء المخا في اليمن.

وأكد التقرير أن الإمارات نصبت أيضاً نظام رادار عسكري متطور قرب مطار بوصاصو، يُعتقد أنه فرنسي الصنع، بهدف تأمين المجال الجوي وحماية حركة الطائرات العسكرية.

قلق صومالي ومخاوف من التورط

وأوضح ميدل إيست آي أن عدداً من عناصر شرطة بونتلاند البحرية أعربوا عن قلقهم الشديد من التعاون مع هذه الأنشطة، محذرين من أن مطار بوصاصو قد يتحول إلى هدف عسكري في حال قررت الحكومة السودانية الرد على خطوط الإمداد.

كما أشار التقرير إلى البعد الأخلاقي والسياسي للأزمة، خاصة أن السودان كان قد قدم في السابق منحاً دراسية لآلاف الصوماليين، من بينهم وزير الدفاع الصومالي الحالي.

ولفت الموقع إلى أن الحكومة الأميركية كانت قد خلصت مطلع العام إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت أعمال إبادة جماعية في السودان، وهو توصيف تبنته منظمات حقوقية دولية عدة.

صمت رسمي وتوازنات سياسية

وأكد ميدل إيست آي أن الحكومة الصومالية في مقديشو، رغم سيطرتها على المجال الجوي، لم تواجه الإمارات علناً بشأن أنشطتها في بونتلاند، في ظل نفوذ إماراتي متزايد ودعم سياسي ومالي لقيادات إقليمية، أبرزها رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني.

ونقل الموقع عن محللين أن استمرار هذه الأنشطة قد يجر الصومال إلى صراعات إقليمية أوسع، ويضع سلطات بونتلاند أمام مساءلة قانونية دولية محتملة، خاصة بعد تأكيد المحكمة الجنائية الدولية وجود "أسباب معقولة" للاعتقاد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان.

وختم الموقع بالإشارة إلى أن الإمارات لم ترد على استفساراته، كما لم تصدر سلطات بونتلاند أي تعليق رسمي، في وقت تتزايد فيه الأدلة دور بوصاصو كـحلقة محورية في واحدة من أكثر العمليات السرية إثارة للجدل في المنطقة.