مع تَحوّل
فنزويلا إلى ساحة حدث دولي غير مسبوق، تصدر مسلسل الإثارة السياسية "
جاك رايان" النقاش، بعدما رأى كثيرون في أحد مشاهده ما يشبه نبوءة مبكرة لما جرى على الأرض، واجتاحت مقاطع من الموسم الثاني، الذي عُرض قبل سنوات، منصات التواصل، وسط دهشة من التشابه بين الدراما التلفزيونية والتطورات المتسارعة في كاراكاس.
وفتح ما بدا للبعض "تنبؤًا خارقًا" بابًا أعمق للتساؤل: "هل كان المسلسل يستشرف المستقبل فعلًا، أم أنه كشف مبكرًا عن منطق التفكير الأمريكي وأولوياته الحقيقية في فنزويلا؟ بين الخيال السياسي والواقع الجيوسياسي، تتقاطع الدراما مع النفط والذهب، وتنكشف خلف القصة أسئلة النفوذ والمصالح والهيمنة.
مقطع أثار ضجة
بدأ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بمشاركة مقاطع من مسلسل الإثارة السياسية "جاك رايان" من إنتاج أمازون، حيث ادّعى البعض أن المسلسل "تنبأ" بالأزمة في فنزويلا.
كتب أحدهم: "هناك مشهد في الموسم الثاني من جاك رايان حيث يشن فريق صغير ومروحية واحدة هجومًا على القصر الرئاسي في فنزويلا. أتذكر أنني فكرت كم كان ذلك المشهد سخيفًا. من الواضح أنني مدين باعتذار للمؤلفين".
وعلّق آخر قائلًا: "لقد تنبأ جاك رايان بمستقبل فنزويلا منذ زمن بعيد".
وأضاف ثالث: "لقد تنبأ جاك رايان، بطل روايات توم كلانسي، بفوضى فنزويلا بينما كان الجميع منشغلين بالجدال في الندوات. يا لها من زمان عجيب! ويا لها من دقة مذهلة!".
ويركز الموسم الثاني من مسلسل جاك رايان، الذي عُرض عام 2019، على شخصية خيالية، وهي الرئيس الفنزويلي نيكولاس رييس، ويتتبع ضباط المخابرات الأمريكية وهم يحققون في "قضايا الفساد، وتزوير الانتخابات، والمؤامرات السياسية".
واستندت الحبكة إلى تقارير حقيقية من العقد الثاني من الألفية الثانية حول الأزمة الاقتصادية في فنزويلا، والانتخابات المتنازع عليها، و"الحكم الاستبدادي". وقد تتشابه بعض الموضوعات العامة، مثل التدخل الأمريكي، وإزاحة "زعيم فاسد"، والمخاوف بشأن الاستقرار والموارد، مع أحداثٍ وقعت مؤخرًا.
جاك رايان
جاء في الموسم الثاني من مسلسل "جاك رايان" المبني على روايات الكاتب توم كلانسي، مشهد يتوقع أو يتنبأ بالأحداث التي حصلت في فنزويلا والهجوم الأمريكي عليها باعتبارها من "أكبر التهديدات للأمن العالمي".
ولم يكتفِ المسلسل بتوقع الأحداث الرئيسية، بل بدا وكأنه رسم ملامح العملية بأكملها، من خلال مشهد غير حركي بل حواري، يقف فيه محلل وكالة المخابرات المركزية "سي آي إيه" جاك رايان، الذي يؤدي دوره جون كراسينسكي، أمام نخبة واشنطن، ويفنّد المفاهيم السائدة حول التهديدات العالمية.
بينما يخمّن الجمهور روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية، ينتقل رايان إلى فنزويلا، وهو مشهد حصل على تقييمات سلبية من قبل النقاد، وجرى وصفه بأنه "متعالٍ" و"دعاية حرب فجة" و"خيال محافظ جديد"، أما حاليًا فيبدو وكأنه وثيقة سرية مسرّبة قبل موعدها.
وتضمن المشهد سؤال جاك رايان: "ما هو برأيكم التهديد الأكبر على الساحة العالمية؟"، ليجيب شخص ما: روسيا بالتأكيد. وهنا يرد جاك رايان: "روسيا بالتأكيد. هذا يدل على ثقة. يعجبني هذا. من قال روسيا؟ هل يوافقه أحد؟".
يعود جاك رايان للسؤال مرة أخرى: من أيضًا؟ ليجيب شخص جديد: الصين. وهنا يقول جاك رايان: إجابة جيدة. من أيضًا؟ فيقول شخص ثالث: كوريا الشمالية.
وعندها تساءل جاك رايان: "هل من أحد يقول فنزويلا؟ لا أحد؟... هل الجميع مرتاحون لفنزويلا؟ لا تهديد؟ حسنًا. دعني أسألك هذا السؤال: أيٌّ من هذه الدول يمكنه الادعاء بامتلاكه أكبر احتياطي نفطي على وجه الأرض؟ أكثر من السعودية، وأكثر من إيران".
وأضاف رايان: "حسنًا، ماذا عن الذهب مثلًا؟ هل يفوق احتياطيه جميع مناجم أفريقيا مجتمعة؟".
ويظهر المشهد تحليلًا سريعًا يعرضه رايان عبر جولة لاحتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا – التي تفوق احتياطيات السعودية وإيران والعراق – وثروتها الهائلة من الذهب والمعادن. ثم ينتقل إلى التناقض الجوهري في البلاد: "كيف يمكن لأغنى قاعدة موارد على وجه الأرض أن تتعايش مع ما يسميه أكبر أزمة إنسانية في التاريخ الحديث؟".
ويستنتج رايان في النهاية أن "فنزويلا ليست ضعيفة، بل هي ذات قيمة خطيرة.. الحقيقة هي أن فنزويلا، بلا منازع، هي أكبر مورد منفرد للنفط والمعادن على كوكب الأرض"، قبل أن يحذر من أن انهيار دولة قريبة جدًا من
الولايات المتحدة بمثابة دعوة للقوى العالمية للتدخل".
ويعرض المسلسل شخصية "الرئيس الفاسد نيكولاس رييس" الذي حوّل بلاده إلى وكرٍ للجريمة، وهو الذي يمكن اعتباره تجسيد المسلسل لشخصية الرئيس الفنزويلي نيكولاس
مادورو.
وعلى أرض الواقع، يستند تبرير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتدخل في فنزويلا إلى نفس فرضية المسلسل وتحذيره. وأعلن البيت الأبيض أن المداهمة كانت ضرورية لتفكيك "دولة مخدرات" تُديرها عصابة "لوس سوليس"، وهو اتهام اكتسب ثقلًا قانونيًا مع توجيه الاتهام لمادورو في عام 2020، وتُوِّج الآن بالقبض عليه.
وفي المسلسل الخيالي، يُحذّر رايان الحضور قائلًا: "في وسائل الإعلام، سيُطلقون عليها اسم أزمة. لكن على الساحة الدولية، سيُطلقون عليها اسم دولة فاشلة. إذا لم تسمعوا بهذا المصطلح من قبل، فمن الأمثلة الأخرى على الدول الفاشلة في التاريخ الحديث: اليمن، والعراق، وسوريا. وإذا لم يكن هذا كافيًا من الأخبار السيئة، فإن فنزويلا هي الدولة الوحيدة من بين هذه الدول التي تقع على بُعد 30 دقيقة من الولايات المتحدة في نطاق صواريخ نووية من الجيل التالي".
وبينما يبقى مصطلح "الصواريخ النووية" ضربًا من الخيال العلمي، فإن وصف "الدولة الفاشلة" هو اللغة التي تستخدمها واشنطن اليوم. فقد أدى انهيار الاقتصاد الفنزويلي، الذي دفع ملايين اللاجئين إلى الفرار وارتفاع معدلات الفقر بشكلٍ حاد، إلى خلق فراغٍ تسعى الولايات المتحدة لملئه بقواتها.
وبعد غارات جوية ليلية على كاراكاس ومناطق أخرى، أعلن ترامب القبض على مادورو ونقله جوًا إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهم تهريب المخدرات التي تعود إلى سنوات طويلة.
وقد صُدم مؤيدو الرئيس الفنزويلي، الذي عُصبت عيناه وكُبّلت يداه، بصوره، مما يُمثل أضخم تدخل عسكري لواشنطن في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989.
وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك وأعلن أن الولايات المتحدة ستُدير فنزويلا مؤقتًا، بما في ذلك الإشراف على احتياطياتها النفطية إلى حين التوصل إلى "انتقال آمن وسليم وحكيم" للسلطة. وقال إن شركات النفط الأمريكية الكبرى ستعود لإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة للطاقة في البلاد.
النفط والذهب
لطالما كانت ثروة فنزويلا من الموارد الطبيعية هي السبب الضمني لصراعها مع واشنطن، وتمتلك البلاد احتياطيات هائلة من النفط الخام الثقيل جدًا في حزام أورينوكو، وهو نفط صعب التكرير ومكلف، ولكنه متوافق مع مصافي التكرير الأمريكية، بحسب تقرير لـ"
إنديا توداي".
وحتى في ظل العقوبات، انتعشت صادرات النفط الخام في عام 2025 لتتجاوز 900 ألف برميل يوميًا. إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا رواسب هائلة من الغاز الطبيعي ومناطق تعدين غنية بالذهب، ارتبط بعضها بـ"التعدين غير القانوني والجماعات المسلحة".
لطالما زعم المسؤولون الأمريكيون أن هذه الثروة تدعم القمع والشبكات الإجرامية. في المقابل، اتهمت كاراكاس واشنطن بالطموح الإمبريالي والتعطش لنفطها ومعادنها. تفاقم هذا الصراع بعد انتخابات مثيرة للجدل، وفرض عقوبات شاملة، وتوجيه الولايات المتحدة اتهامات لمادورو عام 2020 بتدبير مؤامرة "إرهاب مخدرات".
فشل النقادفي عام 2019، أبدى النقاد قلقهم إزاء تصوير توم كلانسي لفنزويلا في مسلسل "جاك رايان"، فقد عكس الرئيس الخيالي نيكولاس رييس، الذي لم يكن سوى شخصية هامشية، مسار مادورو: صعود القومية، والانهيار الاقتصادي، وتزوير الانتخابات، ودفع البلاد نحو "الدولة الفاشلة".
وأثار التدخل الأمريكي في المسلسل، من الدعم السري إلى الهجوم على القصر، اتهامات بجنون العظمة في زمن الحرب الباردة ورواية "المنقذ الأبيض".
ووصف وزير الثقافة الفنزويلي آنذاك المسلسل بأنه "دعاية حربية متنكرة في زي الترفيه"، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "
لوس أنجلوس تايمز". جادل آخرون بأن المقطع مزج بين الخيال والواقع بشكل مفرط، لا سيما مع فرار الفنزويليين بأعداد قياسية من الانهيار الاقتصادي.
انعكاس وليس تنبؤًا
ولم يتوقع جاك رايان إقلاع المروحيات الأمريكية من كاراكاس أو وصول مادورو إلى مركز احتجاز في نيويورك، إلا أن ما نجح المسلسل في تجسيده، بشكلٍ لافت، هو المنطق الذي هيمن لاحقًا على خطاب واشنطن: أن موارد فنزويلا الهائلة، إلى جانب انهيارها السياسي وقربها من الولايات المتحدة، لم تجعلها مجرد مأساة، بل مشكلة استراتيجية مُعرّضة للانفجار.
في مونولوج انتشر كالنار في الهشيم، يُوجّه رايان تحذيرًا أخيرًا: الحكومات غير المستقرة، كما يقول، هي "أعظم الفرص" للقوى العالمية.
وبعد ست سنوات، وبينما تُناقش الولايات المتحدة معنى "إدارة" فنزويلا، ويتجادل العالم حول السيادة والنفط والتدخل، لم يعد هذا الكلام يبدو مجرد حوار تلفزيوني.
في المسلسل، تُنصّب الولايات المتحدة حكومة انتقالية متعاطفة، وفي عام 2026، تصبح الاستراتيجية أكثر وضوحًا، وصرّح ترامب صراحةً بأن الولايات المتحدة ستُدير البلاد وتُشرف على احتياطيات النفط مباشرةً إلى حين إمكانية انتقال السلطة.
واليوم، في ظل إدانة روسيا والصين الشديدة للغارة الأمريكية، واتهامهما واشنطن بـ"سلوك هيمنة"، اكتملت الدائرة المنطقية الجيوسياسية للمسلسل.
في عام 2019، وُصِف الموسم الثاني من مسلسل "جاك رايان" بأنه "مُعالجة مُشوَّشة" للأحداث الجارية. أما في عام 2026، ومع وجود مادورو في زنزانة بمانهاتن، وسعي القوات الأمريكية لتأمين حقول النفط، يبدو المسلسل أقرب إلى خارطة طريق منه إلى فيلم تجسس خيالي.