ثلاثية العمل الوطني المشترك في تونس (2)

رضا إدريس
الديمقراطية لا تبنى بمنح صكوك البراءة، ولا بإصدار أحكام مؤبدة؛  تبنى بنظام يجعل الوفاء مفيداً، والانتهازية مكلفة، والاستفراد مستحيلاً.. جيتي
الديمقراطية لا تبنى بمنح صكوك البراءة، ولا بإصدار أحكام مؤبدة؛ تبنى بنظام يجعل الوفاء مفيداً، والانتهازية مكلفة، والاستفراد مستحيلاً.. جيتي
شارك الخبر
حين يصبح الخصم شريكاً في إنقاذ الوطن   

لا تبدأ التجارب السياسية من الصفر، حتى حين يتصرف أهلها كأنهم يكتشفون التاريخ عند كل أزمة. في تونس خيط ممتد من محاولات العمل المشترك: حوارات المعارضة في الثمانينيات، وتجربة 18 أكتوبر 2005، والتوافقات التي ساعدت على صياغة دستور 2014،والحوار الوطني سنة 2013،  ثم المبادرات التي أعقبت 25 جويلية 2021 وصولاً إلى مسيرة 17 أكتوبر 2026.

لم تكن هذه المحطات متشابهة، ولم تنجح كلها بالقدر نفسه، لكنها راكمت معرفة سياسية ثمينة. والخطر اليوم ليس أن نفشل في بناء المشترك فحسب ،بل أن نهدر خبرة أربعة عقود ونصر على تكرار البدايات والأخطاء نفسها.

بالنسبة إلى حركة النهضة، ليس العمل المشترك وليد محنة ما بعد 2021، ولا مناورة فرضها ضعف الموقع  أو ضغط الاعتقالات. فقد عرفت حركة الاتجاه الإسلامي منذ بداية الثمانينيات قنوات حوار مع قوى ديمقراطية  ويسارية وقومية، قبل الاعتراف القانوني وقبل أن يكون الحكم في الوارد. جرى الحوار مع الحزب الإشتراكي التقدمي والحزب الشيوعي التونسي، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وحركة الوحدة الشعبية، وقوى وشخصيات أخرى.

غير أن أصالة الفكرة لا تعفي من نقد الممارسة. كل حزب يمكن أن يؤمن بالتوافق نظرياً ثم يخطئ في تقدير  موازين القوى، أو يخلط بين التسوية الضرورية وإدارة الحكم بالمساومات، أو يؤجل الإصلاح الداخلي تحت ضغط الاستحقاق الوطني. والدفاع الجدي عن تجربة النهضة لا يكون بتنزيهها، بل بتمييز ما فيها من قيمة عما فيها من قصور، وما هو مبدئي فيها عما كان استجابة ناقصة للظرف.

من حوارات الثمانينيات إلى 18 أكتوبر

كانت قيمة حوارات الثمانينيات في أنها كسرت مبكراً فكرة أن العائلات الفكرية التونسية كيانات مغلقة لا تلتقي. لكنها ظلت محدودة بسياق استبدادي وبتلعثم ثقافة التشاركية وبضعف المؤسسات، و ولم تتحول إلى عقد ديمقراطي شامل. وبقيت المخاوف المتبادلة، ولا سيما بين الإسلاميين واليسار، أقوى من قدرة النخب على بناء ثقة طويلة الأمد.

جاءت تجربة 18 أكتوبر 2005 أكثر نضجاً. انطلقت من إضراب جوع قادته شخصيات مختلفة التوجهات  للمطالبة بحرية التعبير والتنظّم والصحافة وإطلاق سراح المساجين السياسيين، ثم تأسست هيئة جمعت أحزاباً ومنظمات وشخصيات مستقلة. والأهم أنها لم تكتف بوحدة احتجاجية ضد نظام بن علي؛ وإنما أنشأت كذلك فضاء حوار لمعالجة مسائل اعتبرت طويلاً خطوط تماس مستحيلة، مثل حقوق المرأة، وحرية الضمير، والعلاقة بين الدين والدولة، وشروط النظام الديمقراطي.

كانت قيمة حوارات الثمانينيات في أنها كسرت مبكراً فكرة أن العائلات الفكرية التونسية كيانات مغلقة لا تلتقي. لكنها ظلت محدودة بسياق استبدادي وبتلعثم ثقافة التشاركية وبضعف المؤسسات، و ولم تتحول إلى عقد ديمقراطي شامل. وبقيت المخاوف المتبادلة، ولا سيما بين الإسلاميين واليسار، أقوى من قدرة النخب على بناء ثقة طويلة الأمد.
ذلك الانتقال من "العمل ضد" إلى "التفكير مع" هو درس 18 أكتوبر الأهم. فقد أثبت أن وحدة الحد الأدنى لا  تعني البقاء عند الحد الأدنى إلى الأبد؛ يمكنها أن تفتح باباً لتوسيع المشترك. لكنها أظهرت أيضاً حدودها حيث تعذر توسيع التجربة مجتمعياً وجهوياً بما يكفي، وتجددت الخلافات عند الاستحقاقات، ثم تراجع النشاط المشترك. أي إن الحوار الفكري، على ضرورته، لا يغني عن قواعد القرار ولا عن هندسة المصالح عندما تنتقل القوى من مقاومة الاستبداد إلى المنافسة على السلطة . وأحسب أن النهضة لم تبذل كل ما كان مُتاحا من حرص على توسيع الشراكة في حوكمة مرحلة ما بعد إنتخابات 2011 وخاصة إزاء مكونات 18 أكتوبر ولاسيما مع حزب التجمع الديمقراطي التقدمي وزعيمه المناضل الديمقراطي الأستاذ أحمد نجيب الشابي.

أخطأت النهضة في الإندفاع في تأثيث شراكة محدودة مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل في مرحلة تأسيسية كانت تقتضي إما إيكال الشأن الحكومي إلى حكومة كفاءات وطنية تدعمها الأحزاب التي تتفرغ لصياغة الدستور أو حكومة وحدة وطنية تشارك فيها الأحزاب الديمقراطية ليس على قاعدة النتائج الرقمية للصندوق بالأساس وإنما على قاعدة برنامج مشترك وشرط الكفاءة وبمرجعية منجز 18 أكتوبر الفكري والقيمي .

لقد حرمنا أنفسنا وبلادنا من أن نحول أرضية التوافقات الفكرية التي بلورتها حوارات 18 أكتوبر الى هندسة سياسية ومؤسسات تنفيذية عند إستحقاق الحكم . من المفارقة أن الترويكا تكونت بين النهضة وحزبين لم يكونا متحمسين لمبادرة 18 أكتوبر ولم يُستصحب منجز 18 أكتوبر الفكري والسياسي عندما أتيحت لنا فرصة تنزيل ثمار التوافقات في إدارة مشتركة للحكم بين أطرافه الأساسية وخاصة النهضة والتجمع الديمقراطي التقدمي.  الأمر التي أعطى الإنطباع لدى الأصدقاء قبل المتربصين بأن النهضة تذهب في التوافقات حين الضعف وتتنكب عنها عندما تحس بالقوة.

الثورة.. من رفقة المعارضة إلى امتحان الحكم  

بعد الثورة ساعد المخزون الحواري السابق على معالجة قضايا في الدستور، لكنه لم يمنع الاستقطاب. انتقلت الأحزاب بسرعة من شراكة مقاومة الاستبداد إلى صراع الحكم، قبل استكمال تشخيص الدولة والاقتصاد، وقبل الاتفاق على قواعد تمنع تحويل الأغلبية الانتخابية إلى هيمنة أ و المعارضة إلى تعطيل دائم.

للنهضة رصيد لا يجوز إنكاره: قبلت الانتخابات والتنافس، وشاركت في تسويات، وغادرت رئاسة الحكومة ضمن خريطة الحوار الوطني، وأسهمت مع غيرها في الوصول إلى دستور توافقي. وفي لحظة كان يمكن أن تنزلق فيها البلاد إلى صدام مفتوح، قبلت الحركة تنازلاً سياسياً كبيراً حفاظاً على المسار وعلى إمكان العودة إلى الشعب.

لكن للنهضة أيضاً نصيبها من أخطاء العشرية ومنه، ضعف التحول من منطق الحركة إلى منطق الحزب، ومن منطق الإيديولوجيا إلى منطق الدولة ومن منطق الاحتجاج إلى منطق البناء وتأخر التجديد الجيلي، والتردد في إصلاحات اقتصادية ومؤسسية، وتغليب تسويات الحكم أحياناً على وضوح البرنامج وجرأة إنفاذها، وعدم تقدير خطر الخطاب الشعبوي والاستئصالي بما يكفي. كما لم تنجح النهضة في تقديم نقد ذاتي مؤسسي ومفصل بالقدر الذي يسمح بفصل ما هو إشاعة أو تحميل جائر عما هو خطأ حقيقي يستوجب التصحيح. النقد الذاتي الجاد لا يكتفي بعبارة "الجميع أخطأ". إنه يحدد القرار، وأثره، والمسؤولية السياسية عنه، ويستخلص الدرس، والضمانة التي تمنع التكرار. وهو لا يساوي بين الخطأ السياسي والجريمة، ولا يقبل تحويل المسؤولية إلى عقاب جماعي. لكنه يرفض في الوقت نفسه أن تتحول المظلو مية اللاحقة إلى حصانة من السؤال عن الكفاءة والأداء. 

بعد الثورة ساعد المخزون الحواري السابق على معالجة قضايا في الدستور، لكنه لم يمنع الاستقطاب. انتقلت الأحزاب بسرعة من شراكة مقاومة الاستبداد إلى صراع الحكم، قبل استكمال تشخيص الدولة والاقتصاد، وقبل الاتفاق على قواعد تمنع تحويل الأغلبية الانتخابية إلى هيمنة أ و المعارضة إلى تعطيل دائم.
كما أن المسؤولية موزعة. فقد انخرطت قوى أخرى في شيطنة السياسة والأحزاب، أو استدعت حلولاً من  خارج المؤسسات، أو قبلت إضعاف الديمقراطية طلباً لإقصاء خصم. لا يفيد اليوم أن تتبادل الأطراف دفاتر الاتهام؛ المفيد أن تقدم كل عائلة سياسية كشفاً واضحاً بمراجعاتها، وأن تتحول هذه المراجعات إلى قواعد مشتركة لا إلى خطب أخلاقية بلا إلتزام وإنجاز.

 التسوية التي أنقذت إمكان التنافس

أثبت الحوار الوطني في 2013 أن التسوية ليست مرادفاً للاستسلام. فقد اجتمعت الأحزاب تحت رعاية الاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة الأعراف، وهيئة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حول خريطة طريق محددة: حكومة جديدة، واستكمال المسار الدستوري، وتهيئة الانتخابات.

لم يحل الحوار كل مشاكل تونس، ولم يمنع الصراعات اللاحقة، لكنه حافظ على الدولة وعلى إمكان التنافس السياسي. وهذه هي القيمة التي تضيع حين يُحاكَم التوافق فقط بما لم ينجزه اقتصادياً او ما قصّر فيه كإصلاحات. لقد نجح في منع الأسوأ، لكنه  أخفق لاحقاً في التحول إلى عقد إصلاح اقتصادي واجتماعي ومؤسسي. وهنا يتوجب التنويه بالدور التاريخي  للشيخين، الزعيم والمفكر راشد الغنوشي فك الله أسره والسياسي المحنك الباجي قايد السبسي رحمه الله الذين نزلا بثقليهما الرمزي والسياسي لفتح مسلك الحوار بدل التنافي والتوافق بدل العنف، كسبت من حكمتيهما تونس بضع سنوات من الإنتقال الديمقراطي حتى جاء انقلاب قيس سعيدّّ سنة 2021 ليعيدنا الى الوراء.

صحيح، غابت الأولويات الصارمة بعد 2014 وضعفت المحاسبة، وتوسعت المحاصصة، وتأجل بناء المؤسسات  الضامنة. ومن ثم لا يصح استعمال إخفاقات «توافق الحكم» لإعدام فكرة التوافق كلها. الدرس الصحيح هو الانتقال من توافق النخب على إدارة اليومي إلى تعاقد وطني على الإصلاح وتحقيق النتائج التنموية، فالتوافق ليس بديلاً عن البرنامج ولا عن المعارضة ولا عن المسؤولية؛ وإذا صار غطاء لاقتسام المواقع أو تعطيل القرار فقد معناه الديمقراطي.

من 25 تموز / يوليو إلى مسيرة 17 أكتوبر

بعد 25 تموز / يوليو 2021 ظهرت مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" كإطار معارض متعدد الخلفيات، ثم تأسست جبهة الخلاص الوطني، وتلت ذلك مبادرات ومسارات أخرى، منها مبادرة خيام التركي ل"عهد تونس من أجل استرجاع الديمقراطية وصيانتها" واتصالات بين عائلات سياسية ومدنية متباعدة. تكمن أهمية هذا التراكم في أنه نقل مقاومة الانفراد بالسلطة من موقف فئة إلى سؤال وطني أوسع، وإن بقيت المعارضة متشظية.

ولا يصح اختزال مسيرة 17 أكتوبر 2026 في ثمرة لقاء بعينه أو رسالة واحدة من المعتقلين. لقد أسهمت رسالة القادة المعتقلين والاتصالات والمبادرات اللاحقة في الداخل وفي الخارج وجهود الحزب الجمهوري في تحريك مناخ التقارب وليس في إنشاء الحدث من عدم. الدقة هنا سياسية وأخلاقية، فلا ينبغي لأي طرف أن يحتكر مبادرة جماعية أو ينسب إلى  نفسه نجاحاً صنعته أطراف متعددة.

أهم دلالة للمسيرة أنها جمعت في الفضاء العام مطالب اجتماعية وحقوقية وسياسية. ومثلّ حضور الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئة المحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان تذكيراً بأن الأزمة الاجتماعية لا تنفصل عن طبيعة القرار السياسي، وأن الحريات ليست ترفاً نخبويا  منفصلاً عن الدواء والتعليم والنقل والماء والكهرباء والقدرة الشرائية.

لكن النجاح الميداني ليس انتصاراً استراتيجياً. تقاس قيمة المسيرة لاحقاً باستمرار الاتصال، واتساع المشاركة من غير إقصاء أو تغول، وإنتاج أرضية مكتوبة، والقدرة على ربط المطالب الديمقراطية ببرنامج إنقاذ اقتصادي واجتماعي. إذا لم يحدث ذلك، ستظل المسيرة كغيرها من المبادرات لحظة رمزية ؛ وإذا حدث، تصبح لبنة متقدمة  لمسار وطني جديد. ولكن، إزاء ديناميكية التقارب بين مكونات المشهد السياسي والمدني ، تنهض بعض الاعتراضات حقيقة بالعرض والمناقشة.

الاعتراض الأول ـ "من خان مرة لا يؤتمن"

يقول معترضون على العمل المشترك من حيث المبدأ أو من حيث الإمكان ، إن أطرافاً ساندت إجراءات 25 جويلية ربما غيرت موقعها ولم تغير على الأرجح قناعتها ، وإن من أخطأ في حق الديمقراطية قد يفعلها ثانية. في الاعتراض وجه صحيح، فالمواقف السابقة جزء من السجل السياسي، وتغيير الموقع لا يمنح "براءة" تلقائية ومطلقة، ومن حق المتضررين وعموم الناس طلب تفسير واضح.

لكن استنتاج استحالة التعاون إلى الأبد يُحوّل السياسة إلى أنساب ثابتة لا مراجعة فيها. الاختبار الأدق ليس ادعاء النيّات، بل أسئلة عملية، منها هل وقف الطرف عند خطئه  أو أقر بقصور تقديره؟ هل يدافع اليوم عن حقوق المختلفين معه لا عن حقوق جماعته فقط؟ هل يقبل قواعد تنطبق عليه إذا أصبح أقوى؟ هل يلتزم بما وقّع عليه عندما يدفع كلفة ذلك التوقيع؟

في مجال السياسة، لا ثقة مطلقة ولا رفض أبدي. يبدأ التعاون محدوداً، وتُختبر التعهدات، ثم يتوسع بقدر ما يتراكم من صدق  السلوك. وإذا نكث طرف التزامه، لا تسقط فكرة العمل المشترك؛ وإنما  يفعّل التعاقد المتفق عليه، وُتراجع الصيغة، وتحفظ حقوق بقية المشاركين.

الاعتراض الثاني ـ "الخلاف الإيديولوجي أعمق من أن  يعالج"

القول إن الإسلاميين والعلمانيين أو اليساريين لا يستطيعون العمل معاً يخلط بين الاتفاق على الدولة والاتفاق على المجتمع. لا يحتاج الميثاق الديمقراطي إلى توحيد الموقف من كل قضية ثقافية أو اقتصادية؛ يحتاج إلى ضمان حق الجميع في الدفاع عن مواقفهم سلمياً، وقبول حكم المؤسسات والانتخابات والقضاء المستقل.

تجربة 18 أكتوبر ودستور 2014 دليل تونسي على إمكان إنتاج مشترك في أكثر القضايا حساسية من دون أن يتخلى أي طرف عن هويته. المشكل الحقيقي ليس الاختلاف الإيديولوجي، بل تحويل الإيديولوجيا إلى رخصة لإنكار مواطنة الآخر. يمكن أن يختلف المحافظ واليساري في السياسات الاقتصادية أو المرجعية الثقافية، لكن لا يملك  أحدهما أن يحرم الآخر من التنظيم أو الترشح أو التعبير.

المشترك الديمقراطي ليس اتفاقاً على كل الأجوبة، بل اتفاق على قواعد إنتاج الأجوبة ومراجعتها. نحن لا نريد مجتمعاً بلا محافظين أو بلا دستوريين أو بلا يساريين، بل دولة لا يستطيع فيها المحافظ أوالدستوري أو اليساري استعمال السلطة لمحو الآخر.

الاعتراض الثالث ـ "المعارضة أداة لأجندات أجنبية"

السيادة الوطنية ليست شعاراً دفاعياً يرفع عند الحاجة، بل منظومة قواعد. ومن المشروع مساءلة الأحزاب والجمعيات عن التمويل والعلاقات الخارجية، لكن اجتماعاً في الخارج أو اتصالاً دبلوماسياً لا يقوم دليلا على التبعية. المطلوب دليل على تمويل سري، أو توجيه موثق، أو التزام ينتقص من استقلال القرار وسيادة الوطن.

المشترك الديمقراطي ليس اتفاقاً على كل الأجوبة، بل اتفاق على قواعد إنتاج الأجوبة ومراجعتها. نحن لا نريد مجتمعاً بلا محافظين أو بلا دستوريين أو بلا يساريين، بل دولة لا يستطيع فيها المحافظ أوالدستوري أو اليساري استعمال السلطة لمحو الآخر.
الجواب الديمقراطي ليس إسكات السؤال ولا إطلاق التهمة، بل تعميم الشفافية بنشر مصادر التمويل السياسي  والمدني وأوجه إنفاقه؛ التصريح بالعلاقات واللقاءات الرسمية ذات الصلة بالشأن العام؛ منع التمويل السياسي الأجنبي السري من غير استثناء؛ تطبيق المعيار نفسه على السلطة والمعارضة؛ ورفض استدعاء الخارج لحسم الصراع الداخلي مع الحفاظ على العلاقات الدولية المشروعة والدفاع الحقوقي الكوني.

السيادة التي لا تطبق قواعدها بالتساوي تتحول إلى أداة تخوين. أما السيادة الحقيقية فتقوى بدولة قانون، واقتصاد قادر، ومجتمع متماسك؛ وبديبلوماسية رسمية وحزبية ومدنية تصنع الأصدقاء، لا بعزل البلاد ولا بتجريم كل اتصال دولي.

الاعتراض الرابع ـ "يريدون أصوات النهضة ثم يقصونها"

يخشى بعض قواعد النهضة ومحيطها أن تكون أطراف محدودة التنظيم تبحث عن جماهير الحركة من دون أن تعترف بحقها الكامل في الشراكة. هذا التخوف لا ينبغي تسفيهه. فاختلال الأحجام قد ينتج علاقة انتهازية، وقد تستفيد أطراف من التعبئة ثم تعود إلى الإقصاء عند تغير الموازين.

لكن الرد ليس الانعزال ولا المطالبة بقيادة مضمونة سلفاً. القوة التنظيمية مورد مشروع، وليست سند ملكية على المعارضة أو الوطن. وفي المقابل، لا يجوز مطالبة حزب بتعبئة قواعده ثم معاملته كضيف محرج.

الحل في قواعد عادلة في ميثاق العمل المشترك، من مثل توزيع المسؤوليات بحسب الكفاءة والمساهمة؛ منع  احتكار المنابر والرموز؛ اعتماد طريقة قرار بالاتفاق؛ تثمين الرمزية القيادية والشرعية الأخلاقية للقادة المساجين من كل العائلات، احتفاظ كل طرف باستقلاله وحقه في التحفظ؛ وعدم تحويل الحجم الجماهيري إلى حق نقض دائم أو ضعف الحجم إلى امتياز أخلاقي دائم. الشراكة لا تساوي بين الأحجام  انتخابياً، لكنها تساوي بين الحقوق والكرامة السياسية.

الاعتراض الخامس ـ "أصلحوا النهضة أولاً"

يقال إن على النهضة إصلاح نفسها قبل الدعوة إلى إصلاح الوطن. وفي ذلك قدر معتبر من الصواب. حزب بلا إنفتاح  وحوكمة ديمقراطية وتجديد فكري وشبابي وعصرنة إدارية يفقد جزءاً من أهليته للدفاع عن الديمقراطية خارجه.

لكن ترتيب المسألتين زمنياً بصورة صارمة غير واقعي. الإصلاح الداخلي والاستحقاق الوطني يجب أن يسيرا معاً. لا يجوز استعمال القمع ذريعة لتأجيل التجديد إلى أجل غير معلوم، كما لا يجوز مطالبة حزب محاصر بإيقاف نشاطه الوطني حتى يبلغ كمالاً تنظيمياً قد لا يبلغه أي حزب.

تحتاج النهضة إلى مراجعة مشروعها وخطابها وبنيتها القيادية، وتمكين النساء والشباب، وتعميق الفصل بين الدعوي والسياسي، وتجديد سياساتها التواصلية، وتحويل النقد الداخلي إلى مؤسسة حيةّّ وهي إصلاحات لا تضعف العمل المشترك، بل تجعله أكثر صدقية؛ لأن الشريك الذي يجدد نفسه ويعلن قواعد مشروعه يصبح أوضح وأكثر مصداقية من حيث قابليته للشراكة.

الرصيد ليس متحفًا  

تملك تونس خبرة مهمة، لكنها ليست ضمانة آلية. علمّتنا 18 أكتوبر أن الحوار الفكري ممكن؛ وعلمّنا حوار   2013 أن الوساطة والآجال وخريطة الطريق قد تنقذ الانتقال؛ وعلمّتنا تجارب ما بعد 2021 أن رفض الإقصاء يحتاج إلى قاعدة أوسع من حزب أو جبهة واحدة. وفي كل محطة ظهر نقص ينبغي إصلاحه في التالية.

هذا الرصيد يشبه سُلّما، لا معنى لامتلاك درجاته إذا أصر كل جيل على البدء من الأرض. غير أن صعوده  الآمن يحتاج إلى ذاكرة نقدية لا تمجيدية، وقواعد تمنع تكرار الأخطاء، وربط الديمقراطية بحياة الناس لا بصراع النخب وحده.

النهضة غير مطالبة بالتفريط في هويتها أو رصيدها، بل بتحويلهما من حصن دفاعي إلى مساهمة وطنية بنّاءة ولا يتمتع بقية الأطراف بحق طبيعي في الثقة بها بلا ضمانات، بل هي كذلك محمولة على احترام حق النهضة المتساوي ويكون اختبار سلوكها بالمعيار نفسه دون تمييز.

فالديمقراطية لا تبنى بمنح صكوك البراءة، ولا بإصدار أحكام مؤبدة؛  تبنى بنظام يجعل الوفاء مفيداً، والانتهازية مكلفة، والاستفراد مستحيلاً.

في المقال المقبل بعد تأصيل المبدأ في المقالة الاولى واختبار التاريخ والاعتراضات، في هذه المقالة يبقى السؤال الحاسم، ما الذي ينبغي بناؤه؟ المقال الثالث ينتقل من مشروعية العمل المشترك إلى هندسته، ك أرضية وطنية، وميثاق ملزم، وأجهزة قرار، وخطة انتقال، وضمانات تمنع الاستيلاء على الدولة أو تحويل المؤقت الى دائم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)