ثلاثية العمل الوطني المشترك في تونس

رضا إدريس
النقد الذاتي واجب على الجميع، والتاريخ السياسي يدخل في تقييم المصداقية، وتغيير الموقف يحتاج إلى تفسير وضمانات.
النقد الذاتي واجب على الجميع، والتاريخ السياسي يدخل في تقييم المصداقية، وتغيير الموقف يحتاج إلى تفسير وضمانات.
شارك الخبر
تونس.. العمل المشترك من منهج الضرورة الى ضرورة المنهج

كلما اجتمعت قوى سياسية ومدنية تونسية مختلفة في مسيرة أو موقف أو حوار، عاد السؤال نفسه في صيغة متوجّسة: أهذا التقاء مبدئي أم مناورة ظرفية؟ وهل يستطيع الإسلامي واليساري والقومي والليبرالي والنقابي والحقوقي أن يعملوا معاً من غير أن يخفي أحدهم مشروعاً للهيمنة على الآخرين؟ ثم ما جدوى العمل المشترك إذا كانت الذاكرة مثقلة بالخصومات والثقة مهزوزة إلى هذا الحد؟

هذه أسئلة مشروعة. غير أن الخطأ يبدأ عندما نجعل الاختلاف دليلاً على استحالة التعاون، أو نجعل التعاون قرينة على ذوبان الهويات. فالمجتمع السياسي لا يصير ديمقراطياً حين يتشابه أفراده، بل حين يتعلم المختلفون كيف يعيشون ويتنافسون داخل قواعد لا يملك أحدهم احتكارها أو تعطيلها والسؤال الصحيح ليس: هل نتفق في كل شيء؟ بل: ما الذي ينبغي أن نتفق عليه حتى يكون اختلافنا ممكناً وآمناً ومنتجاً؟

ليست الديمقراطية وعداً بإنهاء التعدد؛ إنها طريقة حضارية لإدارته. وليست السياسة بحثاً عن شعب بلا تناقضات؛ إنها فن تحويل التناقض من صراع وجود إلى تنافس على البرامج والمصالح داخل دولة القانون. ومن هذه الزاوية يصبح العمل المشترك أكثر من حيلة فرضتها موازين القوى: يصبح منهجاً أصيلاً في بناء المجال الوطني.

المشترك لا يلغي المرجعيات

يساعدنا مفهوم "التوافق المتقاطع" في الفلسفة السياسية على فهم إمكان الاتفاق بين أصحاب مرجعيات دينية وفلسفية وأخلاقية متباينة على مبادئ سياسية مشتركة، مع احتفاظ كل طرف بأسبابه الخاصة لتأييدها. فالمحافظ قد يدافع عن كرامة الإنسان من داخل مرجعيته، واليساري من منطلق المساواة، والليبرالي من منطلق الحرية؛ ولا يلزم توحيد منطلقاتهم ما داموا يلتقون على حماية الحق نفسه.

المجتمع السياسي لا يصير ديمقراطياً حين يتشابه أفراده، بل حين يتعلم المختلفون كيف يعيشون ويتنافسون داخل قواعد لا يملك أحدهم احتكارها أو تعطيلها والسؤال الصحيح ليس: هل نتفق في كل شيء؟ بل: ما الذي ينبغي أن نتفق عليه حتى يكون اختلافنا ممكناً وآمناً ومنتجاً؟
وعلى المنوال ذاته، لا تعني الديمقراطية إلغاء الصراع. المطلوب أن يتحول «العدو» الذي يراد استئصاله إلى "خصم مشروع" ننافسه بقوة، ونرفض برنامجه، ونسعى إلى هزيمته انتخابياً، لكننا لا ننكر مواطنته وحقه في التنظيم والتعبير والوصول إلى الحكم بالوسائل السلمية. وفي الحالة التونسية تحديداً، هذا التحول من عداوة الهوية إلى خصومة البرنامج ليس ترفاً فكرياً؛ إنه الشرط الأول لعدم إعادة إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة.

العمل المشترك، إذاً، لا يطلب من الإسلامي أن يصبح يسارياً، ولا من اليساري أن يتخلى عن نقد الإسلاميين، ولا من النقابي أن يتحول إلى ذراع حزبية، ولا من الحقوقي أن يصمت عن أخطاء المعارضة. إنه يطلب من الجميع أن يقروا بأن الوطن أوسع من كل واحد منهم، وأن القاعدة التي تحمي حقي اليوم ينبغي أن تحمي حق خصمي غداً.

ليس كل لقاء تحالفاً

من أكبر مصادر الالتباس التعامل مع العمل المشترك كما لو كان درجة واحدة والحال أنه يبدأ من التضامن الحقوقي، وقد يمر بالتنسيق الميداني والحوار السياسي والميثاق الديمقراطي، وقد يبلغ ـ إذا نضجت شروطه ـ تحالفاً انتخابياً أو حكومياً. ولكل مستوى موضوعه ومدته والتزاماتهم.

أن أدافع عن محاكمة عادلة لخصم سياسي لا يعني أنني أزكي تاريخه أو برنامجه. وأن أشاركه مسيرة دفاعاً عن الحريات لا يعني أنني فوضته لقيادة المعارضة. وأن أوقّع معه ميثاقاً ديمقراطياً لا يعني أننا اتفقنا على الضرائب والدعم والتعليم والعلاقة بين الدين والدولة. كما أن الحوار لا يلزم أطرافه بنتيجة مسبقة؛ إنه يلزمهم فقط بالإنصات والصدق وعدم استعمال الطاولة ستاراً للخداع.

بهذا التمييز تزول مفارقة مصطنعة كثيراً ما تثار: هل العمل المشترك خيار استراتيجي أم اضطرار تكتيكي؟ الجواب أن احترام التعددية، ورفض الإقصاء، وقبول التداول السلمي، وصيانة حقوق المخالف، خيارات استراتيجية ثابتة في الحكم والمعارضة. أما التعاون مع طرف معين حول قضية محددة فهو قرار سياسي ظرفي يقيّم بحسب الهدف والوسيلة والكلفة والنتيجة.

الظرفي ليس بالضرورة انتهازياً. يصبح انتهازياً عندما يقوم على إخفاء الغاية، أو استغلال الشريك، أو نقض التعهد فور تغير ميزان القوة. أما التنسيق المحدد والشفاف، الذي يحفظ استقلال المشاركين ويضبط ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، فهو ممارسة طبيعية في كل حياة ديمقراطية ناضجة.

الثقة نتيجة وليست شرطاً مسبقاً

من أكثر الشروط تعجيزاً القول: "لا تعاون قبل استعادة الثقة". فالثقة الكاملة ليست نقطة بدء في السياسة؛ هي نتيجة محتملة لمسار طويل. ومن الأنفع التمييز بين ثقة شخصية تنشأ من المعرفة المباشرة، وثقة سلوكية تبنى من اتساق المواقف والوفاء بالتعهدات، وثقة مؤسسية تنتجها القواعد المكتوبة والشفافية والمراقبة وآليات فض النزاع.

التجارب الناجحة لا تنتظر صفاء النيات؛ إنها تخفض مخاطر سوء النية. ولذلك تحتاج الشراكة إلى موضوع مضبوط، وتعهدات متبادلة، وآجال معلنة، ومحاضر مكتوبة، وحق في التحفظ، وآلية وساطة، وجزاء سياسي عند الإخلال. والسؤال الواقعي ليس: هل أثق في شريكي إلى الأبد؟ بل: هل صممت العلاقة بحيث يمكن اكتشاف الإخلال مبكراً، ومساءلة صاحبه، ومنعه من الاستيلاء على القرار؟

وحين تتحول الثقة من عاطفة إلى هندسة مؤسسية، تقل الحاجة إلى قراءة الضمائر ويزداد الاعتماد على السلوك القابل للفحص. فلا نعطي أحداً صك براءة، ولا نصدر عليه حكماً مؤبداً. نختبره بما يقول ويفعل، وبقدرته على احترام القاعدة عندما لا تخدم مصلحته المباشرة.

جنوب أفريقيا.. التفاوض من دون محو الذاكرة

لا تستدعى تجربة جنوب أفريقيا بوصفها وصفة جاهزة؛ فالفروق التاريخية والاجتماعية بينها وبين تونس كبيرة. لكن قيمتها تكمن في الأدوات السياسية التي طورتها: تعريف طبيعة الصراع، وقراءة موازين القوى، والانتقال من مقاومة النظام إلى تحصين المستقبل، وإدارة التفاوض بحيث لا يمنح المعطلون حق إعدام المسار كله.

بدأ الانتقال هناك بإجراءات لبناء الثقة وفتح المجال العام، ثم جاء اتفاق سلام وطني وضع قواعد سلوك للأطراف، بما فيها أجهزة الأمن، وتواصلت مفاوضات متعددة الأطراف لبناء النظام الجديد. وعندما تعثرت المفاوضات، ساعدت ضمانات انتقالية مؤقتة ـ عرفت ضمن ما عرف بـ "بنود الغروب" ـ على تخفيف مخاوف قطاعات مرتبطة بالنظام السابق، من غير تحويل الامتياز المؤقت إلى حق دائم.

الثقة الكاملة ليست نقطة بدء في السياسة؛ هي نتيجة محتملة لمسار طويل. ومن الأنفع التمييز بين ثقة شخصية تنشأ من المعرفة المباشرة، وثقة سلوكية تبنى من اتساق المواقف والوفاء بالتعهدات، وثقة مؤسسية تنتجها القواعد المكتوبة والشفافية والمراقبة وآليات فض النزاع.
كما برز مفهوم «التوافق الكافي»: فلا يختزل القرار في أغلبية عددية عابرة، ولا يشترط إجماعاً مستحيلاً يمنح كل طرف صغير حق النقض. المقصود هو بناء قبول واسع لدى القوى ذات الوزن، مع إنصات جدي إلى بقية المشاركين، ومنع المفسدين المنشغلين بتعطيل المسار من التحكم في مصير البلاد.

الدرس التونسي ليس تقليد جنوب أفريقيا، بل استيعاب أربع قواعد: لا انتقال من دون غاية متفق عليها؛ ولا تفاوض ناجحاً إذا خلطنا تصميم النظام بتوزيع المناصب؛ ولا ضمانة أقوى من ترتيبات انتقالية تنتهي تلقائياً ولا يستطيع المستفيدون تمديدها؛ ولا مصالحة من دون حقيقة ومساءلة، مثلما لا توجد مساءلة ديمقراطية تتحول إلى انتقام جماعي.

فالعدالة التصالحية لا تعني الإفلات من المسؤولية، والعدالة الانتقالية لا ينبغي أن تكون إعادة توزيع للظلم. المطلوب حفظ الذاكرة، ورد الحقوق، وتعيين المسؤوليات فردياً، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار؛ لا بناء شرعية جديدة على الإذلال أو الثأر.

المونكلوا.. حين تقترن التضحية بالضمانة

وُلدت اتفاقات المونكلوا الإسبانية سنة 1977 في قلب انتقال سياسي وأزمة اقتصادية واجتماعية حادة. تفاوضت الحكومة والأحزاب والقوى الاجتماعية على حزمة ربطت الاعتدال في الأجور والمطالب بإصلاحات ضريبية وقانونية واجتماعية، وبتوسيع الحريات والرقابة. وقيمتها الأساسية أنها لم تفصل إنقاذ الاقتصاد عن ترسيخ الديمقراطية: قبول الكلفة لم يكن شيكاً على بياض؛ كان مقابله إصلاح وشفافية وتوازن في توزيع الأعباء.

وليست المونكلوا أسطورة نجاح كامل؛ فقد تأخر تنفيذ بعض التعهدات، وظلت مشكلات اجتماعية حادة قائمة. وهذا الوجه النقدي أهم لتونس من الاحتفاء: الاتفاق السياسي الذي لا يتحول إلى التزامات قابلة للقياس قد يمنح السلطة وقتاً وشرعية من دون أن يمنح المجتمع نتائج.

لذلك لا يكفي أن يقال للنقابات: اهدؤوا لإنقاذ الاقتصاد، أو للمؤسسات: استثمروا من أجل الوطن، أو للمواطنين: اصبروا على الإصلاح. يلزم عقد واضح يجيب عن أربعة أسئلة: ما الكلفة؟ من يتحملها؟ ما المقابل؟ ومن يراقب التنفيذ؟ فالتوافق الذي يخفي الخاسرين أو يؤجل الحقيقة المالية ليس توافقاً؛ إنه ترحيل للأزمة.

لتونس ذاكرتها الخاصة

لا تحتاج تونس إلى استيراد شرعية العمل المشترك. ففي تجربة 18 أكتوبر  2005 اجتمع إسلاميون ويساريون وقوميون وحقوقيون حول مطالب حرية التعبير والتنظم وإطلاق سراح السجناء السياسيين، ثم انتقلوا من الاحتجاج المشترك إلى حوار في قضايا المرأة، وحرية الضمير، والعلاقة بين الدين والدولة، وشروط الديمقراطية. لم تلغ التجربة الخلافات، لكنها أثبتت أن الحوار يمكن أن يسبق الانتقال وأن يختصر بعض كلفه.

الدرس التونسي ليس تقليد جنوب أفريقيا، بل استيعاب أربع قواعد: لا انتقال من دون غاية متفق عليها؛ ولا تفاوض ناجحاً إذا خلطنا تصميم النظام بتوزيع المناصب؛ ولا ضمانة أقوى من ترتيبات انتقالية تنتهي تلقائياً ولا يستطيع المستفيدون تمديدها؛ ولا مصالحة من دون حقيقة ومساءلة، مثلما لا توجد مساءلة ديمقراطية تتحول إلى انتقام جماعي.
ثم جاء الحوار الوطني سنة 2013 في لحظة استقطاب حاد، فرعت منظمات وطنية مساراً بخريطة طريق وآجال ومخرجات محددة. لم تكن قوة التجربة في كلمة "الحوار" وحدها، بل في وجود رعاية وطنية، وتنازلات متبادلة، وحكومة جديدة، واستكمال للمسار الدستوري والانتخابي. وقد أثبتت أن التسوية قد تكون شجاعة لا ضعفاً، عندما تمنع الصدام وتحفظ باب التنافس مفتوحاً.

وتأتي مسيرة 17 أكتوبر 2026 حلقة ضمن تراكم سبقته «مواطنون ضد الانقلاب»، وجبهة الخلاص الوطني، ومبادرة خيام التركي، ورسائل المعتقلين، ومسارات أخرى للحوار والتنسيق. لا يجوز اختزال المسيرة في طرف أو لقاء أو رسالة، ولا تحميلها ما لا تحتمل. فهي لم تحسم القيادة، ولم تنتج برنامج حكم، ولم تمح أزمة الثقة. لكنها كسرت صورة الاستحالة، وأعادت وصل مطلب الحرية بالعدالة الاجتماعية، وقدمت اختباراً أولياً لقدرة المختلفين على تقاسم الفضاء العام.

قيمة الحدث ليست في العدد وحده، بل في ما يأتي بعده: هل تنشأ قنوات اتصال منتظمة؟ هل تكتب قواعد؟ هل تنتج أوراق مشتركة؟ هل ينتقل المشاركون من وحدة الاعتراض إلى أهلية الاقتراح؟ المسيرات تفتح النوافذ، لكنها لا تبني البيت.

السذاجة الحقيقية

ليس ساذجاً من يتعاون بشروط وضمانات؛ السذاجة في وهمين متقابلين: وهم القدرة على مقاومة الاستبداد وبناء الديمقراطية بقوة طرف منفرد، ووهم إمكان ضمان المستقبل عبر إقصاء الخصوم مسبقاً. فالطرف الذي يرفض كل شراكة خوفاً من الخيانة يمنح السلطة القائمة أفضل شروط البقاء: معارضة مجزأة، وذاكرة تستخدم لتعطيل الحاضر، وهويات تتحول إلى أسوار.

وفي المقابل، ليست الدعوة إلى العمل المشترك دعوة إلى النسيان. النقد الذاتي واجب على الجميع، والتاريخ السياسي يدخل في تقييم المصداقية، وتغيير الموقف يحتاج إلى تفسير وضمانات. لكن الفرق كبير بين ذاكرة تتعلم وذاكرة تشل؛ بين مساءلة تفتح باب المراجعة ومحاكمة أبدية تمنع كل تطور.

العمل المشترك الأصيل يجمع بين مبدئين لا يجوز التضحية بأحدهما: لا إقصاء لأحد، ولا حصانة لأحد. لا يحرم طرف من حقه بسبب هويته، ولا يعفى من النقد بسبب دخوله في التحالف. وعندما تصبح هذه القاعدة متبادلة، لا يعود التعاون تنازلاً عن الذات، بل استثماراً في وطن لا يستطيع أي مكون أن يحكمه وحده، ولا أن يلغيه وحده.

في المقال المقبل إذا كان العمل المشترك أصيلاً من حيث المبدأ، فإن صدقيته تختبر في التاريخ. وفي المقال الثاني نعود إلى التجربة التونسية، ولا سيما تجربة حركة النهضة، لا بقصد الاحتفاء ولا الإدانة، بل لاستخراج ما أنجزته وما أخفقت فيه، ومناقشة الاعتراضات التي تلاحق كل دعوة جديدة إلى الشراكة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)