لم تكن
الجريمة النَّكراء التي مزَّقت جسد الطفلة القاصر "يقين" في غياهب منطقة
"الملاسين" مجرد حبر سُكب على صفحات الحوادث الجنائية العابرة. إنها
زلزال قيميّ مُدَوّ، وصرخةُ فزع انطلقت من رئة وطن يُحتضر. إن "يقين"
ذات الخمسة عشر ربيعا، والتي تصارع الموت اليوم في غيبوبة الإنعاش، لم يقتلها الوحوش
السبعةُ الذين نهشوا براءتها فحسب، بل طعنتها في الظهر خيانةُ "صديقة"
رتّبت لها فخَّ الاستدراج الذي صُنِع بدم بارد. هذه الفاجعة ليست إلّا العرض
الملموس لمرض عُضال ينهش روح
تونس؛ إنها النتاج الشرعي والمنطقي لمنظومة كاملة
تعمّدت، على مدار عقود، هندسة الرذيلة، وتجفيف منابع الوعي
الأخلاقي، لتنصيب
"البلطجي" و"التافه" و"صانع المحتوى الوضيع" كأبطال
جُدُد على عرشِ ذائقة الناشئة.
وكأنّ هذا
التوحش الذي استباح براءة "يقين" يختزل الحكاية الكبرى لوطن سُرقت
أحلامه؛ وطن خرج شبابُه يوما ليعانقوا السماء، قبل أن تهبَّ عليه رياحُ الغدر
وتقلب مراكبه في عرض البحر، تماما كما تصرخ أبيات القصيدة:
كان الأمل
في عينينا.. وكان الحلم يكبر فينا
هزّينا
السما بيدينا.. وتغنّت الحريّة بينا
لكن
الرّيح غدّارة.. قلبت مراكبنا علينا
وضاع
الحلم في الطريق.. شكون اللّي خان فينا؟
أولا:
خناجر التاريخ.. غلق الزيتونة وتجفيف المنابع
لماذا تتالى علينا هذه المصائب والخطايا كقطع الليل المظلم؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عن هذا الانفلات والدماء المستباحة أمام أبواب المدارس؟
حين نفكك
هذه المعضلة الأخلاقية، نجد أن خيوط الجريمة تمتد عميقا في تربة التاريخ. لقد بدأت
حكاية الانبتات الحضاري والتغريب الممنهج منذ أن وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي
أرضنا، مُستهدفة الحصن الحصين لهويتنا وعقيدتنا العربية الإسلامية. وتلقف الراية
بعد الاستقلال نظام بورقيبي، ارتدى قناع "التحديث القسري"، فارتكب
خطيئته الكبرى بغلق "جامع الزيتونة"؛ تلك المنارة التي كانت تبث قيم
الاعتدال والشهامة وتمنح المجتمع حصانته الروحية. ثم جاء نظام بن علي ليُتوج هذا
الانسلاخ بمقاربة أمنية فظة؛ فتحت كذبة وشماعة "محاربة الإرهاب"، حُوربت
الفضيلة، وجُرّمت مظاهر التدين الطبيعي، وأُفرغت الساحة تماما من أي وازع روحي،
ليُترك الشارع في الأحياء الشعبية والمهمشة نهبا للفراغ، والجهل، والتوحش.
ثانيا:
شاشات المسخ.. من سينما "الحمام" إلى مسالخ سامي الفهري
هذا
الخواءُ الروحي لم يكن عفويا، بل هندسته بوعي تام "نخب قذرة" احتقرت
هوية شعبها. بدأ المسار بسينما مدعومة بأموال فرنسية مشروطة، كرّست نمط الاستعمار
الثقافي المتواصل؛ سينما اختزلت تونس العميقة في "مشاهد الحمّام"
والابتذال كما في فيلم "عصفور السطح"، عازلة عين المشاهد عن هموم الفقر
والكرامة لترتطم بعورات الشذوذ والعرّي. هذا الإسفاف السينمائي سرعان ما تحول إلى
كتالوج يومي للجريمة في دراما سامي الفهري وأمثاله، حيث أصبح تاجر المخدرات
والبلطجي بطلا جذابا تُمجد خيانته.
ولم يتوقف
الأمر عند هذا الحد، بل أُشرعت الأبواب بعد ثورة 2011 لفتح المواقع الإباحية على
مصراعيها بلا رقيب، تحت شعار "حرية الإنترنت" الزائف؛ وما كان القصد
حرية، بل إفسادا ممنهجا وتدميرا للحصانة النفسية لجيل بأكمله، لإغراقه في مستنقع
الغرائز وتوجيههم بعيدا عن الوعي السياسي وبناء الوطن. عندما يُشرعن الإعلام
والتقنية الخيانة ويجعل من الرذيلة بطولة، تموت الضمائر؛ وعندها فقط يصبح ممكنا
لقاصرٍ أن تبيع صديقتها لوكر ذئاب دون أن يهتز لها جفن.
وكأن
فاجعة "يقين" لم تكن أليمة ومزلزلة كما يجب، لنستفيق مصدومين على فاجعة
جديدة في منطقة "المحمدية"، لا تقل عنها شناعة وتهوراً وبلطجة. مأساة
مرورية مروعة أمام أسوار المعهد الثانوي، ذهبت ضحيتها سيدتان في طريقهما لمرافقة
أبنائهما إلى المعهد، وجرح ثلاثة آخرين بسبب قاصر مستهتر يقود شاحنة بسرعة جنونية
بلا رخصة وبلا وازع. ما الذي يحدث في تونس؟ ولماذا تتالى علينا هذه المصائب
والخطايا كقطع الليل المظلم؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عن هذا الانفلات والدماء
المستباحة أمام أبواب المدارس؟
ثالثا:
لعنة النفاق وخيانة العهود.. ما أشبه اليوم بالأمس!
إن ما
نعيشه اليوم في تونس ليس نتاج اللحظة، بل هو أزمة تاريخية قديمة، استشرت واستفحلت
بشكل غير مسبوق عقب منعرج تموز/يوليو 2021. إنها أزمة تتلخص في خطيئة "خيانة
الأمانة ونقض العهود" ممن اؤتمنوا على مسار البلاد وصناديقها، لتتطابق هذه
الخيبة السياسية تماما مع الغدر الشخصي الذي مارسته صديقة "يقين" بحق
براءتها. في هذا الفضاء، لم تعد إدارة الشأن العام مبنية على بناء المؤسسات أو صون
القضاء، بل فُسح المجال لصعود خطاب مشحون بالتخوين، والتفرقة، والإقصاء، يقسم
المجتمع إلى فئات متناحرة ويضرب السلم الأهلية في مقتل، ليجد الفرد نفسه مجددا
أمام تلك المعادلة التاريخية العتيقة: "وافِق، أو نافِق، أو غادِر البلاد"!
صرخنا
بصوت عالي.. وضاعت صرختنا في الزحام
ڨالوا
الجوع كافر.. وباعوا معاه كل الأحلام
اختاروا
الخبز عالكرامة.. وخسروا الزوز في النهاية
لا خبز
صانوا للمغبون.. لا رفعوا للحقّ راية
هنا تلتقي
لعنات التاريخ ولوعة الفقد؛ وينطق لسان الفيلسوف ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون،
ذاك المبدع الذي خبر طبائع الاستبداد في تونس وعاش المطاردة والمكائد حتى غادرها
طريدا ومات في منفاه، بعد أن صاغ دستوره الاجتماعي الصارم: "الشعوب المقهورة
تسوء أخلاقها، وإن الإنسان إذا طال به التهميش يصبح كالبهيمة، لا يهمه سوى الأكل
والشرب والغريزة". وهي ذات المحنة التي تجرعها الشيخ المصلح والمقاوم أبو
الحسن الشاذلي حين حاصره النفاق وطُرِد من تونس مكلوما، فالتفت إلى أسوارها باكيا:
"لو سالمتنا تونس من أهلها... لكانت دارا و نِعم الدّار، لا يشهدون لفاضل
بفضيلة، وهم لكلّ رذيلة أنصار".
هذا
المناخ الإقصائي القمعي، والإنهاك المعيشي الذي حاصر الشعب في زاوية الاحتياجات
البيولوجية نتيجة الفشل الاقتصادي الذريع، هو الذي ترك الأحياء المهمشة لقمة سائغة
للغريزة العمياء والتوحش الذي التهم في النهاية براءة الطفلة "يقين".
رابعا:
بلسم الشفاء.. العودة إلى الضاد والتحرر الحضاري
مأساة "يقين" تخبرنا بصوت مخنوق أن حكم الحديد والنار، وبث الكراهية، وتجفيف المنابع لا يصنع استقرارا، بل يورث خرابا معيشيا وتوحشا في الشوارع. إن حماية الطفولة وصون الكرامة لن تأتي بشعارات شعبوية جوفاء، بل باسترداد ديمقراطيتنا، ودولة القانون
أنا على
يقين يا "يقين"، أنَّ عرضك الغضَّ لم تهتكه مخالب الوحوش الآدمية السبعة
في عتمةِ الملاسين فحسب، بل هتكته خناجر سلاطين الحديد والنار وقضاة الجور،
وتواطؤُ النُّخبِ المتنكّرةِ لأصلها وهويّتها، وصمتُ الشعب الخانع الذي قَبل
بالهوان عبر مساربِ تاريخنا المكلوم؛ قادة ونخب باعوك وباعونا على أرصفةِ المصالح
الضيقة، واستوردوا لنا من وراءِ البحار قشور عيش غريبة لا تركب على ظهر مجتمعنا،
ولا تُثمر في طمس هويّتِنا، لتغدو براءتُكِ القربان الأخير في مسلخِ الانبتات
والتبعيّة.
لذلك، فإن
العلاج الحقيقي والناجع يبدأ من المصالحة التامة مع هوية هذا الشعب وعقيدته
واحترام الذات. إن الانبتات والذوبان في فضلات الثقافة الفرنسية لا يبني حضارة،
ولن تشيد أمة نهضتها بلسان غيرها. إن ما نعيشه اليوم من تمييع فج للغة العربية،
والاستعمال المفرط والتبعي للغة الفرنسية في كل تفاصيل الإدارة والحياة اليومية،
هو احتقار صارخ للغة الضاد؛ لغة الوجود والعقيدة والهوية. لا فكاك لنا ولا خلاص
إذا لم نحترم بُعدنا العربي المسلم كقاعدة صلبة للانطلاق، والتحرر التام من أغلال
الاستعمار الثقافي الفرنسي. يا ليتنا تلقفنا منهم ما ينفع من علوم وتكنولوجيا، بل
اكتفينا، للأسف، بقشورهم النتنة التي أفسدت الحرث والنسل.
واليوم
نسأل يا سبعطاش.. وقتاش يرجع اللي ضاع؟
وقتاش
يفيق الراڨد والشارد.. وتوفى ها الأوجاع؟
ويرجع صوت
الحق عالي.. وتتحقّق الأحلام؟
إن مأساة
"يقين" تخبرنا بصوت مخنوق أن حكم الحديد والنار، وبث الكراهية، وتجفيف
المنابع لا يصنع استقرارا، بل يورث خرابا معيشيا وتوحشا في الشوارع. إن حماية
الطفولة وصون الكرامة لن تأتي بشعارات شعبوية جوفاء، بل باسترداد ديمقراطيتنا،
ودولة القانون، والعودة إلى أصالتنا. إننا في خضم هذه المعركة ندرك يقينا أن الفن
الملتزم بقضايا شعبه وآلامه هو الركيزة التي لا تبنى الحضارات ولا تنجح الثورات
دونه، وهو السلاح الأبقى الذي نحتاجه اليوم لتستقيم أحوالنا، ولنسترجع مشعل
الإبداع الحقيقي من الأيادي الخبيثة التي تعمدت إطفاء ضيائه ونشر العتمة والتفاهة
في عقول أبنائنا؛ لتعود تونس لأهلها؛ حرة، أبية، ومعتزة بهويتها.
الرماد
يخبّي جمر.. والحرّ ما يرضى بالقيود
تونس
الخضراء ترجع تطير.. والبسمة ليها تعود
ومهما
يطول الليل.. لا بدّ الفجر يبان
وترجع
تونس لأصلها.. ويعود ليها الشان
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.