1. من تعدد الأزمات
إلى أزمة الدولة
تمرّ
تونس منذ أشهر
بأحد أخطر الأزمات في تاريخها، وهي أزمات مُركَّبة ومتعددة الأوجه، يختلط فيها السياسي
بالاقتصادي والاجتماعي بالمعيشي، ونجد الدولة من رأس السلطة إلى مختلف مؤسساتها وأجهزتها
في قلب الأزمة، فتكون إما هي المتسبب الرئيس فيها لضعف التخطيط وغياب الكفاءة، أو لعجزها
عن إدارة الأزمة واجتراح الحلول، والاكتفاء بلوم الأشباح والقوى الخفية والتضحية بالقرابين
واعتماد سياسة النّديب والهروب للأمام.
في تقديري، لم يعد
ممكناً قراءة ما يجري في تونس باعتباره مجموعة أزمات منفصلة: أزمة كهرباء هنا، أزمة
ماء هناك، تواتر نقص بعض المواد، صعوبات في النقل أو المحروقات، توتّر سياسي أو
احتجاجات
اجتماعية. نحن أمام أزمة أشمل، تتعلق شيئاً فشيئاً بقدرة الدولة نفسها على الإدارة
والتخطيط والاستباق واتخاذ القرار، في ظل سلطة مركزيّة جعلت القرار فرديا بيد من لا
يعرف الدولة ولا يفقه قوانين سيرها ويجهل نواميس عملها.
فالمشهد السياسي مُغلق
منذ سنوات، ومساحات الحوار تقلّصت، وعدد كبير من المعارضين والفاعلين السياسيين والإعلاميين
تمّ الرمي بهم في السجون بتهم تافهة ويواجهون قضايا ثقيلة، بينما يوجد آخرون في الخارج
ومحرومون من دخول البلاد. وفي مقابل كل أزمة تقريباً، أصبح الخطاب الرسمي يعود إلى
الحديث عن المتآمرين والمخربين وأعداء الوطن. بل إنّ رأس السلطة قد اعتبر مؤخراً أن
انقطاعات الماء والكهرباء كانت نتيجة أعمال تخريب متعمدة، في تعارض كامل مع ما تصرّح
به مؤسسات الدولة نفسها من أسباب موضوعية من تخلّفٍ في التخطيط وغياب لسلطة القرار.
في مقابل كل أزمة تقريباً، أصبح الخطاب الرسمي يعود إلى الحديث عن المتآمرين والمخربين وأعداء الوطن. بل إنّ رأس السلطة قد اعتبر مؤخراً أن انقطاعات الماء والكهرباء كانت نتيجة أعمال تخريب متعمدة، في تعارض كامل مع ما تصرّح به مؤسسات الدولة نفسها من أسباب موضوعية
2. حين تصبح الأزمة
جزءاً من الحياة اليومية
وتكمن المشكلة في
أنّ المواطن لم يعد يقيس أداء الدولة بالخُطب والتفسيرات، وإنما بما يجده في حياته
اليومية: هل يجد الماء عندما يفتح الحنفية؟ هل تستمر الكهرباء في ظلّ صيف قائظ؟ هل
يجد الدواء والمواد الأساسية؟ هل يستطيع ملء خزان سيارته دون الوقوف طويلاً أمام محطة
البنزين؟ وهل يستطيع توفير مستلزمات العودة المدرسية لأبنائه؟
وخلال صيف 2026 تحولت
هذه الأسئلة إلى مصدر غضب حقيقي. تونس عرفت انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء والماء
بالتزامن مع موجات حرّ استثنائية، وخرجت احتجاجات رفعت في بعضها مطالب اجتماعية وسياسية
في آن واحد. حتى سوق المياه المعدنية عرف اضطراباً واضحاً، وأقرّت الهياكل المهنية
بوجود ضغط كبير على التزويد، تفاقم أيضاً بفعل انقطاعات الكهرباء التي أثّرت في بعض
وحدات الإنتاج، ناهيك عن تداعيات قانون الشيكات وما اتخذته السلطة من اجراءات استثنائية
تحت لافتة الحرب على الاحتكار وملاحقة المضاربين، ممّا جعل تكوين المخزونات الاستراتيجية
عملية شبه مستحيلة، بل تجرّمها الإجراءات الاستثنائية إذا حصلت.
وفي مجال المحروقات
شاهد التونسيون خلال شهر آب/أغسطس طوابير طويلة أمام عدد من محطات البنزين عقب اضطراب
نقل الوقود، رغم تطمينات الجهات الإدارية. لكن الأهم هنا ليس فقط هل توجد كمية كافية
من البنزين في المخازن، الأهم هو أن حادثاً محدوداً في منظومة النقل كان كافياً لإحداث
ارتباك واسع، بما يكشف هشاشة سلاسل الإمداد وضعف القدرة على استيعاب الصدمات.
3. مؤسسات أُنهكت
ولم تجد من يتّخذ القرار
والمشكل في رأيي أعمق
من ذلك بكثير، فمؤسسات وطنية استراتيجية مثل الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ)،
والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، وشركات النقل المختلفة، دفعت خلال السنوات
الماضية ثمن تأخّر الإصلاح والاستثمار. ففي قطاع الكهرباء مثلا، تُظهر المعطيات الرسمية
أن استثمارات الستاغ في إنتاج الكهرباء انخفضت بحوالي 87 في المئة بين فترتي (2016-
2020) و(2021-2025)، وأنّ مشاريع إنتاج بنحو 870 ميغاواط ظلّت مُعطّلة منذ سنة 2018
بسبب غياب القرار السياسي المُحتكَر في قرطاج.
وهنا يصبح السؤال
سياسياً بامتياز: إذا كانت الدولة تعرف منذ سنوات أنّ الطلب على الكهرباء سيرتفع، وأن
شبكات الماء تحتاج إلى استثمارات لتجديد القنوات وبناء الخزانات، وأنّ المؤسسات العمومية
تعاني من تراكم العجز وضعف التأطير والتسيير وقدمت طلبات مُوثّقة لرأس السلطة، فلماذا
لم تتحرك في الوقت المناسب؟
هذه ليست فقط مشكلة
أموال، إنها هي بالأساس مشكلة قرار وترتيب الأولويات والقدرة على التخطيط الاستراتيجي.
فالدولة تعاني من صعوبة تعبئة الموارد، ومن ضيق هوامش المالية العمومية، لكنها تعاني
كذلك من تأخّر القرارات الاستراتيجية ومن إدارة يومية للأزمات بدل استباقها.
4. من صيف الأزمات
إلى خريف اجتماعي ساخن
والخطر أن الصيف سينتهي
ولكن أسباب الأزمة لن تنتهي معه، وسيكون الصيف القادم أشدّ حرّاً ولهيباً وستتفاقم
الأزمات إذا واصلت السلطة الحالية، أو التي ستخلفها، سياسة الهروب إلى الأمام ومصارعة
طواحين الهواء ولم تتخذ القرارات الملائمة والإجراءات المستوجبة.
وتستعد العائلات التونسية
قريباً للعودة المدرسية والاجتماعية، وستواجه غلاء الأدوات والكتب المدرسية ونقص التزويد
بالكراسات المدعمة، إذ أعلنت الهياكل المهنية أن نحو 60 في المئة فقط من الكميات ستكون
متاحة بحلول 15 أيلول/سبتمبر، بعد وصول الورق المدعم متأخراً في 5 آب/أغسطس 2026. ومع
غلاء كلفة المعيشة ومصاريف الدراسة والنقل، ستتحول العودة المدرسية إلى عامل إضافي
للضغط على العائلات.
5. عودة الفاعلين
الاجتماعيين: هل يتغير ميزان القوى؟
مكوّنات المعارضة السياسية مُطالبة بتجاوز خلافاتها القديمة. المطلوب اليوم ليس أن يذوب طرف في طرف، أو يتزعّم طرف المشهد العام، وإنما السعي الجاد لبناء أرضية وطنية جامعة حول الحريات، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وعودة الحياة السياسية، وإصلاح الاقتصاد ومؤسسات الدولة، وإيجاد مخرج سلمي ومنظم للأزمة
في هذا السياق، يبدو أن الشارع السياسي والاجتماعي بدأ يتحرك من جديد من خلال
تنظيم بعض المسيرات والتحركات الاحتجاجية التي جمعت أطرافاً وشخصيات وتيارات سياسية
عديدة. كما صدرت مواقف عديدة أكثر حدة في نقد إدارة السلطة للأزمة، ثم جاء البيان المشترك
الصادر عن الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة، الذي
يمكن اعتباره نقلة نوعية في مواقف بعض منظمات المجتمع المدني التي كان بعضها يمرّ بحالة
من الضعف والوَهن، أو مُتماهيا مع السلطة
وإجراءاتها الاستثنائية ويمارس الانتقائية في التعاطي مع أطراف الصراع السياسي. وجاء
البيان واضحا في تشخيص الأزمة وتحميل السلطة القائمة مسؤولية خياراتها ونتائجها، وأعلن
إطلاق "إطار تنسيقي مشترك من أجل تونس والتونسيين"، يكون مفتوحا أمام القوى
الحية والديمقراطية والفاعلين الوطنيين، دفاعاً عن دولة القانون والمؤسسات والحقوق
والحريات ومكاسب الشعب.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في تقديري في أنها قد تنقل هذه المنظمات من التعبير
المتفرق عن المواقف إلى محاولة بناء إطار وطني أوسع، وإذا تطوّر هذا المسار واتسعت
قاعدته، إلى جانب ما تشهده الفضاءات الافتراضية المختلفة من غليان وتجرّؤ على النقد
والمطالبة برحيل رأس السلطة، فقد يصبح أحد العناصر القادرة على إعادة تشكيل التوازنات
السياسية والاجتماعية وفتح مساحة جديدة للحوار الوطني الجاد وبناء أرضية مشتركة للمستقبل
القريب المفتوح على خيارات صعبة.
6. من المعارضة
المتفرقة إلى التسوية الوطنية
في المقابل، لا تزال
مختلف مكوّنات المعارضة السياسية مُطالبة بتجاوز خلافاتها القديمة. المطلوب اليوم ليس
أن يذوب طرف في طرف، أو يتزعّم طرف المشهد العام، وإنما السعي الجاد لبناء أرضية وطنية
جامعة حول الحريات، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وعودة الحياة السياسية، وإصلاح
الاقتصاد ومؤسسات الدولة، وإيجاد مخرج سلمي ومنظم للأزمة.
ومن هذه الزاوية أرى
أهمية النقاش الذي دار حول العفو التشريعي العام وضرورة فتح أفق للمصالحة السياسية
والوئام الوطني. وتبقى الفكرة الأساسية ليست مجرد إطلاق سراح هذا الطرف أو ذاك، وإنما
الخروج من منطق الثأر السياسي إلى منطق التسوية الوطنية. فلا يمكن إنقاذ البلاد وإصلاح
الاقتصاد في بلد منقسم سياسياً، كما لا يمكن بناء الثقة والاستثمار بينما المجال السياسي
يعيش حالة احتقان دائم.
كما عادت جبهة الخلاص
الوطني إلى تكثيف لقاءاتها، ونظمت مؤخرا ندوة اقتصادية بعنوان "الاقتصاد التونسي:
من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل"، ناقشت واقع الاقتصاد والحلول الممكنة للخروج
من إدارة الأزمات المتلاحقة. وستكتسي هذه المبادرات في نظري أكثر أهمية إذا تحوّلت
من اجتماعات كل طرف مع أنصاره إلى حوار واسع بين مختلف القوى الوطنية، بعيدا عن الإقصاء
والتخوين وتبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات.
7. ثلاثة سيناريوهات..
وطريق رابع يجب بناؤه
بالرغم من صعوبة التنبّؤ
والتقدير في المشهد التونسي المعقّد وسريع التغيّر والذي وصفناه في تحليل سابق بأنه
أقرب إلى وضع اللّايقين، ستكون أمام تونس اليوم، في تقديري، ثلاثة سيناريوهات رئيسة:
الخطر الأكبر اليوم ليس سقوط حكومة أو بقاء رئيس، وإنما أن يستمر إضعاف الدولة نفسها إلى أن يصبح إصلاحها أكثر صعوبة وكُلفة، وأن يرث الطرف "المُتغلّب"، مهما كان، بقايا دولة مُفكّكة واقتصاد منهار
الأول، هو استمرار
الوضع الحالي مع مزيد من التدهور البطيء: سلطة تحافظ على
إحكام قبضتها "الأمنية" و"القضائية"، مقابل اقتصاد وخدمات ومؤسسات
تزداد إنهاكاً وضعفاً يُنذر بأزمات أكثر حدة واتساعا.
الثاني، هو انفجار
اجتماعي يبدأ من الماء أو الكهرباء أو الأسعار أو المحروقات أو البطالة، ثم يتحول تدريجياً
إلى احتجاج سياسي واسع، خاصة إذا التقت التحركات الاجتماعية بالقوى النقابية والسياسية،
ويمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي.
أما السيناريو الثالث،
وهو الأكثر حساسية، فهو أن تتزامن أزمة مالية واجتماعية كبيرة مع أزمة داخل منظومة
الحكم نفسها، بما يفتح بصورة مفاجئة سؤال الانتقال السياسي والخلافة
وإدارة الدولة. وهو سيناريو تتفرع عنه تطورات يمكن أن تُدخل البلاد في حالة من اللّايقين
ويفتح الباب إلى التدخل الخارجي، الحاضر باستمرار، وإلى المغامرين.
ولهذا فإن السؤال
الحقيقي لم يعد: هل يبقى قيس سعيّد أم يرحل؟ السؤال
الأهم في تقديري هو: هل تستطيع تونس أن تفتح طريقاً سياسياً سلمياً وعقلانياً قبل
أن تفرض الأزمة طريقها بنفسها؟
والحل في تقديري يبدأ
من ثلاثة أمور مترابطة: تهدئة سياسية ومصالحة وطنية، والاتفاق على
برنامج إنقاذ اقتصادي واجتماعي عاجل، وإعادة بناء قدرات الدولة ومؤسساتها العمومية
على التخطيط والاستثمار وتقديم الخدمات. فالخطر الأكبر اليوم ليس سقوط حكومة أو بقاء
رئيس، وإنما أن يستمر إضعاف الدولة نفسها إلى أن يصبح إصلاحها أكثر صعوبة وكُلفة، وأن
يرث الطرف "المُتغلّب"، مهما كان، بقايا دولة مُفكّكة واقتصاد منهار.
وما تزال
أمام تونس فرصة لأن تصنع طريقها بنفسها، إذا التقت الحِكمة السياسية بالإرادة الوطنية
قبل أن تفرض الأزمة على الجميع خياراتها. فتونس التي تجاوزت محناً كثيرة قادرة على
النهوض من جديد، متى عادت الدولة إلى التونسيين وعاد التونسيون إلى دولتهم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.