قد لا يكون الرفض
المصري للمذكرة البحرية الليبية التركية مستغرباً إذا وُضع في سياق تاريخ العلاقة
السياسية مع
ليبيا، وما شهدته من تدخلات
وتوترات ومواقف متعارضة. لا يعني ذلك أن التاريخ وحده يفسر موقف القاهرة الراهن،
لكنه يساعد على فهم سبب استقبال الليبيين له بقدر من الشك والحذر.
في مسار استقلال
ليبيا، لم تقتصر ملاحظات مصر على الإجراءات الدستورية فقط؛
إذ سجّل الكتاب السنوي للأمم المتحدة أن المندوب المصري قدّم مطالب إقليمية شملت
واحة الجغبوب ومناطق أخرى. كما وثقت وثائق الخارجية الأمريكية اعتراض مصر على بعض
الترتيبات المتعلقة بتشكيل الجمعية الوطنية الليبية، ومحاولتها تعديل قرار أممي
ليشترط انتخابها.
وبعد الاستقلال،
احتاجت ليبيا إلى تمويل لتغطية عجز ميزانيتها. طلبت الحكومة الليبية قرضاً من مصر
في أواخر عام 1952، لكن الطلب رُفض، ثم عرضت القاهرة تغطية العجز بشروط تضمنت
إشرافاً مصرياً على الميزانية، وهو ما رفضه الملك إدريس. وبعد تعذر الحصول على
مساعدة من مصر والعراق، اتجهت ليبيا إلى بريطانيا والولايات المتحدة؛ وارتبط
التمويل البريطاني باتفاقية دفاع وقواعد عسكرية، كما حصلت ليبيا على مساعدة
أمريكية.
من حق الليبيين أيضاً أن يقرؤوا الموقف المصري في ضوء تاريخ العلاقة بين البلدين، وأن يسألوا: هل يُفهم الرفض الحالي وفق اعتبارات قانونية وحدها، أم تتداخل معه مصالح سياسية وإقليمية أوسع؟
وهنا برزت مفارقة
يوردها رئيس الوزراء إبان المملكة محمد عثمان الصيد في مذكراته، فحين أُحيلت
المعاهدة البريطانية الليبية إلى مجلس الأمة عام 1953 للمصادقة عليها، شنّت إذاعة "صوت
العرب" في القاهرة حملة على الحكومة الليبية، ووصفت رئيسها محمود المنتصر
بأنه من "أذناب الاستعمار"، حيث واجهت الحكومة الليبية انتقاداً مصرياً
بسبب اتفاقيات غربية لجأت إليها بعد تعذر تأمين المال عربياً.
وفي أزمة السويس
عام 1956، نشرت مجلة "تايم" تقريراً معاصراً عن نشاط العقيد إسماعيل
صادق، الملحق العسكري المصري في ليبيا آنذاك، و"جبهة كفاح الشعب الليبي"
التي أعلنها. ونسب التقرير إلى الجبهة تفجير جزء من خط النفط الواصل بين ميناء
طرابلس وقاعدة ويلس، كما ذكر التقرير تقدم رئيس الوزراء الليبي باحتجاج لدى
السفارة المصرية لوجود معلومات تفيد بتورط الملحق العسكري بإدخال 28 صندوقاً من
الأسلحة إلى مبنى السفارة، ثم مطالبة الحكومة الليبية الملحق بمغادرة البلاد. كما تؤيد
برقية لوزارة الخارجية الأمريكية أن ليبيا اتهمت الملحق بأعمال ضد أمنها وطالبت
بإبعاده.
وتكرر التوتر
الإعلامي خلال حرب 1967. فبحسب مذكرات رئيس الوزراء السابق بشير السني المنتصر،
اتهمت إذاعة "صوت العرب" ليبيا بالسماح لطائرات أمريكية وبريطانية
باستخدام مطاري الملاحة والعدم لمهاجمة مصر، ثم نفى عبد الناصر لاحقاً مشاركة
القواعد الليبية في الحرب. هذه الدعاية والشائعات التي مارستها القاهرة أسهمت في
إضعاف الثقة بين الليبيين وحكومتهم، وتهيئة المناخ الذي انتهى بانقلاب سبتمبر 1969.
وبعد عام 2014،
لم يقتصر الجدل على المواقف السياسية، فقد وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة دعماً
مصرياً لأحد أطراف الصراع، وأورد نقل أسلحة وذخائر إلى مناطق الاقتتال، كما أشار
إلى تقارير عن دور مصري في غارات جوية داخل ليبيا. وشاركت القاهرة لاحقاً في جهود
حوار، لكن دعمها العسكري والسياسي لأحد أطراف النزاع يثير سؤالاً حول مدى حياد
دورها.. فكيف يمكن الجمع بين الوساطة ومساندة طرف بالسلاح؟
اليوم، ترفض
القاهرة مذكرة التفاهم البحرية بين ليبيا وتركيا، وتقول إنها تمس حقوقها البحرية
وتخالف قواعد قانون البحار. وهذا اعتراض ينبغي مناقشته قانونياً، كما ينبغي بحث ما
تحققه المذكرة لليبيا وما قد يترتب عليها. لكن من حق الليبيين أيضاً أن يقرؤوا
الموقف المصري في ضوء تاريخ العلاقة بين البلدين، وأن يسألوا: هل يُفهم الرفض
الحالي وفق اعتبارات قانونية وحدها، أم تتداخل معه مصالح سياسية وإقليمية أوسع؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.