أحياناً تختصر صورة واحدة ما تعجز عن قوله صفحات مطولة من التصريحات والبيانات
الرسمية، وهذا ليس لأنها تكشف بالضرورة كل ما يدور خلف الأبواب المغلقة، وإنما لأنها تضع
أمامنا مشهداً يستحق التأمل، وتدفعنا إلى التساؤل عما تغيّر في حسابات أصحابه حتى
أصبح هذا المشهد ممكناً.
هذا ما لفت انتباهي وانتباه كثيرين في الصورة التي تجمع وزير الخارجية
المصري
بدر عبد العاطي بنظيره التركي هاكان فيدان، ووزيري خارجية السعودية وباكستان، خلال
اجتماعات إسطنبول الأخيرة. فالصورة، في حد ذاتها، ليست حدثاً استثنائياً في العمل
الدبلوماسي، لكن دلالاتها تتجاوز حدود اللقاء البروتوكولي، بالنظر إلى طبيعة
العلاقات بين هذه الدول الأربع، والملفات التي تجمعها، والتباينات التي لا تزال
قائمة بينها.
في تحليل سابق نشرته حول رفض مصر التصديق على المذكرة البحرية الموقعة بين
تركيا وليبيا، خلصت إلى أن العلاقات المصرية التركية انتقلت إلى مرحلة من النضج
السياسي، قوامها إدارة الخلافات بحكمة، بدلاً من السماح لها بتعطيل مسارات التعاون.
وقد جاء مشهد اجتماع إسطنبول الأخير ليمنح هذه القراءة بُعداً إضافياً، ويطرح سؤالاً
يستحق التوقف أمامه، وهو: كيف تجلس القاهرة وأنقرة إلى الطاولة نفسها، بينما لا
تزال بينهما خلافات بشأن ملفات إقليمية، وفي مقدمتها ملف الحدود البحرية بين تركيا
وليبيا؟
هذا، في تقديري، هو جوهر التحول في العلاقات المصرية التركية؛ إذ لم يعد الاتفاق الكامل شرطاً للحوار، كما لم يعد الاختلاف مبرراً كافياً لإغلاق أبواب التعاون
الإجابة أن السياسة لا تُدار دائماً بمنطق الاتفاق أو القطيعة، فالدول قد
تختلف في ملف وتتعاون في آخر، وتحتفظ كل منها بمواقفها ومصالحها، من دون أن تجعل
الخلاف سبباً لتعطيل جميع قنوات التواصل. وهذا، في تقديري، هو جوهر التحول في
العلاقات المصرية التركية؛ إذ لم يعد الاتفاق الكامل شرطاً للحوار، كما لم يعد
الاختلاف مبرراً كافياً لإغلاق أبواب التعاون.
فمصر لم تتخلَّ عن اعتراضاتها المتعلقة بالاتفاق البحري التركي الليبي، وتركيا
لم تتخلَّ عن حساباتها في شرق المتوسط، ومع ذلك، يجلس وزيرا خارجية البلدين
ويتباحثان في قضايا تتجاوز خلافاتهما الثنائية. وهذه ليست مفارقة، بقدر ما هي
تعبير عن إدراك متزايد لدى البلدين لطبيعة المرحلة، وما تفرضه من ضرورة التمييز
بين الخلاف الذي يمكن إدارته، والأزمة التي قد يؤدي تركها من دون تنسيق إلى
الإضرار بمصالح الجميع.
وتزداد أهمية الصورة بوجود السعودية وباكستان. فاجتماع هذه الدول الأربع يعكس
رغبة في توسيع التنسيق بين عواصم إسلامية تمتلك ثقلاً سياسياً واستراتيجياً،
وتجمعها مصالح متقاطعة في ملفات عدة، من القضية الفلسطينية إلى أمن الخليج
والممرات البحرية. ولا يعني ذلك أن بينها تحالفاً مكتمل الأركان أو أن مواقفها
متطابقة، لكنه يشير إلى مساحة مشتركة يمكن أن تتسع إذا توافرت الإرادة السياسية
اللازمة.
أما مشاركة القوى الأوروبية في الاجتماعات الموسعة، فتضيف بُعداً آخر إلى
المشهد، فالأزمات التي تواجه المنطقة لم تعد محصورة في نطاقها الجغرافي، بل امتدت
آثارها إلى التجارة والطاقة والملاحة الدولية. ومن ثم، فإن جمع القوى الإقليمية
والأوروبية حول طاولة واحدة يعكس حاجة متبادلة إلى التشاور وتنسيق المواقف، وإن
كان نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بما يحققه من نتائج عملية، لا بمجرد انعقاد
الاجتماعات.
وبالنسبة إلى مصر، فإن المشاركة في هذه التحركات ترتبط بحسابات مباشرة، فأمن
البحر الأحمر وباب المندب، واستقرار الخليج، وتطورات القضية الفلسطينية، كلها
ملفات تمس الأمن القومي المصري. كما أن اضطراب الملاحة ينعكس على قناة السويس
والاقتصاد المصري. ولذلك، فإن انخراط القاهرة في الحوار الإقليمي ليس مجرد حضور
دبلوماسي، وإنما سعي إلى المشاركة في صياغة المواقف المتعلقة بملفات يصعب فصلها عن
مصالحها الحيوية.
ومع ذلك، ينبغي ألا نحمّل الصورة أكثر مما تحتمل، خصوصاً في عالم تحكمه حسابات
السياسة الواقعية. فلا يمكن اعتبارها دليلاً على انتهاء الخلافات المصرية التركية،
أو على قيام محور إقليمي متكامل، أو على قدرة دول المنطقة على تسوية أزماتها بعيداً
عن القوى الدولية. فمثل هذه التحولات لا تُحسم باللقاءات وحدها، وإنما بما ينتج
عنها من تفاهمات ومواقف وآليات عمل.
تطورات المنطقة المتلاحقة تدفع نحو ترسيخ قناعة مفادها أن التعاون لم يعد مجرد خيار دبلوماسي يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، بل أصبح ضرورة استراتيجية يصعب تجاهلها. فالتحديات التي تواجه دول المنطقة، على اختلاف مصالحها وحساباتها، أكبر من أن تستطيع أي دولة التعامل معها منفردة
لكن ذلك لا يقلل من دلالة المشهد، فبعد سنوات من التوتر والتنافس، بات الحوار
وسيلة لإدارة الخلاف بدلاً من تركه يتفاقم، وأصبح البحث عن المصالح المشتركة ضرورة
تفرضها طبيعة الأزمات المتلاحقة. وهذه خطوة لها أهميتها في منطقة دفعت شعوبها
واقتصاداتها أثماناً باهظة نتيجة الصراعات المفتوحة وتضارب الحسابات الإقليمية
والدولية.
حين قيل إن الصورة أبلغ من ألف كلمة، لم يكن المقصود أنها تغني عن التحليل،
وإنما أنها قد تختصر مشهداً وتفتح الباب أمام أسئلة أعمق. وصورة إسطنبول تضعنا
أمام سؤال جوهري: هل تستطيع هذه الدول تحويل ما يجمعها من مصالح ومخاوف إلى
تفاهمات فعلية تحدّ من الأزمات، أم ستظل لقاءاتها محكومة بضرورات اللحظة، تنتهي
بانتهاء الظروف التي فرضتها؟
في تقديري أن تطورات المنطقة المتلاحقة تدفع نحو ترسيخ قناعة مفادها أن
التعاون لم يعد مجرد خيار دبلوماسي يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، بل أصبح ضرورة
استراتيجية يصعب تجاهلها. فالتحديات التي تواجه دول المنطقة، على اختلاف مصالحها
وحساباتها، أكبر من أن تستطيع أي دولة التعامل معها منفردة، كما أن كلفة استمرار
الخلافات المفتوحة قد تتجاوز في كثير من الأحيان كلفة التفاهم حولها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لصورة إسطنبول؛ ليس في أنها أنهت خلافات أو أسست
تحالفاً جديداً، وإنما في أنها تعكس استعداداً للجلوس والحوار في وقت تفرض فيه
الوقائع البحث عن مساحات مشتركة. وإذا نجحت هذه الدول في البناء على هذا المسار،
فقد تتحول الصورة من مشهد دبلوماسي عابر إلى تعبير عن تحول أعمق في طريقة إدارة
العلاقات الإقليمية.
فالصورة قد تقول الكثير، لكن ما يمنحها معناها الحقيقي هو ما يأتي بعدها.
والتحدي الآن ليس أن تجتمع الدول الأربع، بل أن تجعل من التعاون خياراً مستمراً،
ومن إدارة الخلاف مدخلاً لحماية المصالح، بدلاً من أن تظل المنطقة أسيرة أزمات
تتكرر، فيما تتسع كلفتها عاماً بعد عام.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.