مع استمرار
التصعيد العسكري في
اليمن، لا تكمن الأهمية في اتساع رقعة القتال وحده، بل في
تزامن الضغط على
تعز مع المعارك على الساحل الغربي والهجمات التي طالت عدن. فبينما
تحاول القوات الحكومية تثبيت مواقعها قرب
باب المندب، تواجه خطراً متزايداً في تعز،
أبرز المدن التي لا تزال خارج السيطرة
الحوثية الكاملة. ويطرح هذا التزامن سؤالاً
يتجاوز حدود كل جبهة، وهو: ماذا يمكن أن يحقق الحوثيون من الضغط على تعز، وكيف
يمكن أن ينعكس ذلك على ميزان المواجهة في الساحل الغربي؟
تعز.. معركة
الطرق والإمدادات
تنبع أهمية تعز
من موقعها الذي يربط المرتفعات الداخلية بالساحل الغربي وعدن، فضلاً عن كونها أحد
أبرز مراكز مقاومة الحوثيين. ولذلك، فإن السيطرة على الطرق المحيطة بها لا تقل
أهمية عن التقدم داخل المدينة نفسها؛ إذ يمكن أن يؤدي قطعها إلى تقييد حركة القوات
والإمدادات، وتعقيد الاتصال بين المناطق الخاضعة للحكومة، وزيادة الضغوط على
السكان.
وقد ظهر هذا
البعد بوضوح مع تصاعد القتال الأخير. ففي تقرير نشرته رويترز في 16 تشرين
الأول/أكتوبر، أشارت الوكالة إلى أن الحوثيين أحكموا تطويق تعز بقطع الطريق
الرئيسي جنوباً باتجاه عدن، ما زاد من عزل المدينة وفاقم أزمتها الإنسانية. ولا
يتعلق الأمر هنا بمساحة جديدة يسيطر عليها طرف أو يخسرها آخر فحسب، بل بمدى قدرته
على الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها وإمداد قواته فيها.
باب المندب بين
المكاسب الميدانية وضغوط الجبهات
تبرز أهمية الدور السعودي، فالمملكة معنية باحتواء نفوذ الحوثيين وحماية أمنها من الهجمات، إلى جانب حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقد يساعد الدعم العسكري على تغيير خطوط السيطرة، لكنه لا يضمن وحده الاحتفاظ بالمواقع أو تجاوز الخلافات بين القوى اليمنية
في المقابل، كانت
القوات الحكومية المدعومة من السعودية قد استعادت مواقع قرب مضيق باب المندب، وفق
تقرير لرويترز في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في محاولة لعكس تقدم حوثي سابق.
ويمثل ذلك مكسباً ميدانياً، لكن الاحتفاظ بالمواقع يظل اختباراً مختلفاً عن
استعادتها؛ إذ يتطلب تأمين طرق الوصول إليها، وحماية خطوط الإمداد، والاستعداد
للهجمات المضادة.
ويكتسب باب
المندب أهميته من كونه يمثل أحد الممرات الحيوية للتجارة العالمية ونقل الطاقة بين
المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل استقرار المناطق المحيطة به
عاملاً مؤثراً في أمن الملاحة، من دون أن يعني ذلك أن المعركة في تعز تستهدف
بالضرورة السيطرة على المضيق.
هنا تتضح العلاقة
بين تعز والساحل الغربي؛ فإذا اضطرت القوات الحكومية إلى توجيه مزيد من مواردها
نحو تعز، فقد تتراجع قدرتها على تعزيز مواقعها الساحلية، بينما يمكن أن يؤدي الضغط
على الساحل إلى فرض أعباء عسكرية إضافية عليها. ولكن تزامن هذه التطورات لا يعني
أنها جزء من خطة عملياتية واحدة، لكنه يكشف كيف يمكن للضغط على جبهة أن يقيّد
خيارات الخصم في جبهة أخرى.
وقد امتد التصعيد
إلى عدن، حيث استهدف هجوم صاروخي مجمع المعاشيق الرئاسي في 15 تشرين الأول/أكتوبر
2026. وأفادت رويترز بمقتل خمسة أشخاص في الهجوم، وفقاً للحكومة اليمنية. وفي
اليوم التالي، أفادت وكالة أسوشيتد برس بسقوط صواريخ في محيط مطار عدن الدولي من
دون تسجيل خسائر بشرية.
تضيف هذه الهجمات
عبئاً أمنياً على الحكومة في مركز سلطتها، في وقت تواجه فيه ضغوطاً على جبهات أخرى.
لكن أعتقد أنها لا تكفي وحدها لإثبات أن تشتيت القوات الحكومية هو الهدف الأساسي
منها، وما يمكن استخلاصه أن الحكومة باتت مطالبة بالتعامل مع احتياجات أمنية
وعسكرية متزامنة، في ظل موارد لا يمكن توجيهها إلى كل الجبهات بالقدر نفسه.
انقسامات القوى
اليمنية تعقّد حسابات المواجهة
وتزداد صعوبة هذه
المعادلة بسبب تعدد القوى اليمنية المساندة للحكومة واختلاف أولوياتها السياسية
والعسكرية. فقد يحقق أحد التشكيلات تقدماً في نطاق عملياته، من دون أن ينعكس ذلك
بالضرورة على أداء القوات في جبهة أخرى. كما أن الخلافات لا تتعلق بإدارة المعارك
وحدها، بل تمتد إلى مستقبل المناطق التي تسيطر عليها هذه القوى، ومن يتولى
إدارتها، وكيف توزع المسؤوليات الأمنية والسياسية فيها.
وهنا تبرز أهمية
الدور السعودي، فالمملكة معنية باحتواء نفوذ الحوثيين وحماية أمنها من الهجمات،
إلى جانب حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وقد يساعد الدعم العسكري على
تغيير خطوط السيطرة، لكنه لا يضمن وحده الاحتفاظ بالمواقع أو تجاوز الخلافات بين
القوى اليمنية. فذلك يحتاج إلى تنسيق ميداني، وتأمين طرق الإمداد، وتفاهمات تحدد
أولويات القتال.
وتؤثر التباينات
السعودية الإماراتية بدورها في حسابات بعض القوى اليمنية وشبكات نفوذها، لكن
اختزال التعثر الميداني فيها يغفل جانباً آخر من المشكلة. فالقيادات اليمنية نفسها
مطالبة بالتوصل إلى تفاهمات بشأن أولويات المواجهة وترتيبات الحكم والأمن في
المناطق الخاضعة لها. ومن دون ذلك، قد تحقق هذه القوى مكاسب متفرقة، لكنها تجد
صعوبة في تحويلها إلى موقف أكثر تماسكاً على مستوى الصراع ككل.
المدنيون يدفعون
ثمن اتساع رقعة القتال
أما المدنيون،
فيدفعون ثمناً متزايداً مع استمرار القتال وإغلاق الطرق. فقد أفادت رويترز في 16 تشرين
الأول/أكتوبر 2026، بأن عدد النازحين منذ تجدد المواجهات بلغ 233,077 شخصاً، بينهم
121,530 في محافظة تعز، نقلاً عن المنظمة الدولية للهجرة. وفي 14 تشرين
الأول/أكتوبر 2026، أفادت الوكالة بأن نحو 800 ألف شخص في اليمن تعذّر وصول
المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إليهم، وفق برنامج الأغذية العالمي.
تكشف معركة تعز أن التحدي لا يقتصر على منع سقوط المدينة أو تثبيت المواقع قرب باب المندب، بل يمتد إلى قدرة الحكومة على تأمين طرق الاتصال والإمداد والاحتفاظ بمكاسبها على أكثر من جبهة
وتكشف هذه
الأرقام حجم الأزمة التي تتجاوز آثارها خطوط المواجهة. فإغلاق الطرق يعرقل وصول
الغذاء والدواء، ويزيد صعوبة عمل المنظمات الإنسانية، ويضع المرافق الصحية أمام
نقص في الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية. وحتى إذا تراجعت المواجهات، فإن عودة
الحياة إلى طبيعتها ستظل مرتبطة بفتح الطرق واستئناف الإمدادات وتوفير الخدمات
الأساسية.
ولا تعني هذه
التطورات أن التسوية السياسية باتت قريبة، فقد يتيح التقدم الميداني للحوثيين
تحسين موقعهم قبل أي تفاوض، إذا نجحوا في توسيع سيطرتهم أو زيادة الضغط على
خصومهم، بينما تحاول الحكومة منع تراجع نفوذها والاحتفاظ بالمواقع التي استعادت
السيطرة عليها. لكن استمرار القتال على جبهات متعددة، في ظل الخلافات داخل القوى
المساندة للحكومة، قد يطيل أمد الاستنزاف من دون أن يمنح أي طرف قدرة حاسمة على
إنهاء الحرب.
تكشف معركة تعز
أن التحدي لا يقتصر على منع سقوط المدينة أو تثبيت المواقع قرب باب المندب، بل
يمتد إلى قدرة الحكومة على تأمين طرق الاتصال والإمداد والاحتفاظ بمكاسبها على
أكثر من جبهة. فالتقدم على الساحل لا يضمن استقرار المواقع إذا تراجع الموقف في
تعز، كما أن الحفاظ على المدينة لا يكفي إذا ظلت الطرق المؤدية إليها وإلى مناطق
الحكومة الأخرى عرضة للقطع.
ختاما، وبين تعز
والساحل، يتوقف مسار المواجهة على قدرة كل طرف على الاحتفاظ بمواقعه واستثمارها في
تغيير ميزان القوة. في المشهد اليمني لا
يمكن النظر إلى تبدل خريطة السيطرة باعتبارها مؤشرا على اقتراب التسوية بين
المتصارعين؛ ففي ظل تعدد الجبهات ومراكز القرار، يظل المدنيون الأكثر تحمّلاً
لكلفة حرب لم تنجح المكاسب الميدانية المتعاقبة في إنهائها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.