نرى
اليسار العربي عامة -واليسار
التونسي عيّنة دالة منه- عاجزا عن مراجعة
مسلّماته الأيديولوجية، فهو متكلس جامد. ولا نظن ذلك إخلاصا منه للأفكار المؤسسة
لليسارية كما قرأناها في النظريات، بل نميل إلى تفسير تكلسه الفكري كوسلية حماية
للمواقع الاجتماعية التي حازها تحت الأنظمة الحاكمة، فحولته من مجموعات هامشية إلى
جزء من الأنظمة. فهو يحتمي بيسارية نظرية لمزيد من الغنم الاجتماعي، ولذلك يتحول
عندنا إلى قوة رجعية مانعة للتقدم، وما إصراره على منح نفسه صفات التقدمية بل
احتكارها إلا تعمية على رجعية مستبطنة.
سنطوف حول هذا عسى أن نفهم بعض جهده في تخريب التجربة
الديمقراطية التي
أطلقها الربيع العربي وانحاز اليسار ضدها واشتغل لصالح منظومات الحكم التي أسقطها
الربيع، فنحن نراه ضمن مواقعه قبل الربيع ويصر عليها.
اليسار قوة هامشية منذ نشأته
انتشرت أفكار اليسار في تونس منذ الحقبة الاستعمارية، وتشكل أول تنظيم حزبي
يساري بالتوازي مع تشكل حزب ليبرالي بقيادة عبد العزيز الثعالبي (1920). وفي الوقت
الذي كان الثعالبي يبني حزبا من النخب ومن الفقراء والمهمشين، ضمت النواة اليسارية
المؤسسة نخبا متعلمة تعليما فرنسيا من الحضر (الذي قدر على التعليم في فرنسا تحت
الاستعمار). وقد حكمت النشأة على المسار فظلت الأفكار اليسارية محصورة في نخب ضيقة
معزولة عن كل عمق شعبي.
وُضع المقياس الذي يحكم تكتيكات اليسار؛ التناقض مع سلطة رجعية حاكمة يصير ثانويا أمام التناقض الرئيسي مع التيار الإسلامي، وفي اختيار الموقع النضالي تُقدم الحرب على الرئيسي ويُغض الطرف عن الثانوي إلى حين، وهذا الحين مفتوح لأجل غير مسمى
في النشأة الثانية في ستينات القرن العشرين في الدولة المستقلة تشكلت
نواتات اليسار الجديد من نخب متعلمة في فرنسا كالعادة. ورغم أن اليسار الجديد اتهم
السابقين بالتحريفية، إلا أن ما جمع النخبتين هو قراءة مجتزأة للماركسية ركزت
بالخصوص على بناء الفكر والمشروع السياسي على معاداة الثقافة المحلية، بزعم أن هذه
الثقافة مؤسسة على أفكار دينية رجعية. لم تخل الكرّاسات الأولى لليسار الجديد من
مشاريع اجتماعية وخاصة مشاريع للإصلاح الزراعي، لكن حصل انزياح تدريجي من
الاجتماعي إلى الثقافي فاتضحت الهوة بين اليساريين (بمختلف أسمائهم) وبين العمق
الثقافي الشعبي الذي ينشطون فيه. لقد أمكن حشرهم في ركن ضيق من قبل السلطة
وتكفيرهم في وسائل إعلام النظام البورقيبي، ثم مطاردتهم أمنيا بما قطع كل صلة لهم
بالناس.
مكونات اليسار الجديد في معظمها ليست نخبا حضرية، فلم نعثر فيهم على مثال إنجلز
البرجوازي، بل إن انحدارهم من الأسر المتوسطة والفقيرة التي ترقّت بالتعليم
(المصعد الاجتماعي المتاح) كان يؤهلهم لقرب كبير من أصولهم الاجتماعية، لكن جنوحهم
إلى معركة مع الثقافة الشعبية (المتدينة) قطع صلتهم بالناس فتقوقعوا على أفكارهم
وظنوا بها الكمال، ودخلوا مرحلة مجّدوا فيها سلامة طرحهم الفكري على علاقتهم
بالواقع، فاشتد اغترابهم عن الناس المشغولين باليومي المضني تحت أنظمة فاشلة تتقن
القمع ولا تتقن التنمية. ففي الوقت الذي كان العامل الفقير يستعين بالغيب على هموم
اليومي كان اليساري يحدثه عن الدين أفيون الشعوب، لقد كانت غربة بلا أفق مراجعة
ولا تزال فعالة.
الخروج إلى السلطة لا عليها
للخروج من الركن الضيق الذي حشرت فيها مجموعات اليسار الجديد مالت النخبة
منهم إلى السلطة؛ لا بالتحول إلى ليبرالية صريحة (أفكارا وممارسة) بل بالتسرب إلى
المؤسسات والعمل داخلها لخدمة المشروع الثقافي نفسه عبر الإنتاج الفكري والفني
المدعوم من الدولة التي يعادونها في الظاهر، ومع كل مكسب (أو موقع مجزٍ) كان
المشروع الاجتماعي اليساري يذوب لصالح الموقع في النظام وغلته المفيدة. ومع انفتاح
المصعد الاجتماعي أكثر فأكثر ارتقى اليسار إلى موقع القيادة الفكرية والثقافية،
فهو نخبة الجامعة والسينما والمسرح ولكن بأطروحة واحدة تتنوع تعبيراتها: ترذيل
الثقافة الشعبية ومعاداتها بزعم مرجعيتها الدينية الرجعية والمتخلفة.
ومما قرّب اليسار من مفاصل السلطة؛ ظهور التيار الإسلامي كنقيض مطلق لمشروع
اليسار الثقافي. وبالنظر إلى قوة التيار الإسلامي وخشية السلطة منه؛ اتخذت اليسار
جهازا أيديولوجيا ينافح عنها وجرته برغبة منه غالبا إلى مشاركتها المعركة، وكانت
مجازر الإسلاميين تمارسها الأجهزة وتبررها النخب اليسارية (لقد صرح عدد من
الإسلاميين الذين نجوا من محرقة بن علي أن زملاءهم اليساريين في الجامعة هم من كان
يعذبهم في أقبية الداخلية).
في هذه المرحلة، وُضع المقياس الذي يحكم تكتيكات اليسار؛ التناقض مع سلطة
رجعية حاكمة يصير ثانويا أمام التناقض الرئيسي مع التيار الإسلامي، وفي اختيار
الموقع النضالي تُقدم الحرب على الرئيسي ويُغض الطرف عن الثانوي إلى حين، وهذا
الحين مفتوح لأجل غير مسمى. لقد مكن هذا التنظير اليسار من مفاصل الدولة، وحصل
اتفاق ضمني بينه وبين السلطة -خاصة في زمن بن علي- على توزيع مغانم السلطة.
بالعودة إلى تحليل ماركسي مبسط، فإن منحدرات الإسلاميين الاجتماعية هي
نفسها منحدرات اليسار، فجميعهم قدموا عبر المصعد الاجتماعي المتاح (التعليم) من أسر
فقيرة ومتوسطة. وهذا الاتفاق في الأصل والمسار يدفع ماركسيا مؤمنا بنظريته إلى
بناء تحالف مع من يشبهونه اجتماعيا، لكننا نعاين خلاف ذلك.
هنا حصل التكلس الذي نعني وانكشف الجمود الفكري والعجز عن مراجعة النظرية؛
لأن المكسب الحاصل بالتسرب إلى السلطة وخدمتها كان أفضل بكثير من مواصلة صراع
اجتماعي بالتحالف مع المشابهين، ومع التفوق العددي للإسلاميين صار التحالف معهم
(لو حصل) مؤذنا بفقدان المواقع والمكاسب.
اختار اليساريون البقاء ضمن تحالفهم مع السلطة ولو تغير شكلها لأن الانتخابات تقصيهم، لذلك احتموا في حزب نداء تونس ودخل عدد منهم البرلمان تحت مظلة حزب ليبرالي (نظريا)، ثم أعادوا اكتشاف خسارتهم بتفكك حزب النداء، بينما حافظ الإسلاميون على وجود أهّلهم لتشكيل حكومة، فكان الانحياز الذي يرقى إلى درجة الفضيحة وهو ترتيب الانقلاب وإسناده
لنأخذ مثالا واحدا؛ يتفوق الإسلاميون في الدراسات العلمية لذلك فهم أكثر
حضورا في الهندسة بمختلف تخصصاتها وفي الطب، ويقل عددهم في الحقوق والعلوم
الإنسانية، لذلك يسيطرون (عندما تحدث فجوة انتخابية) على نقابات المهن العلمية
بينما يضعف وجودوهم في غيرها كالمحاماة. وهذا مؤشر يعني أنه لو تساوت الحقوق
لاستولى الإسلاميون على كل انتخابات وخرج اليسار من المشهد بقوة عدد الإسلاميين.
وقد بينت انتخابات ما بعد الربيع أن مواقع الحكم (ومنافعه) مهددة بنفس القانون
العددي.
اختار اليساريون البقاء ضمن تحالفهم مع السلطة ولو تغير شكلها لأن الانتخابات
تقصيهم، لذلك احتموا في حزب نداء تونس ودخل عدد منهم البرلمان تحت مظلة حزب
ليبرالي (نظريا)، ثم أعادوا اكتشاف خسارتهم بتفكك حزب النداء، بينما حافظ
الإسلاميون على وجود أهّلهم لتشكيل حكومة، فكان الانحياز الذي يرقى إلى درجة
الفضيحة وهو ترتيب الانقلاب وإسناده بصفته حركة تصحيحية. وهم الآن في ورطة تثير
السخرية؛ لم يعطهم الانقلاب مكاسب كبيرة، وقد انفضوا من حوله لكنهم لا يرغبون في إسقاطه
لذلك يمارسون الابتزاز بالمعارضة كما في مظاهرة 17 أكتوبر (تشرين الأول).
أما فكرة مراجعة الفكرة القائدة والبناء على المراجعة فلا يحضر في الخطاب
ولا في الممارسة، بل إن القلة التي راجعت مسلّماتها يسلط عليها اليسار كل أنواع
الترذيل والتخوين فيضمها إلى الرجعية الدينية.
نحن إزاء يسار غير يساري (أو يسار مجازي) لا يتجاوز عندنا في الوقت الحالي
دور جهاز الدعاية للسلطة وتبرير القمع الذي لا ينالهم وإنما ينزل بعدوهم الكثير
العدد، فكلما أقصى عدوهم الرجعي اطمأنوا في مواقعهم وضمنوا بقاء مجزيا. والأمر لا
يتعلق عندهم بالديمقراطية ولا بالتقدمية، فلم نر تقدميا يعادي الحريات مثل اليسار
التونسي، وهو عينة دليلة من اليسار العربي، أما الدولة الاجتماعية فماكثة في
الكراس النظري القديم الذي ران عليه الغبار.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.