كيف يُذْكَرُ السابع من أكتوبر؟

نور الدين العلوي
"المعارك ما يغير التاريخ بقطع النظر عن الحجم والامتداد (في الجغرافيا وفي الزمن)، ونرى معركة الطوفان إحدى هذه المعارك"- الأناضول
"المعارك ما يغير التاريخ بقطع النظر عن الحجم والامتداد (في الجغرافيا وفي الزمن)، ونرى معركة الطوفان إحدى هذه المعارك"- الأناضول
شارك الخبر
نعيش ذكرى السابع من أكتوبر؛ نعرف الثمن المدفوع ولا نستهين به أبدا، ونعرف ما يعاني الأهالي حتى اللحظة ولا نهز الأكتاف استهانة بالألم. ولكن نقول بيقين، ردا على المشككين والمخذلين وعلى عشاق السندويتشات السياسية، لقد غيرت معركة الطوفان مسار تاريخ المنطقة، فأن تكون المعركة قد دارت رحاها في مربع صغير من الأرض لا يعني بقاء أثرها حيث دارت.

القفز بالمقاومة إلى مربع الهجوم

لم تكن معركة الطوفان بداية المقاومة الفلسطينية ولا نظنها معركة أخيرة، ولكنها كانت مفصلا مهما انتقل بالمقاومة من النضال القانوني والأخلاقي إلى وسيلة السلاح الفعال. لقد تآمر العالم على فلسطين لمدة قرن حتى بلغ مرحلة أوسلو، وكانت وسيلته دفع القضية برمتها إلى مربع التوسل الذليل لقوت قوم منذورين للاندثار والتلاشي، عبر تفتيت مطلبهم في التحرر إلى شبه دويلة ثم شبه إدارة ثم أقل من ذلك إلى حد التنسيق الأمني مع العدو ضد شبح المقاومة حيثما أطل برأسه، فكانت المعركة التي نسفت مسار التذلل وأعادت البوصلة إلى شمالها (كل فلسطين بدولة ذات سيادة) بالقوة لا بالتوسل (بمنطق احمونا كأننا كائنات أحفورية).

فقدَ العدو بهذه المعركة المفصلية سبب وجوده، وفقد واجهته الأخلاقية الكاذبة التي عاش منها، وفضحت المعركة طبيعته أمام العالم وأمام حتى جزء كبير من جمهوره. أما صف التخذيل العربي فقد تعرى بالتبعية ولم يبق له سبب لحديث السلام رغم أنه لا يتراجع

نسمع هنا حديث أين النتائج (التي نتوهم)، وكم كان الثمن؟ وهل يستحق الأمر كل هذا الثمن؟ وأن غزة كانت في بحبوحة من العيش قبل المعركة، فماذا جنت من معركتها التي أعادتها إلى وضع ما قبل النكبة؟

منظورنا يتركز على حالة العدو أثناء المعركة وعلى حالته بعدها، وعلى صف التخذيل نفسه وقد وعى بصمت أنه لا يمكنه المقاولة على المقاومة. بين ما كان يأمله الاحتلال وحاشيته العربية والدولية وبين المعركة؛ خط فاصل يثبت المطلب ويثبت وسيلته: المقاومة من المحلي إلى الكوني.

فقدَ العدو بهذه المعركة المفصلية سبب وجوده، وفقد واجهته الأخلاقية الكاذبة التي عاش منها، وفضحت المعركة طبيعته أمام العالم وأمام حتى جزء كبير من جمهوره. أما صف التخذيل العربي فقد تعرى بالتبعية ولم يبق له سبب لحديث السلام رغم أنه لا يتراجع، فنحن نتابع الحالة المغربية، ولكنها في تقديرنا حالة تسير بعكس اتجاه التاريخ. لم تعد مسالمة العدو طريقا للشرعية، لقد صارت إعلان حرب على الشعوب.

ونسمع حديث التخذيل؛ هل نتحدث عن واقع معيش أم عن وهم متخيل؟ فالوضع كارثي في غزة وفي المنطقة العربية برمتها فأين الانتصار؟

معركة الطوفان وإن كانت في واجهتها ضد الاحتلال، إلا أنها في عمقها ضد منظومة (مكوناتها الكيان وحزامه العربي بالأساس) ظنت أنها استقرت وتعيش أبدا "بل بلغت علوها لتتحدث عن الكيان الكبير الأزلي".

من المعارك ما يغير التاريخ بقطع النظر عن الحجم والامتداد (في الجغرافيا وفي الزمن)، ونرى معركة الطوفان إحدى هذه المعارك. لقد انكسر الكيان، نعم انكسر، وما عربدته بعد المعركة إلا حشرجة تكشف الضعف والهروب إلى الإمام بالمزيد من التقتيل كوسيلة أخيرة للبقاء. نحن نرى ذلك يصيب الكيان ولن يجد فرصة الحلول في جسد المنطقة الجديد؛ لأن غربته انكشفت. قالت معركة الطوفان ذلك بوضوح هذا الكيان: لا مكان له في الجغرافيا ولن يحظى بمكانة في التاريخ.

ما الجديد في ما نقول؟

لقد قال أنصار المقاومة قولنا هذا وكرروه حتى اغتنمه المخذلون ليرموا المقاومة بمرض التوهم، لكننا نستعيده ونلح عليه لنثبت ما نراه يأتي بعد الطوفان، وإن يتأخر ويُشعِر أنصار المقاومة باللاجدوى.

يوجد مرض سياسي عاينّاه في بلدان الربيع العربي وهو مرض (لا توصيف له غير أنه مرض) استعجال النتائج، ونسمي المصابين به عشاق السندويشات السياسية أو "الفاست فود" السياسي. ينامون ويرغبون في الاستيقاظ على حالة سويسرية مكتملة ولا يصبرون على نضوج النتائج على نار التاريخ الهادئة. هكذا استفرغوا مشروع الربيع العربي من زخمه بتوليد نتائج قيصرية من الثورة ولديهم رغبة مماثلة في أن يروا فلسطين تحرر بضربة سيف واحدة، ربما ليعودوا إلى نومهم.

لهؤلاء نكتب قولا فاصلا: الحرب الصبر، فمن لم يصبر عليها أجهض حملها التاريخي. ونحن نضع شراسة الردة العربية على الربيع -وقد زادت بعد معركة الطوفان- في خانة الشعور بنهاية منظومة دعم الكيان. هذا الكيان المكسور لم يعد قادرا على حماية حماته العرب، ولذلك فهؤلاء الحماة يستشعرون فقدان سبب مهم لبقائهم، لقد فقدوا دورهم ومهمتهم ولذلك يعرّون قوتهم الغاشمة ضد شعوبهم كوسيلة أخيرة ووحيدة للبقاء، وأنَّى لهم.

هل نعيش على أرض واحدة مع هذه المنظومات (وأجهزتها الدعائية)؟ نعم نحن من ضحاياها ونرى هوانها ونعرف وسيلتها للدفاع عن نفسها في معركة بقاء أخيرة لم يبق لها إلا الدم لحكم شعوبها، وهذه من نتائج الطوفان.

لقد سحبت منها غزة ذريعة القمع باسم تحرير فلسطين وهذا نصر للشعوب ووسيلة لوعيها بلحظتها، فلا أحد يمكنه بعد الطوفان التكاذب باسم فلسطين. أما الرافد الغربي الذي يناصر فلسطين وآخر فصوله المعركة التي يخوضها فنانون عالميون فنتيجة أخرى؛ ربما تكلم فيه كثيرون قبلنا، وهو موضوع مفتوح ونختصره في أنه فضلة خير من الطوفان، لقد استفاق العالم من كبتاغون الصهيونية. ولهذا نتحدث دون سين التسويف عن الطوفان، وننصح بالصبر والسخرية من المخذلين عشاق الفاست فود السياسي، وكل آت قريب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)