يتنادون إلى مسيرة "كبرى" يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر لكنهم لا
ينطقون جملة إسقاط
الانقلاب في
تونس؛ لأنهم لم يعدلوا جملهم الأولى التي رحبت بانقلاب
25 تموز/يوليو وما زالوا يسمونه حركة تصحيحية. قليل من الجيل الجديد سيربط بين
اختيار التاريخ وبين تاريخ الثورة البلشفية. لقد سقطت دلالة الثورة البلشفية فنحن
لا نتحدث عن يسار ماركسي لينيني حامل لمشروع ثورة اجتماعية وسياسية، بل عن مجموعات
ميكروسكوبية تقوم بفعل وحيد منذ أكثر من نصف قرن وهو منع الإسلاميين من الوجود
والحياة، وهذه المسيرة ليست شذوذا عن الموقف التاريخي المزمن لهذه المجموعات، حيث
يصير التظاهر بالتظاهر جزءا من الهواية الاستئصالية.
لذلك، نكتب قبل
المظاهرة "الكبرى" أنها لن تكون كبرى ولا مؤثرة،
بل نراها تستبق حالة الغضب المكبوت في الصدور لعل أن تأتي لهم بغُنم إذا انفجر غضب
غير منظم يؤدي إلى فوضى يتوقعها الجميع ويتمناها ولا يود تحمل كلفة تفجيرها
وقيادها.
النقابة غطاء صفيق
يصل كثير من الأقلام الجادة الآن إلى تقييم سبق لنا التأكيد عليه، وهو كشف
الدور التخريبي للنقابة طيلة مسار الثورة. لقد عبثت النقابة بالمسار الديمقراطي
وخربت كل طموحاته ضمن الخطة الاستئصالية نفسها، فالنقابة كانت ولا تزال واجهة
(نقابية) يتخفى داخلها
اليسار الاستئصالي والقوميون والشبيحة. لقد نطق بالأمر أمين
عام سابق للمنظمة وهو في غير حالة صحو؛ "لم نسمح لهم بالراحة والتقاط الأنفاس"،
والمعنيون بالإشارة هنا هي حكومات ألفّها حزب النهضة أو شارك
هذا هو الموقف الآن، وهو نفس الموقف طيلة سنوات الثورة والانتقال الديمقراطي، وهو الموقف السابق على الثورة أي منذ حقبتي بن علي وبورقيبة
فيها. وكانت منظومة
قيس سعيد مستعدة للنقابة، فهمّشتها وبدأت تقليص تأثيرها ووجهت إليها ضربة موجعة
بقطع تمويلاتها عبر الاقتطاع من الرواتب. لقد انقطع الحليب الذي كان يشربه اليسار
من النقابة وبدأت المقرات الجهوية تغلق من إفلاس.
تفاقم شعور القيادات النقابية بالخطر على وجودهم ومصالحهم فبدأ التململ،
وسمعت منهم كلمات حادة ضد المنظومة لكنهم لم يبلغوا مبلغ وصفها الوصف الملائم
بأنها حركة انقلابية على مسار ديمقراطي. لذلك لا نسمع منهم حديثا عن الاعتقالات
وعن العبث بالقضاء، ولم يبدر منهم حديث الحرص على الحريات والديمقراطية ولو في
حديث مجاملة للمعتقلين.
دعا الاتحاد إلى التحرك ووضع لنفسه سقفا لا نفسره إلا بالعقل الاستئصالي
الذي يحكم النقابة، وهو منع الأحزاب من المشاركة في تحركه. لكن أُحدثت في المنع
فجوة صغيرة لإدخال الأحزاب الصديقة للنقابة، فاتضح أن المنع يخص مشاركة الإسلاميين
ومرحبا بالبقية، وهو ما نراه يتألف الآن قبل المسيرة "الكبرى".
هذا هو الموقف الآن، وهو نفس الموقف طيلة سنوات الثورة والانتقال
الديمقراطي، وهو الموقف السابق على الثورة أي منذ حقبتي بن علي وبورقيبة. غير مهم
للقيادة المزمنة للنقابة (بفعل تكييف قوانينها الداخلية) أن الإسلاميين منخرطون في
كل النقابات الأساسية والوسطى ويناضلون داخلها.
ظهرت قائمة المسموح لهم بالمشاركة فوجدنا نفس الأسماء ونفس الوجوه وسمعنا
نفس الخطاب، لذلك نقول إن هؤلاء القوم جديرون بالشفقة.
من هؤلاء؟
تحت الغطاء النقابي يتجمع فلول اليسار الاستئصالي والشبيحة؛ هؤلاء جميهم
صوتوا ضد قيس سعيد في انتخابات 2019 لأنهم ظنوا أن الرجل "غواصة نهضوية"،
فلما تبين لهم جهلهم بالشخص وخططه وأنه ليس ما ظنوا به مالوا إليه وانتظروا أن
يخوض حرب بن علي ضد الإسلاميين، فخاض حربه الخاصة، ورغم أنه نال من الإسلاميين إلا
أنه لم يتبع خطة بن علي العزيزة على قلوبهم وأمانيهم.
هذا الطيف نفسه الذي ناصر الباجي في انتخابات 2014 (ضمن حزب نداء تونس)،
فلما لم يقم الباجي بالمطلوب بل فضّل مشاركة النهضة عليهم مالوا عليه وخربوا حزبه،
فتفكك قبل نهاية المدة الرئاسية.
إننا نجدهم قبل ذلك في صف بن علي يؤلفون له حزب التجمع ويحكمون معه مقابل
محق الإسلاميين، بل يفككون له المؤسسات الاقتصادية العمومية (كمعامل الإسمنت
وغيرها) وهم اليسار المشفق على الطبقة العاملة.
إن وجودهم قائم على معركتهم ضد الإسلاميين وما عودتهم الآن إلى معارضة
منطومة قيس إلا ضمن هذه الخطة الأزلية. لقد ظهرت علامات في الشارع وفي الإعلام على
مقبولية الإسلاميين وأن فترة حكمهم لم تكن عشرية سوداء، وقال استئصاليون تائبون إن
تقييمهم للعشرية كان قاسيا وجائرا؛ وهذه بوابة قبول لوجود الإسلاميين. ومن هنا عاد
الخطر الأكبر بالنسبة لهذا الصف (لم يعد الرأي العام كله نافرا من الإسلاميين كما
عملوا على ذلك منذ زمن طويل)، وهذه المسيرة/ المظاهرة التي حُدد سقفها بمنعهم من
المشاركة فيها هي محاولة استعادة زخم استئصالي يستبق أن يصير حزب النهضة وأنصاره
جزءا مستقرا وصاحب حق في مشهد سياسي ما بعد منظومة قيس الفاشلة.
وهكذا من حيث ما نظرنا إليهم في سيرتهم التاريخية وفي مسيرتهم المزمعة
نجدهم مرابطين على نفس القراءة ونفس الموقف، ويعملون على تحقيق الهدف الوحيد الذي
عاشوا من أجله، ولم يعلمهم الانقلاب شيئا مذكورا في قضية الحريات واستقلال القضاء
ونجاعة العمل التنموي. ولذلك نكرر وصفنا فيهم بأنهم معارضة جديرة بالشفقة، وما
نعتنا إياهم بالمعارضة إلا من قبيل المجاز لتسهيل الكتابة، فهذه المعارضة تزيد في
قوة السلطة ولا تضعفها.
تأبيد وضع الاستبداد
لا يقدم هذا الطيف شيئا في معركة الحريات والديمقراطية، بل يشتغلون على تفريغ كل الزخم الغاضب باستباقه وتوجيهه نحو هدفهم، لذلك نرى أنهم جزء من الاستبداد؛ لا مكون من مشهد سياسي حر وديمقراطي
لا يقدم هذا الطيف شيئا في معركة الحريات والديمقراطية، بل يشتغلون على
تفريغ كل الزخم الغاضب باستباقه وتوجيهه نحو هدفهم، لذلك نرى أنهم جزء من
الاستبداد؛ لا مكون من مشهد سياسي حر وديمقراطي. لقد اختاروا موقعهم بوعي لكنهم
يكلفون البلد الكثير، فالمشهد سيظل بهم مطعونا أبدا؛ كلما ظهرت علامات على تجاوز
معركة الاستئصال استعادوها ليعيشوا منها، ولذلك فهم مكون أصيل من الانقلاب ومن كل
صيغ الاستبداد التي حكمت وقد تحكم في مدى زمني منظور. ومثلنا لا يأخذهم بجدية، بل
يشفق على تكلس عقولهم وقراءتهم لزمن تتقدم فيه دول كثيرة ولو بخطى وئيدة نحو
الحرية والديمقراطية. غني عن القول هنا أننا لا نصدق حديثهم عن السيادة وعن معادة
التطبيع (وهو شعار يحضر بكثافة في خطابهم).
إن مسيرة 17 تشرين الأول/أكتوبر مسيرة لمساندة الاستبداد لا لمعارضته وإن
زعمت. إن مهتمها الأولى أن تقسم الساحة السياسية التي بدأت تتقارب وتتآلف ضد
الانقلاب في آخر مسيرتين جامعتين نُظمتا بعد الصيف، ولم يشاركوا فيها بل امتهنوا
من شارك فيها إلى جانب جمهور النهضة. لذلك نتوقع أنها ستكون مظاهرة "كيوت"
وسِلفيات تحت حراسة أمنية طيبة لن يضير الأمن فيها أن يُجر إلى مناوشات استعراضية
لزوم تمويه المشهد. أما لماذا يتحزبون ضد الإسلاميين؟ فلسبب بات واضحا؛ أنهم يخشون
الصندوق الانتخابي. لقد وزنوا أنفسهم ووزنهم الناس وتبين أنهم بلا وزن، وأن الدخول
في منافسة انتخابية تقضي عليهم فيصيرون ذكرى. ولذلك يقطعون الطريق على كل احتمال
سياسي يؤدي إلى فتح الصندوق الانتخابي، وهذه المظاهرة قطع للطريق ليس أكثر.
لقد صرنا نخجل من تكرار الفكرة لكنها تظل صحيحة: إن الساحات السياسية
التونسية والعربية مطعونة في السويداء بهذا الطيف الذي يزعم اليسارية ويستجدي ذكرى
17 تشرين الأول/أكتوبر البلشفية، لكنه لا يرتقي إلى لحظة واحدة من مقاومة
الاستبداد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.