تواجه
السعودية في
باب المندب معضلة تتجاوز حدود الحرب
اليمنية. فعلى حسب مصادر أمريكية،
طلب ولي العهد السعودي من واشنطن التدخل ضد
الحوثيين مع تصاعد التهديد للممر
البحري. ويكشف الطلب عن مأزق واضح؛ فالرياض لا تريد العودة إلى حرب يمنية واسعة،
لكنها لا تستطيع أيضاً تحمل تحول الضغط على الملاحة وطرق النفط إلى واقع أمني دائم.
المشكلة
أن كلا الخيارين مكلف، فالتصعيد العسكري الواسع قد يمنح السعودية قدرة أكبر على
الضغط على الحوثيين، لكنه ينطوي على خطر إعادة إنتاج الاستنزاف اليمني وتوسيع بنك
الأهداف دون ضمان ترجمة القوة العسكرية إلى تسوية سياسية مستقرة. وفي المقابل، فإن
احتواء التهديد أو التعايش معه قد يخفض كلفة المواجهة المباشرة، لكنه يسمح تدريجيّاً
بترسيخ سابقة أخطر، وهي امتلاك فاعل غير حكومي القدرة على التأثير في واحد من أهم
الممرات المحيطة بالأمن السعودي والإقليمي.
قد لا تكون الرياض بصدد الاختيار بين الحرب والتهدئة بقدر ما تحاول البحث عن صيغة ثالثة تعيد توزيع كلفة الردع؛ أي: دفع واشنطن إلى تدخل محدود ودقيق يحمي الملاحة ويضع سقفاً لقدرة الحوثيين، دون الانزلاق إلى حرب أمريكية- يمنية مفتوحة
لذلك قد
لا تكون الرياض بصدد الاختيار بين الحرب والتهدئة بقدر ما تحاول البحث عن صيغة
ثالثة تعيد توزيع كلفة الردع؛ أي: دفع واشنطن إلى تدخل محدود ودقيق يحمي الملاحة
ويضع سقفاً لقدرة الحوثيين، دون الانزلاق إلى حرب أمريكية- يمنية مفتوحة.
وتتطابق
هذه الصيغة جزئيّاً مع الحسابات الأمريكية، فواشنطن تستطيع تقديم دعم استخباري
واستهدافي أو تنفيذ عمليات محدودة دون تحمل كلفة إعادة هندسة المشهد اليمني، بينما
تحصل الرياض على جزء من الردع الذي تحتاجه دون الظهور مجدداً بوصفها الطرف الذي
يقود حرباً شاملة.
لكن جوهر
المسألة لا يكمن في حجم الضربات، بل في الهدف السياسي الذي يقف خلفها. فإذا كان
المقصود إعادة حرية الملاحة وردع الهجمات، فيمكن احتواء المواجهة ضمن نطاق محدود،
أما إذا أصبح الهدف تغيير ميزان القوة داخل اليمن، فإن التدخل يدخل في مسار مختلف،
وقد يعيد إنتاج الحرب بدل احتوائها.
وهنا تظهر
الدلالة الأوسع لباب المندب، فالتهديد لا يتعلق بسفينة أو منشأة بعينها، بل
بإمكانية تحول القدرة على تعطيل الممرات البحرية إلى أداة نفوذ دائمة. وفي بيئة
إقليمية تتزايد فيها أهمية هرمز وباب المندب، تصبح السيطرة على شرايين الحركة -أو
امتلاك القدرة على تعطيلها- مصدراً للقوة يتجاوز السيطرة التقليدية على الأرض.
من هذه
الزاوية، لا تختبر السعودية قدرتها على احتواء الحوثيين فحسب، بل تختبر قدرتها على
منع نشوء اقتصاديات اختناق جغرافي يصبح فيها تعطيل الملاحة وسيلة لإعادة توزيع
النفوذ وفرض كلفة سياسية واقتصادية على الخصوم.
لم يعد السؤال الاستراتيجي الحقيقي عما إذا كانت السعودية ستصعّد، ولا ما إذا كانت واشنطن ستتدخل، بل: كيف يمكن إعادة الردع دون إعادة إنتاج حرب اليمن؟ وكيف تتم حماية باب المندب دون تحويله إلى مركز دائم للصراع؟
وعليه،
تبدو السيناريوهات الأقرب ثلاثة: تدخل أمريكي محدود يعيد ضبط الردع دون حرب
مفتوحة؛ تصعيد سعودي أوسع إذا اعتبرت الرياض الدعم الخارجي غير كافٍ؛ أو إدارة
التهديد عبر حماية الملاحة والضربات الانتقائية والضغط السياسي، بما يبقي الأزمة
تحت سقف التصعيد دون إنهائها.
لكن
السيناريو الثالث يحمل خطراً خفيّاً، فما يُدار مؤقتاً قد يتحول إلى قاعدة دائمة
إذا اعتادت الأطراف وجود التهديد ولم تعد مستعدة لدفع كلفة تغييره.
لهذا فلم
يعد السؤال الاستراتيجي الحقيقي عما إذا كانت السعودية ستصعّد، ولا ما إذا كانت
واشنطن ستتدخل، بل: كيف يمكن إعادة الردع دون إعادة إنتاج حرب اليمن؟ وكيف تتم
حماية باب المندب دون تحويله إلى مركز دائم للصراع؟
فالتحول
الأعمق الذي تكشفه الأزمة هو أن الصراع الإقليمي يتجه بصورة متزايدة من التنافس
على الأرض إلى التنافس على القدرة على تعطيل الحركة. ومن يملك هذه القدرة لا يحتاج
بالضرورة إلى السيطرة على الجغرافيا؛ يكفيه أن يجعل استخدامها أكثر كلفة. وهنا
تحديداً يتجاوز باب المندب كونه ملفاً يمنيّاً أو سعوديّاً، ليصبح اختباراً لمن
يملك حق إعادة تعريف أمن الممرات التي تتحرك عبرها الطاقة والتجارة الإقليمية
والدولية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.