ارتكبت إسرائيل منذ قيامها كافة أنواع
الإبادة الجماعية الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية 1948.
وكانت حربها على
غزة 2023، والمستمرة حتى الآن، النموذج الذي حوى كافة أنواع
الإبادة.
ونقدم في مقالنا اليوم عرضًا لكتاب الخبير
المعماري الجنائي الإسرائيلي إيال وايزمان، "اقتلاع الجذور: هندسة الإبادة
الجماعية"، مطبعة بنجوين برس، مايو آيار 2026. ويرأس المؤلف المجموعة البحثية
"الهندسة المعمارية الجنائية: فورينسيك آركيتكتشر" ، بجامعة جولد سميث
ببريطانيا:
الإبادة المعمارية والبيئية
حددت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية
خمسة أفعال، ومنها: القتل غير المباشر عبر قطع الاستمرارية البيولوجية لجماعة ما،
أو تعريضها لظروف معيشية بقصد إبادتها المادية، وتدمير البيئة التي تُعيل الجماعة
المستهدفة، مثل: المباني السكنية والمستشفيات والمدارس، والصرف الصحي والمياه
والكهرباء، والزراعة. فتدمير هذه البنى يُقوّض قدرة الشعوب على البقاء، ويؤدي إلى
شكل أبطأ وأكثر قسوة من الإبادة.
جرافات D9 الأمريكية تحول القطاع إلى صحراء من الإسمنت المسحوق
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دمرت
إسرائيل معظم البنية المعمارية والبيئية لقطاع غزة. وتلوثت التربة بفعل القنابل
والقذائف الإسرائيلية. وكان الدمار الأكثر منهجيةً هو الذي أحدثته جرافات D9 الأمريكية.
وامتدّ سيل الدمار في كل مكان بالقطاع، دافعًا
الفلسطينيين إلى جيوب اسمتها
إسرائيل "المناطق الآمنة" و"المناطق الإنسانية"، مع أنها لم
تكن كذلك قط، لأنها بكثبانها الرملية الجرداء، تفتقر إلى المساكن والرعاية الصحية
والخدمات الأخرى، وتتعرض باستمرار للقصف الجوي والاعتداءات البرية.
لقد حوّلت الجرافات الأراضي الزراعية الخصبة بغزة إلى صحراء قاحلة من الإسمنت الرمادي المكسّر المختلط. ومُحيت مدن وبلدات ومخيمات بأكملها، مما أدى إلى تلويث التربة بمخلفاتها، وبما ينتج عن انفجار القنابل من معادن ثقيلة مثل اليورانيوم والرصاص والزرنيخ.
لقد حوّلت الجرافات الأراضي الزراعية الخصبة
بغزة إلى صحراء قاحلة من الإسمنت الرمادي المكسّر المختلط. ومُحيت مدن وبلدات
ومخيمات بأكملها، مما أدى إلى تلويث التربة بمخلفاتها، وبما ينتج عن انفجار
القنابل من معادن ثقيلة مثل اليورانيوم والرصاص والزرنيخ. وتتحلل العديد من هذه
المواد ببطء، وسيؤثر على تركيبة التربة لعقود. وتحوّلت غزة من مشهد يعجّ بالحياة
إلى ما وصفه الجنرال الإسرائيلي السابق، جيورا آيلاند، بأنه مكان "لا يمكن
لأي إنسان أن يعيش فيه". لقد هدمت إسرائيل بشكل منهجي كل شئ في غزة.
قصف سجادي لتهجير سكان القطاع إلى سيناء
في بداية الحرب، أوصت وثيقة لوزارة
الاستخبارات الإسرائيلية بطرد الفلسطينيين بالكامل إلى سيناء، بحجة أن ذلك
"سيحقق نتائج استراتيجية إيجابية طويلة الأمد لإسرائيل". لذا، امتدت
أكبر حملة قصف جوي في التاريخ كبساط من نار، من الشمال إلى الجنوب، للتعجيل برحيل
سكان القطاع. وهو هدف إسرائيلي دائم، حاول الجيش تنفيذه في 1948، لكنه فشل. وحاول
كذلك في خمسينيات القرن الماضي، وبعد حرب 1967، عندما احتلت إسرائيل القطاع وصحراء
سيناء. وروّج سياسيون وإعلاميون إسرائيليون لخطط التهجير. وبدأ مسؤولون إسرائيليون
وأمريكيون الضغط على مصر لقبول أعداد كبيرة من اللاجئين. وامتنع الجيش الإسرائيلي
لمدة ثمانية أشهر عن
احتلال المنطقة الحدودية قرب رفح، تاركًا المخرج إلى مصر
مفتوحًا. ولكن، لايزال الفلسطينيون يتذكرون عواقب التهجير الجماعي عام ١٩٤٨، لذا
رفض معظمهم مغادرة منازلهم. وبقوا بين أنقاض غزة رغم القصف ومنع وصول المساعدات.
ورفضت مصر دخولهم جماعياً، إلا لمن يدفع مبالغ باهظة. وفشلت إسرائيل في التهجير،
وسعت إلى حصر الفلسطينيين في منطقة أصغر فأصغر، ريثما تتاح الفرصة لتهجيرهم.
واستخدمت التدمير الشامل لمنع عودتهم إلى المناطق التي طُردوا منها.
شيتا هشمادا.. منطقة الإبادة
كان الدمار الأشدّ وطأةً قرب حدود غزة، في
"المنطقة العازلة" المحظورة على الفلسطينيين، وتُعرف بالعبرية
"شيتا هشمادا"، ومعناها: منطقة الإبادة. فكل فلسطيني يدخلها، أو حتى
يقترب منها، يُقتل على الفور على يد القناصة الإسرائيليين أو المسيرات. لذا، سقط
ضحايا كثيرون، منهم أطفال، أرادوا إنقاذ من يمكنهم بين أنقاض منازلهم، أو استعادة
مساعدات غذائية أُلقيت بالمظلات، أو لأنهم تاهوا في أرض غريبة عليهم.
قبل الحرب، كان
عرض المنطقة العازلة 300 -
500 متر. وبعد أسبوعين منها، امتدت إلى كيلومتر واحد. وبحلول 2025، بلغ عرضها
كيلومترين. ثم امتدت إلى ثلاثة كيلومترات، وجُرفت تمامًا بشكل ممنهج.
الاستيطان وسياسة ممنهجة للتهجير
على مر التاريخ، كانت المناطق العازلة
وسيلةً للحفاظ على وقف إطلاق النار والفصل بين الجيوش. أما في العقود الثمانية
التي تلت قيام إسرائيل، فإنها استُخدمتها كوسيلة للتوسع والتهجير والمحو. فاستبدلت
القرى الفلسطينية خارج القطاع بالمستوطنات. وأزالت منازل الفلسطينيين وطرقهم
وحقولهم. وحرثت مقابرهم. وتلقى الجنود والمستوطنون تعليمات بإطلاق النار على أي
فلسطيني يعبر المنطقة ، مسلحًا أو غير مسلح.
أما في الضفة الغربية، وعقب حرب 1967، دعت
خطة أمنية إسرائيلية شاملة وضعها يغال آلون إلى ضم شريط من غور الأردن يمثل قرابة
ثلث الضفة الغربية، وجعله المنطقة العازلة الشرقية لإسرائيل. وبدأ التطهير العرقي
للقرى الفلسطينية في المنطقة بعد ذلك بفترة وجيزة، واستمر بشكل متقطع منذ ذلك
الحين. وتسارعت عمليات الطرد بشكل كبير منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وازدادت حدةً
منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وقام الجيش بالترويج والمشاركة في
المذابح التي قام بها المستوطنون في جميع أنحاء الضفة. وكان وزير المالية سموتريتش
قد وعد في مطلع عام 2025 بأن تصبح قرى ومدن الضفة "شبيهة برفح وخان
يونس"، أي أطلال غير صالحة للسكن، وسيُجبر سكانها على الهجرة خارج فلسطين.
وعقب احتلال الجولان عام 1967، قامت إسرائيل
بعملية مماثلة لإنشاء منطقة عازلة بين الجيش السوري والمستوطنات في وادي الأردن
الأعلى. ثم أعلنت ضمه رسميًا عام 1981. وبعد سقوط بشار الأسد، وسّع الجيش
الإسرائيلي "منطقة الدفاع العقيمة" إلى داخل الأراضي السورية، وطرد
السكان السوريين، ودمر المباني العسكرية والمدنية، وجرف البساتين والغابات لبناء
مواقع عسكرية وسواتر ترابية.
وفي الغزو الأخير للبنان، هجرت إسرائيل 600
ألف لبناني لعمل منطقة عازلة جديدة. وقصفت الجسور على نهر الليطاني. وبدأت بهدم
القرى الأقرب إلى الحدود بشكل ممنهج. وصرح وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بأنه سيتم
منع عودة اللبنانيين إلى هذه القرى. ونشرت منظمة استيطانية خططًا "لاستيطان
جنوب لبنان"، ونشرت خرائط تحمل أسماء عبرية للقرى اللبنانية، مع إعلانات
استفزازية عن عرض قطع أراضٍ للبيع.
دورة الاستعمار والاستيطان
ما فعلته إسرائيل في فلسطين والجولان ولبنان
يُجسد المنطق الدائري للاستعمار الاستيطاني الصهيوني: تُبنى المستوطنات لترسيم
حدود الدولة وحمايتها، لكن ذلك يجعلها عرضة للهجوم، ولذا تُنشأ منطقة عازلة
لحمايتها ولترسيم الحدود الموسعة حديثًا وحمايتها. وعندها تصبح الحاجة ضرورية إلى
منطقة عازلة أخرى. وبهذه الطريقة، تُخلق حالة من الضعف، ثم تُستغل في حلقة مفرغة
أطلق عليها الباحث في الإبادة الجماعية، ديرك موسى، اسم "الأمن الدائم".
وهذا ما طبقته إسرائيل في غزة على مدار العامين والنصف الماضيين. إذ لم تكن غزة مجرد
منطقة هدم، بل كانت أيضًا موقع بناء، أُعيد تشكيله وفقًا لمخطط إسرائيلي. وجُمعت
بقايا المباني التي هُدمت بالجرافات لتُشكل سواتر ترابية، شُكلت بدورها إلى حواجز
ومراكز احتجاز ومواقع عسكرية انطلقت منها الدبابات والقناصة الإسرائيليون للسيطرة
على المنطقة التي تجمع فيها الناجون.
كان حجم الأعمال الترابية هائلًا لدرجة أن
جرافات إسرائيل البالغ عددها 200 جرافة لم تكن كافية على الإطلاق. فطلبت من أمريكا
200 جرافة إضافية، أرجأت إدارة بايدن تصديرها، ولم تُرسل إلا بعد تولي ترامب.
واستعان الجيش الإسرائيلي بشركات خاصة لتشغيل الجرافات، معظمهم من مستوطني الضفة
الغربية.
لم يبق للغزيين شئ إلا الرمال
قال أبراهام زاربيف، سائق جرافة إسرائيلي،
وقاضي بالمحكمة الحاخامية: إذا حاول الفلسطينيون العودة إلى المناطق المدمرة،
فإنهم سيعودون إلى العدم. فقد تُركت عشرات الآلاف من العائلات بلا أوراق ثبوتية أو
صور طفولتهم أو بطاقات هوية، لم يبقَ لهم شيء. إذا عادوا، كل ما سيجدونه هو
الرمال. وطمست إسرائيل الأدلة القانونية والخرائط وسندات الملكية للبيئة العمرانية
لغزة عندما قصفت الأرشيف المركزي للقطاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وغيّر الجيش
تضاريس غزة تغييراً جذرياً. وهو ما عبر عنه أحد الفلسطينيين: إذا نجونا من هذه الحرب،
فأين سيكون ملتقانا؟". وظهر شكلٌ جديدٌ من التعذيب النفسي. إذ أعاد
الإسرائيليون أسرى فلسطينيون معصوبو الأعين إلى أحيائهم القديمة، التي أصبحت الآن
ركامًا. وعندما أزيل الغطاء عن أعينهم، لم يدركوا أين هم". كما تراكمت
الأتربة والأنقاض في أماكن واسعة من القطاع لتشكل تجمعات ترابية، خُصص أربعة منها
لمؤسسة غزة الإنسانية الممولة من رجال أعمال أمريكيين وإسرائيليين لتوزيع
المساعدات الغذائية على الفلسطينيين الجائعين، متجاوزةً بذلك الأمم المتحدة. وجميع
الأماكن قريبة من مواقع عسكرية أو قرب الحدود المصرية. وقد قُتل مئات الفلسطينيين
على يد جنود إسرائيليين ومرتزقة أمريكيين عندما أُجبروا على التنافس على الحصص
الغذائية.
تقليص مساحة القطاع
دخل "وقف إطلاق النار" الحالي حيز
التنفيذ في 10/10/2025. وبموجبه، قُسمت غزة إلى منطقتين بخط أصفر يمتد على طول
حافة المنطقة العازلة، مما جعل الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54% من غزة. وفي
ديسمبر/كانون الأول 2025، قامت إسرائيل بتحريك الخط غربًا، لترفع مساحة سيطرتها
إلى 58%. ووصف رئيس الأركان زامير، الخط الأصفر بأنه الحدود الجديدة مع غزة. ورُسم
الخط على طول سلسلة جبال رملية تمتد بموازاة الساحل، على بُعد حوالي ثلاثة
كيلومترات داخل اليابسة، وعلى ارتفاع 70 مترًا فوق سطح البحر، مما يُتيح للجيش
السيطرة على الفلسطينيين المُجبرين على التواجد في المنطقة القريبة من البحر.
إسرائيل تسيطر على سلة غذاء غزة
لطالما شكّلت هذه السلسلة الجبلية أساس
الحياة في غزة منذ القدم، مُشكّلةً حاجزًا منيعًا يمنع انجراف الكثبان الرملية
الأخرى شرقًا على طول الساحل. وغرب هذه السلسلة الجبلية، تُهيمن الرمال على
المنطقة؛ أما شرقها، فتتميز التربة بخصوبتها. وكانت معظم حقول القمح والشعير في
فلسطين تُزرع على يد قبائل بدوية في سهول بئر السبع الخصبة. وهؤلاء المزارعون
كانوا من بين مائتي ألف فلسطيني طُردوا من أراضيهم، وسُجنوا في جيب ساحلي بين
مدينتي رفح وغزة في الأشهر الأخيرة من عام 1948. وبقي شريط ضيق من الأرض، يتراوح
عرضه بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، داخل حدود القطاع. وفي العقود الأخيرة، كانت هذه
الأرض الخصبة سلة غذاء غزة. أما الآن، فهي تقع بالكامل على الجانب الخاضع للسيطرة
الإسرائيلية من الخط الأصفر.
مواقع احتلال دائم
رصدت "الهندسة المعمارية الجنائية:
فورينسيك آركيتكتشر" ساترًا ترابيًا جديدًا بُني على امتداد جزء كبير من مسار
الخط الأصفر، إضافة إلى سبعة مواقع عسكرية جديدة، شُيّد أحدها على موقع مقبرة،
ليكون إجمالي عددها شرق الخط الأصفر 48 موقعًا. وصرّح رئيس الأركان بأنها لشنّ
المزيد من التوغلات إذا لزم الأمر.
كان حجم الأعمال الترابية هائلًا لدرجة أن جرافات إسرائيل البالغ عددها 200 جرافة لم تكن كافية على الإطلاق. فطلبت من أمريكا 200 جرافة إضافية، أرجأت إدارة بايدن تصديرها، ولم تُرسل إلا بعد تولي ترامب. واستعان الجيش الإسرائيلي بشركات خاصة لتشغيل الجرافات، معظمهم من مستوطني الضفة الغربية.
ولم تكن هذه المواقع الجديدة سوى أكوام من
التراب والأنقاض. لكن في الأشهر الأخيرة، تم رصف المناطق المُحاطة بالأنقاض والطرق
المؤدية إليها. ونُصبت أعمدة الكهرباء وأُضيئت الطرق. وشُيدت مبانٍ جاهزة داخل
القواعد، وتحمل أبراج شاهقة على محيطها معدات الاتصالات والمراقبة. ولم تعد هذه
القواعد ترتيبات مؤقتة كما يدّعي مخطط ترامب لوقف إطلاق النار، بل أصبحت أدوات
احتلال دائم. وتربط الطرق المعبدة حديثًا هذه القواعد بشبكة سيطرة مرتبطة بشبكة
الطرق والاتصالات الإسرائيلية.
وغرب الخط الأصفر، يعيش الناجون بين الأنقاض
أو في خيام. وتسبب برد الشتاء القارس - حيث تنخفض درجة الحرارة إلى خمس درجات
مئوية - في وفيات بين الرضع والمرضى وكبار السن. وفي ليلة 23/3/2025، قتلت القوات
الإسرائيلية 15 من رجال الإنقاذ، ودفنت جثثهم تحت ساتر ترابي قرب رفح. وتعرض مسعف
في الهلال الأحمر الفلسطيني للاستجواب والتعذيب داخل حفرة قرب هذا المكان.
أما في فصل الصيف، فتتجاوز درجة الحرارة 40
درجة مئوية. وقد اختنق أطفال في بيوت مصنوعة من أغطية بلاستيكية أو بأسقف من
الصفيح، إذ يمنع الاحتلال بناء أي منشآت دائمة. وتُعدّ البرك بيئة خصبة لتكاثر
البعوض، وتتراكم أكوام القمامة، وتجري مياه الصرف الصحي، وتنتشر القوارض. وتمنع
إسرائيل دخول المواد الكيميائية والمبيدات التي قد تُساعد في معالجة هذه المشاكل.
إما الرحيل أو الموت البطئ
رغم الاستعادة الجزئية لبعض الخدمات الطبية
بفضل جهود الأطباء الفلسطينيين والمنظمات غير الحكومية الدولية؛ إلا أن النظام
الصحي يكاد يكون معطلاً. ويُؤدي نقص الأدوية وتدهور النظافة إلى تحوّل الإصابات
الطفيفة إلى خطيرة. وتوفي أكثر من 40% من مرضى غسيل الكلى بسبب نقص المستلزمات.
ويعيش سكان غزة على الكفاف، ولا ينقطع الجوع والعطش تحت وطأة الطائرات المسيّرة
والقاذفات. ومن خلال تحكم إسرائيل في كمية المساعدات، فإنها تسعى لوضع الفلسطينيين
بين خيارين: إما الرحيل أو الموت البطيء. ومع ذلك، وتحت وطأة الإبادة الجماعية يصمد
الغزيون: يطبخون على نيران مشتركة، ويديرون مدارس في الهواء الطلق، ويقدمون
أطروحات إلى جامعات لم تعد مبانيها موجودة.
دعوات لبناء مستوطنات في غزة
تمارس حركة الاستيطان ضغوطًا مكثفة على
الحكومة الإسرائيلية لبدء بناء مستوطنات داخل المنطقة العازلة الموسعة بشكل كبير.
وصرّح وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تغادر غزة أبدًا، وستحوّل المواقع
العسكرية إلى مستوطنات مثلما حدث في أوائل الخمسينيات، أو كما هو حادث الآن في
الضفة. وبما أن ترامب يعارض رسميًا بناء المستوطنات في غزة، فقد أجبر نتنياهو كاتس
على التراجع عن تصريحه. وقررت الحكومة تبني موقف غامض، وتأجيل انسحاب الجيش،
وتعزيز مواقعه وبنيته التحتية شرق الخط الأصفر، مما سيُؤجل تحويل هذه المواقع العسكرية
إلى مستوطنات ريثما ينصرف اهتمام العالم إلى مكان آخر.
ريفيرا الشرق: مشروع خيالي لاستكمال الإبادة
تطرح الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض
الأطراف الأعضاء فيما يسمى "مجلس السلام" خططًا تنموية خيالية للتغطية
على واقع الدمار المستمر الذي يُزهق أرواح الغزيين. وأصبحت غزة مرتعًا لتجار
العقارات والسياسيين الانتهازيين. ففي 4/2/2025، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة
ستسيطر على غزة لأنها تتمتع بموقع استثنائي على البحر، وأفضل طقس، وستكون
"ريفييرا الشرق الأوسط". وبينما كانت الولايات المتحدة تُقلل سابقًا من
شأن الدمار، بدأت إدارة ترامب في تضخيمه. ولم يكن هذا نابعًا من أي دافع إنساني.
وزعمت أن التنمية ستتطلب إخلاءً كاملاً. ويتم تشجيع الفلسطينيين على الانتقال إلى
"مكان مناسب" آخر خارج القطاع، مما يعني أن خطة الإعمار والتنمية ستؤدي
إلى التهجير الذي فشلت إسرائيل في تحقيقه بالحرب.
تمارس حركة الاستيطان ضغوطًا مكثفة على الحكومة الإسرائيلية لبدء بناء مستوطنات داخل المنطقة العازلة الموسعة بشكل كبير. وصرّح وزير الدفاع إسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تغادر غزة أبدًا، وستحوّل المواقع العسكرية إلى مستوطنات مثلما حدث في أوائل الخمسينيات، أو كما هو حادث الآن في الضفة.
وقبل خطة "ريفييرا غزة"، طرحت مصر
والسعودية والأردن والإمارات مخططاتها الرئيسية. وقُدِّم اقتراح "مدينة خضراء
ذكية تعمل بالطاقة المتجددة". وكان من الواضح أن الاقتراح مصمم لإرضاء
الإسرائيليين. وتم دمج المنطقة العازلة في الخطة، وتصويرها على أنها "منطقة خضراء
مفتوحة" لا يُسمح فيها ببناء أي منشآت. وكان هذا المخطط مصممًا لضمان بقاء
الفلسطينيين في القطاع بدلاً من تهجيرهم إلى أراضي هذه الدول.
وفي صيف 2025، قدمت مجموعة من رواد الأعمال
الإسرائيليين مبادرة أخرى، هي "صندوق إعادة بناء غزة، وتسريع التحول
الاقتصادي". وهو مشروع يقف خلفه نفس الأشخاص الذين اقترحوا وأشرفوا على مؤسسة
غزة الإنسانية التي أنشأت مراكز إطعام عسكرية في جنوب غزة. واقترح المشروع منتجعًا
شاطئيًا عالميًا، مع سلسلة من المدن "المعتمدة على الذكاء الاصطناعي" في
الداخل. وسيُسمح لبعض الفلسطينيين بالبقاء، وسيحصل آخرون على مساعدات مالية ضئيلة
للانتقال إلى أماكن أخرى.
غزة: من احتلال إسرائيلي إلى احتلال دولي
إضافة إلى ترامب، ضمّ تشكيل مجلس السلام
المقترح لغزة: بنيامين نتنياهو، واليميني المتطرف فيكتور أوربان من المجر، وآخرين.
وتمّ تكليف ماركو روبيو، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، وآخرين، بتشكيل لجنةٍ للإشراف
على لجنة التكنوقراط التي ستدير الشؤون اليومية في غزة. وتتولى "قوة
الاستقرار الدولية" زمام الأمور الأمنية، أي أنها ستحل محلّ الجيش الإسرائيلي
كقوة احتلال دولي للقطاع.
مشروع شروق الشمس.. أبراج فاخرة فوق مقابر
جماعية
في منتدى دافوس، عرض جاريد كوشنر رؤية
"شروق الشمس" المعمارية لمجلس السلام، وتضمنت رسومات لـ 180 ناطحة سحاب
فاخرة، خلفها سبع مجموعات من المشاريع العمرانية والصناعية، وتفصل بينها طرق واسعة
تتبع مسار الطرق العسكرية التي أنشأتها إسرائيل منذ الحرب لتقسيم غزة إلى مناطق
يمكن السيطرة عليها. وإلى الشرق منها، تقع منطقة عازلة كمنطقة زراعية.
إن صورة الأبراج الفاخرة المُشيّدة فوق
مقابر جماعية، تُجسّد منطق الإبادة الجماعية. وتأمل إسرائيل أن تحقق بها ما عجزت
عن تحقيقه في الحرب. وتريد محو الحياة الفلسطينية في غزة بوسائل معمارية. وامتدت
بنية السيطرة المقترحة إلى الفضاء الإلكتروني، واستعان ترامب لإعدادها بخريج من
وحدة 8200 الاستخباراتية الإسرائيلية، لوضع إصلاح رقمي شاملة لتحقيق السيطرة
السيبرانية وإخضاع كل ما يجري بغزة تحت المراقبة الإسرائيلية.
المجمع الإماراتي والتحكم في حياة وتوجهات
الفلسطينيين
تُشكّل إعادة الإعمار مصدر نفوذ وتحكم
لإسرائيل والإمارات. فهي ستستغرق سنوات لإتمامها، وستتحكم إسرائيل فيها، وفي نقاط
التفتيش، وعلى كل شاحنة إسمنت أو مواد بناء تعبر إلى غزة. وفي يناير/كانون الثاني
2026، رصد باحثون في "فورينسيك آركيتكتشر" أعمال بناء في منطقة مساحتها
كيلومتر مربع واحد، مُحاطة بعدة مواقع عسكرية، على الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل
من الخط الأصفر، شرق رفح مباشرةً. وكشفت وثيقة عسكرية أمريكية مسربة أنه مشروع
تجريبي لبرنامج يُسمى "مجتمعات آمنة بديلة"، والذي سيوفر مساكن لعشرات الآلاف
من الفلسطينيين، ممن تم اختيارهم بناءً على استعدادهم للتخلي عن حماس، في مجمعات
سكنية من منازل جاهزة مزودة بالمياه والصرف الصحي والكهرباء. وستُعزز ما بها من
مساجد ومدارس التطبيع مع إسرائيل بما يتماشى مع المناهج الدراسية الإماراتية. وعرف
هذا المشروع ب"المجمع الإماراتي"، وهو نوع جديد من مخيمات اللاجئين، به
وحدات سكنية من طابقين لمنع أي تهديد للقوات الإسرائيلية، وشوارع واسعة تسمح بحرية
الحركة للدبابات الإسرائيلية. وفي المنتصف، توجد حديقة كبيرة تُحيط بمسجد من طابق
واحد. وسيدخل السكان ويخرجون من المخيم المُسيّج عبر نقاط تفتيش مُجهزة باستشعار
بيومتري. ويقدم المخطط المساعدة للفلسطينيين الراغبين في السفر إلى الخارج.
مبادرة فينيق فلسطين
في مقابل هذه المشاريع المشبوهة، اقترح
المخططون والمهندسون المعماريون الفلسطينيون خططًا منها مبادرة فينيق غزة، التي
أعدها اتحاد بلديات القطاع مع مهندسين معماريين في الشتات. وتهدف المبادرة إلى
إعادة بناء المدن والمخيمات التي مُحيت معالمها، وبعضها مراكز تاريخية للهوية
الفلسطينية، وإعادة ترسيخ ملكية الأرض التي محاها الاحتلال بعناية، وإعادة تسكين
كل عائلة بالقرب من منزلها المُهدم، ومشاركة المجتمعات المحلية في عملية إعادة
البناء.
الإعمار الترامبي والإماراتي جزء من الإبادة
المعمارية
تهدف خطط إعادة الإعمار الترامبية
والإماراتية إلى تدمير الحياة الفلسطينية، وهي جزء من الإبادة المعمارية للقطاع.
إذ أن طريقة تنظيم شعب ما لمساحته هي مظهر من مظاهر تاريخه وبنيته الاجتماعية.
ولذلك، ذُكر أن الإبادة الجماعية المعمارية لها مرحلتان: الأولى تتمثل في تدمير
النمط الوطني للجماعة المضطهدة، وتتمثل الثانية في فرض تصميم من قِبل المُستعمِر.
وقد تحققت المرحلتان في غزة من خلال القصف الإسرائيلي المدمر، ومن خلال خطط إعادة
الإعمار غزة الدولية والإقليمية.